هل يخفّف العرض الجيبوتي لإثيوبيا من التوتّرات في القرن الأفريقي؟

في محاولة هي الأولى لتخفيف حدّة التوترات التي نشأت في منطقة القرن الأفريقي بعد المطالبات الإثيوبية بالوصول إلى البحر الأحمر، أعلنت جيبوتي على لسان وزير خارجيتها محمود علي يوسف عزم حكومتها منح إثيوبيا إدارة ميناء تاجورة شمالي جيبوتي، لضمان وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر.
وقال يوسف في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إنّ هذا العرض جزءٌ من الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات في منطقة القرن الأفريقي، ويتضمن الاقتراح وفقاً ليوسف، إدارة اثيوبيا لميناء تاجورة واستخدام ممرّ تم إنشاؤه حديثاً.
وأوضح يوسف أنّ الاقتراح يهدف إلى إيجاد حلّ للنزاع الدبلوماسي الذي بدأ بين إثيوبيا والصومال عقب مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة أديس أبابا في الأول من يناير الماضي مع سلطات إقليم “أرض الصومال” الانفصالي “صوماليلاند” للحصول على حقّ الوصول إلى البحر الأحمر من خلال الامتياز في ميناء بربرة.
وأضاف يوسف أنه “على الرغم من أن جيبوتي دولة مستقرة وآمنة تماماً، فإننا لا نستطيع ان نقول إن التوترات في الدول المجاورة لا تؤثر علينا”.
وبينما لم تعلق السلطات الإثيوبية بعد على هذه الأنباء، قال يوسف إنّ الاقتراح قد تمّ تقديمه لحكومة أديس أبابا من قبل الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيلة، وإن ذلك تمّت مناقشته بالتفصيل في منتدى التعاون الصيني- الأفريقي الذي انعقد في العاصمة الصينية بكين.
ميناء تاجورة
يقع ميناء تاجورة على الساحل الشمالي لجيبوتي، ويطلّ على المحيط الهندي في جنوب مضيق باب المندب، عند مدخل البحر الأحمر ويبعد حوالي 100 كيلومتر عن الحدود الإثيوبية.
وقد تمّ تشغيل الميناء منذ عام 2017 وعملت شركة “تكنيتال فيرونوزي” الإيطالية مع السلطات المحلية في جيبوتي على تطويره، وتم بناؤه بكلفة 90 مليون دولار، وقد قام الصندوق العربي بتغطية حوالي 47% من إجمالي تكاليفه من خلال قرض، وكذلك الصندوق السعودي للتنمية ساهم بحوالي 33% من إجمالي تكاليف المشروع.
ويستوعب الميناء السفن التي يصل وزنها إلى 65 ألف طن، وتمّ تصميم محطاته لمعالجة ما يصل إلى أربعة ملايين طن من البوتاسيوم، وهو العنصر الذي تهدف إثيوبيا إلى تصديره مع الحجر الجيري وخام الحديد.
وبدأت اثيوبيا في استخدام ميناء تاجورة منذ حوالي أربع سنوات، وفقاً لخدمة النقل البحري والخدمات اللوجستية في جيبوتي، وتعتمد عليه بأكثر من 85% من صادراتها.
إنّ العرض الجيبوتي لإثيوبيا لإدارة ميناء تاجورة يوفّر فرصة اقتصادية مهمة لأديس أبابا، لكنّه في الوقت نفسه يشكل معضلة استراتيجية لأنّ قبول هذا العرض قد يؤدي إلى تعقيد علاقة إثيوبيا بـِ”صوماليلاند” وإضعاف موقفها في المفاوضات المستقبلية بشأن استخدام ميناء بربرة.
ومن خلال هذا العرض فإنّ جيبوتي تقدم لإثيوبيا مجموعة من المزايا أهمها:
- إدارة الميناء بنسبة 100%، مما يتيح لأثيوبيا التحكم في العمليات التجارية اللوجستية.
- أيضاً يوفر هذا العرض ممراً تجارياً جديداً لإثيوبيا الدولة الحبيسة، مما يسهل عليها حركة تنقل البضائع والوصول للأسواق العالمية. ويتيح لها إمكانية الوصول إلى ميناء رئيسي آخر مما يؤدي على تنويع تجارتها.
- كذلك يساهم في تحسين استقرار اثيوبيا على الصعيد الاقتصادي وزيادة قدرتها على التجارة الدولية.
أما بالنسبة لجيبوتي، فإنّ هذا العرض له دوافعه وأسبابه وانعكاساته، أبرزها:
- المحافظة على المكاسب الاقتصادية الكبيرة من واردات وصادرات إثيوبيا، لأن اعتراف أديس أبابا بأرض الصومال يؤدّي لخسارتها للجزء الأكبر من تجارة اثيوبيا (90%) التي تمرّ عبر موانئها.
- تعزيز الدور الإقليمي لجيبوتي كوسيط في حلّ القضايا الشائكة والمعقّدة التي يشهدها القرن الأفريقي في الوقت الراهن. بالإضافة للترويج لمرشحها لرئاسة الاتحاد الافريقي وزير خارجيتها محمود علي يوسف الذي أعلن عن الاقتراح بنفسه.
- محاولة جيبوتي تجنّب الوصول إلى لحظة ما تجد نفسها مضطرة للاختيار بين إحدى جارتَيْها الصومال وأثيوبيا، ومعاداة الأخرى.
التوتر في القرن الافريقي
في التاسع عشر من شهر يوليو 2024، وافق مجلس الوزراء الصومالي على اتفاقية دفاعية مشتركة مع مصر تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري – الأمني بين البلدَيْن، عن طريق تقديم كافة أوجه الدعم للقوات الصومالية من خلال التدريب، وتقديم المعدات العسكرية والذخيرة، لا سيما في ظل انتشار الجماعات المسلحة بخاصة “حركة الشباب” المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، ما يشير إلى حاجة الصومال إلى دولة فاعلة ووازنة إقليمياً للحفاظ على وحدتها في ظلّ تنامي الإرهاب، وللاستفادة من خبرات الجيش المصري سواء القتالية أو الدفاعية.
من جهتها عبّرت إثيوبيا عن رفضها الحضور المصري العسكري في الصومال، وكشفت وسائل اعلام إثيوبية أن أديس أبابا “ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية”. وحذر وزير الخارجية الاثيوبي تاي أصقي سيلاسي، في مؤتمر صحافي من “تحركات الصومال مع جهات لا تريد الاستقرار في المنطقة”.
ووفقاً لبعض التقارير، فإنّ مصر تخطط لإنشاء قاعدة عسكرية في الصومال لإستخدامها كورقة ضغط بوجه إثيوبيا التي تهدّد مصالحها، فالخلاف بين الدولتيْن حول سدّ النهضة الذي تبنيه إثيوبيا يؤثّر على حصص دولتَيْ المصب (مصر والسودان) من مياه النيل، حيث تتمسك الدولتان بحقهما في التوصل إلى اتفاق مُلزم مع إثيوبيا، بشأن ملْء وتشغيل السدّ، بهدف ضمان تدفق حصصهما المائية، ولكن إثيوبيا تؤكد على عدم استهدافها الإضرار بدولتَيْ المصب، لكنها عمدت بعد الاتفاقية إلى غلق أبواب السدّ مما منع تدفق المياه إلى مصر والسودان. كما أنّ مصر تحاول الضغط على اثيوبيا لمنعها من الوصول إلى مضيق باب المندب الشريان الرئيسي لقناة السويس مما يهدد أمنها القومي.
وتسعى مصر من خلال هذه الاتفاقية إلى إثبات حضورها وتعزيز تعاونها مع دول منطقة القرن الأفريقي، نظرًا لما تشهده هذه المنطقة من تنامٍ للدور الإثيوبي والتركي وغيرهما من الدول، الأمر الذي دفع مصر للتحرُّك بشكلٍ استباقي لمواجهة المخاطر والتهديدات الناجمة عن انخراط أي قوى خارجية تحاول تهديد الأمن القومي المصري.
التداعيات المحتملة
على صعيد الأمني: يهدف هذا العرض إلى تعزيز الاستقرار في منطقة القرن الافريقي، مما قد يخفف من حدة التوترات بين الدول المعنية أي اثيوبيا والصومال.
التحديات المنتظرة: من المنتظر أن ترد اثيوبيا على هذا العرض إما بالاستجابة، أو بطلب المزيد من الضمانات ووضع مزيد من الشروط. كما أن موقف الصومال من هذا العرض وتأثيره على التوترات الإقليمية قد يلعبان دوراً مهماً في تشكيل مستقبل العلاقات بين هذه الدول.
وفي حين ترى جيبوتي في التبرع بميناء تاجورة لإثيوبيا خطوة إيجابية نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي، فإنّ الموقف الاثيوبي والصومالي والمجتمع الدولي سيظل مفتاحاً في تحديد مدى نجاح هذا العرض في تخفيف التوترات وحلّ القضايا المستمرة في منطقة القرن الأفريقي.
