طاجيكستان وشبح “الإنقلاب الإسلامي”.. إمام علي رحمون بين الهوية الوطنية وبقاء نظامه!

اتّخذت السلطات في طاجيكستان مؤخّراً إجراءات جديدة تتعلّق بالممارسات والطقوس والمظاهر الإسلامية، وهي إجراءات تشكّل حلقة في سلسلة من التدابير التي عمل نظام الرئيس إمام علي رحمون على فرضها خلال السنوات الماضية وبشكل تدريجي وتصاعدي.
وأتت هذه الحزمة الأخيرة من الإجراءات التي فرضت في يونيو 2024، لتطرح العديد من التساؤلات حول ما إذا كان الهدف منها ترسيخ الهوية الوطنية الطاجيكية والحفاظ عليها بحسب ما تقول السلطات الرسمية، أم أنّها تأتي في سياق سياسي دقيق حيث يخيّم شبح “الإسلاميين” على نظام رحمون الذي يسعى إلى توطيد دعائم حكمه وربّما توريثه إلى نجله رستم من بعده وهو الذي يشغل حالياً منصب رئيس البرلمان.
وطاجيكستان جمهورية سوفياتية سابقة وإحدى دول آسيا الوسطى، وقد نالت استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، ولها حدود مع قيرغيزستان شمالاً ومع أفغانستان جنوباً، فيما تحدّها أوزبكستان من الغرب والصين من الشرق، كما أنّها عضو رسمي في “منظمة التعاون الإسلامي”، إذ يعدّ الإسلام هو الديانة الكبرى فيها لكنّ النظام الحاكم للبلاد هو نظام علمانيّ.
ويحكم رحمون البلاد منذ ما يقرب ثلاثة عقود، وقد بلغ الحكم بعد أن شهدت العاصمة دوشنبه عام 1992 حرباً أهلية واشتباكات مسلحة دامية بين المعارضين “الإسلاميين” وأنصار رئيس الجمهورية الطاجيكية حينها رحمان نبييف الذي تلقّى دعماً من الجيشين الروسي والأوزبكي اللذين دخلت قوّاتهما دوشنبه وحالت دون سقوط النظام الطاجيكي، ومنعت من صعود الإسلاميين إلى السلطة ودفعتهم للخروج من البلاد إلى الدول المجاورة.
وبعد تسلّم رحمون زمام الأمور في البلاد، تغيّر خطابه تجاه الإسلام بشكل تدريجي، فقد تحدث خلال جلسة “منظمة التعاون الإسلامي” عام 2010 في دوشنبه عن الإرهاب الاسلامي قائلاً إن “الإرهاب والإرهابيين ليس لديهم لا أمّة ولا بلد ولا دين… باستخدام اسم الإرهاب الإسلامي، إنما يشوه سمعة الإسلام ويهين دين الإسلام النقي غير الضار”،[1] فلم يهاجم حينها الإسلام كدين أو عقيدة بل هاجم الإرهاب الإسلامي والإسلام السياسي. ومن ثمّ أصدرت السلطات الطاجيكية عام 2011 قانون “المسؤولية الأبوية” والذي يعاقب الآباء الذين يرسلون أطفالهم إلى مؤسسات تعليمية دينية خارج البلاد، بينما يحظر على من هم دون سن 18 عامًا دخول أماكن العبادة من دون إذن، وأشار تقرير لجنة الشؤون الدينية في طاجيكستان عام 2017 إلى إغلاق ما يقارب من ألفَيْ مسجد خلال سنة واحدة فقط وتحويلها إلى مقاهٍ ومراكز طبية، وفي حين لا توجد قيود قانونية على اللحى في طاجيكستان، تشير تقارير متعددة إلى أنّ سلطات إنفاذ القانون تقوم بحلق لحى الرجال الذين تعتبر أن لحاهم كثيفة قسراً.[2]
وفي عام 2017 بدأت السلطات الطاجيكية تتخذ خطوات تمسّ التراث الإسلامي الديني وليس السياسي فقط، حيث أصدرت قانوناً يلزم الطاجيك “بالالتزام بالملابس والثقافة الوطنية التقليدية” والذي اعتبر حينها بأنّه يهدف إلى فرض غطاء الرأس الطاجيكي التقليدي المربوط خلف الرأس ومنع النساء من ارتداء الحجاب الذي يغطي الذقن والرأس.
أما اليوم، فقد أصبحت السلطات الطاجيكية تتخذ إجراءات أكثر تشدداً تجاه الفكر الإسلامي والطقوس والممارسات والمظاهر الإسلامية، فقد وقع الرئيس رحمون في 20 يونيو على حزمة من 35 قانوناً، تتضمن نسخة جديدة من القوانين المتعلقة بتنظيم الاحتفالات والطقوس ومسؤولية الوالدَيْن عن تعليم وتربية الأطفال، وحظر احتفالات الأطفال في الأعياد الإسلامية، وارتداء ملابس دخيلة على الثقافة الوطنية وتعديلات على القانون لحظر استيراد وبيع وارتداء الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية وفرض غرامات مرتفعة على من يخالف القوانين وغير ذلك. ووفقاً لبيان المكتب الصحافي لرئيس الدولة، فإنّ تلك القوانين تهدف إلى “حماية القيم الحقيقية للثقافة الوطنية، ومنع الخرافات والأحكام المسبقة والتجاوزات والإسراف في إقامة الاحتفالات والطقوس، وذلك لرفع المستوى الروحي والاجتماعي والاقتصادي لشعب طاجيكستان، وحماية حقوق الطفل وحرياته، وتعليم وتربية الأطفال في روح الإنسانية والفخر الوطني واحترام القيم الوطنية”.
وكان رحمون قد أشار في مارس 2024 أثناء اجتماع له مع شخصيات عامة ودينية إلى أنّ الملابس الوطنية تعكس القيم المادية والروحية لماضي شعبها وتجعل من الممكن التعرف إلى الأمّة من خلال شكل وأسلوب الملابس، معتبراً أن تقليد ثقافة دخيلة في اللباس كارتداء ملابس أجنبية مثل الحجاب، تشكل مشكلة أخرى للمجتمع الطاجيكي[3].
وقد يعود سعي إمام علي رحمون لاحتواء أي ميول إسلامية عند الطاجيك إلى الأسباب التالية:
- السعي إلى ترسيخ الهوية الوطنية الطاجيكية وحماية قيمها الوطنية الثقافية، فقد عمل رحمون سنة 2007 على تعديل اسمه الحقيقي “إمام علي شاريبوفيتش رحمنوف” حيث تخلى عن اسم “شاريبوفيتش” بشكل نهائي وأزال حرفَيْ الـov من رحمنوف اسم الأب لتصبح رحمون، حيث تخلى عن الصيغة الروسية للاسم ليتخلص من رواسب الإرث السوفياتي – الروسي. فيما يعمل اليوم على التخلص من الإرث الديني الإسلامي من خلال ما يفرضه من تدابير صارمة والعودة إلى الجذور الثقافية والوطنية الطاجيكية.
- خشية طاجيكستان من شبح محاولة الإسلاميين إسقاط النظام الطاجيكي وإثارة الفوضى في البلاد كما حصل في بداية تسعينيات القرن الماضي، وبخاصة أن رحمون وصل إلى الحكم عام 1994 في وقت كانت تواجه فيه البلاد حرباً أهلية قُتِل فيها ما يفوق المائة ألف شخص، واستطاع انهاء المواجهات التي دامت حتى عام 1997، ليفرض الاستقرار الأمني في البلاد طيلة السنوات الماضية، ولاسيما في خضمّ الحديث عن نيّته تسليم الحكم لنجله من بعده رستم.
- خشية طاجيكستان في حال عودة محاولة الإسلاميين إسقاط النظام الطاجيكي بأن لا تناصرها حليفتها منذ العهد السوفياتي روسيا كما ناصرتها في عهد الرئيس الروسي بوريس يلتسن عام 1992 عندما دخلت القوات الروسية العاصمة دوشنبه وأعادت النظام إلى الحكم بهدف حماية موقعها الجيوسياسي وأفقها الحيوي، وأن تتخلى موسكو عنها كما تخلّت عن أرمينيا في مواجهتها مع أذربيجان عام 2023 والتي خسرت أراضيها في إقليم ناغورني قره باغ (جمهورية آرتساخ الأرمنية) بعد أن امتنعت قوات حفظ السلام الروسية من التدخل في المنطقة على الرغم من أن موسكو ناصرت يريفان في بداية التسعينيات كما ناصرت طاجيكستان في مواجهة المعارضة الإسلامية المسلّحة. فقد نأت روسيا بنفسها عن مناصرة أرمينيا في حربها الأخيرة مع أذربيجان بسبب انزعاج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من جنوح رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان إلى الغرب، إضافة إلى حرصه على عدم إثارة التوتّر مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يدعم أذربيجان ضد أرمينيا. أما السبب الذي قد يدفع موسكو إلى الإمساك عن مناصرة طاجيكستان في حال نشوب أيّ نزاع فيها، فيكمن في عدم القدرة على فتح جبهة جديدة بعد استنزاف الجيش الروسي في الحرب مع أوكرانيا ودخول الجيش الأوكراني إلى كورسك الروسية، كما يكمن في التحديات الداخلية التي تواجهها موسكو ولا سيما مع ارتفاع نسبة العمليات الإرهابية في الداخل الروسي من قبل تنظيمات إسلامية متشددة والتي ينتمي أغلب منفذيها إلى الجمهوريات الروسية الإسلامية أو جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة، فالجبهة الغربية لدى روسيا مع أوكرانيا ذات أهمية جيوسياسية تفوق الدفاع عن نظام رحمون في طاجيكستان. وذلك على الرغم من نظرة روسيا إلى طاجيكستان على أنها دولة حليفة وتنتمي إلى إرث الاتحاد السوفياتي السابق وتشكل جزءاً من الأفق الحيوي لروسيا، كما أنّها عضو بمنظمة “معاهدة الأمن الجماعي” التي تقودها روسيا، وتستضيف أكبر موقع عسكري لروسيا خارج أراضيها “القاعدة العسكرية الروسية 201” بفرعيها في دوشنبه وبختار، كما أنّ روسيا ليست بمنأى عن الخطر الذي يهدد النظام الطاجيكي حيث كشفت وسائل الإعلام الرسمية أنّ منفذي الهجوم الذي وقع في قاعة “كروكوس” بضواحي موسكو في مارس 2024 وأوقع 139 قتيلاً والذي أعلن تنظيم “داعش – خراسان” رسمياً مسؤوليته عنه هم من طاجيكستان[4].
- الخشية من أن يتمالأ إسلاميو طاجيكستان مع إسلاميي أفغانستان وخاصة الطاجيك منهم الذين هم ثاني أكبر مجموعة اثنية في أفغانستان ويشكلون أكثر من ربع عدد سكان أفغانستان[5]، حيث أصبح الخطر أكبر على بقاء نظام رحمون خاصة بعد عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان وسيطرتها على جزء كبير من الحدود الطاجيكية – الأفغانية التي كانت قد سيطرت عليها روسيا منذ بداية التسعينيات. فقد أعرب بوتين في ديسمبر 2021 عن خشية روسيا من الوضع الأمني على الحدود الأفغانية – الطاجيكية متخوفاً من احتمال تسلل إسلاميي أفغانستان إلى طاجيكستان وغيرها من جمهوريات آسيا الوسطى[6]، فكيف الحال بعد سحب بوتين لآلاف من جنوده من القاعدة 201 المكلفة بتوفير أمن الحدود الطاجيكية – الأفغانية للالتحاق بالقتال على الجبهة الأوكرانية؟ فربما تعتقد روسيا بأن شطب حركة طالبان من قوائم الإرهاب واعترافها بشرعيته كحكومة رسمية لأفغانستان واعتبارها شريكة رسمية في مكافحة الإرهاب قد يكفيها غائلة تهديد الإسلاميين لأمنها.
فهل ما يقوم به الرئيس إمام علي رحمون من تضييق على العقيدة والممارسات الإسلامية عملياً هو محاولة للحفاظ على القيم الوطنية وترسيخ هوية الدولة الطاجيكية كما يدعي؟ أم أن كلّ ذلك يهدف إلى درء خطر عودة شبح الانقلاب الإسلامي وضمان حماية نظامه واستمراريته من بعده لابنه رستم علي رحمون؟
[1] rferl.org, 18-05-2010.
[2] arabic.euronews.com, 25-6-2024.
[3] arabic.rt.com, 20-06-2024.
[4] france24.com, 20-03-2024.
[5] arabic.euronews.com, 23-08-2021.
