الشائع

مآلات الاتفاق المصري - التركي

بقلم الزميل غير المقيم رحيم عيزوقي

محامٍ وحقوقي

لا يخفى على أي متابع للوضع الإقليمي في الشرق الأوسط والحالة المتردية التي تعيشها ما تسمى دول الطوق المحيطة بإسرائيل وأهمها الوضع المصري الدولة الوازنة في ملفات المنطقة والعالم العربي والإفريقي، ومصر حالها كحال هذه الدول حيث تشهد تحديات سياسية داخلية وخارجية بما في ذلك التعامل مع الأزمات الاقتصادية ففي عام 2024 من المتوقع أن تصل قيمة الديون الخارجية المستحقة على مصر إلى حوالي 165.4 مليار دولار أما بالنسبة للديون الداخلية بلغت حوالي 4.7 تريليون جنيه مصري حتى يونيو 2020 وهذا ما جعل مصر تواجه أزمة اقتصادية حادة تشمل عجزاً في الموازنة وتضاؤل بالاحتياطي النقدي وانخفاض قيمة الجنيه المصري. 

أما على صعيد التوترات الإقليمية فأمنياً تشهد مصر جهودًا مستمرة في مكافحة الإرهاب على كافة حدودها سواء من جهة ليبيا إلى حدودها مع السودان بعد الحرب الأهلية السودانية وأزمة النزوح التي شهدتها مصر والتي تقدر بمئات آلاف السودانيين وأخيراً على حدودها مع قطاع غزة بعد حرب السابع من أكتوبر 2023 فأمن غزّة من أمن مصر وهذا التصعيد في غزة أدى إلى تداعيات سلبية على الاستقرار الإقليمي.

فعلى الصعيد الليبي كانت مصر داعمة للشرق الليبي وقوات المشير خليفة حفتر والقبائل المتحالفة معه، أما تركيا فكانت داعمة لحكومة طرابلس والمليشيات المنضوية تحت عباءتها وبالنظر لأهمية ليبيا استراتيجياً لمصر من حيث طول الحدود المشتركة بينهما وخطورة التهديدات الأمنية مثل تهريب السلاح وتسلل جماعات إرهابية وكذلك حجم الاستثمارات المصرية في ليبيا والتي بلغت 12 مليار دولار، ومع وجود أطماع تركية في ليبيا من اتفاقيات نفط وغاز وإعادة إعمار وتسليح لهذا أدى هذا التعارض بالمصالح لصراع سياسي دبلوماسي بين مصر وتركيا وصراع مسلح على الأرض الليبية بين الفريقين الليبيين والذي لم يحسم لصالح أي طرف منهما، وقد أدركت مصر أن الاستقرار في ليبيا لأهميته لا بدّ من التعاون مع تركيا والعكس صحيح، فهذا الاستقرار يمكن أن يتجسد من خلال دعم العملية الانتخابية وتقليل الانقسامات بين الفرقاء الليبيين لما لمصر وتركيا من تأثير قوي على الفاعلين المحليين في ليبيا وبالتالي تحقيق السلام، فمصر تعتبر الشرق الليبي عمقاً استراتيجياً وأمناً قومياً بينما ترى تركيا في ليبيا بعداً استراتيجياً وجيوسياسياً هاماً فيما يتعلق بتعيين الحدود البحرية، وهذا التعاون يساعد في مواجهة التحديات المشتركة مثل تدفق اللاجئين وملف الطاقة فليبيا تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز مما يجعلها مصدراً هاماً لكلا البلدين، وهذا الاستقرار في ليبيا يساهم في تقليل التوترات الإقليمية وتحقيق توازن النفوذ في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ويعزز الدور المصري إقليمياً ودولياً، وقد تم مؤخراً افتتاح قنصلية تركية في بنغازي مما يشير إلى بداية ظهور ثمار التفاهم المصري التركي.

أما من ناحية السودان فلطالما كان السودان العمق الاستراتيجي لمصر خاصة فيما يتعلق بالأمن المائي فالنيل يمر بالسودان قبل دخوله لمصر، كما لمصر تعاون اقتصادي مع السودان في مجال الزراعة يمكن أن يساهم في تحقيق الأمن الغذائي المصري لذا فاستقرار السودان ينعكس إيجابياً على مصر، وبعد اندلاع الحرب في السودان وظهور أزمة اللاجئين السودانيين في مصر والمقدر عددهم بـ 469.664 لاجئ سوداني في الأراضي المصرية، بات على مصر السعي الحثيث لحل أزمة اللاجئين و للدفاع عن بعدها الاستراتيجي في السودان وأمنها القومي، أما من الناحية التركية فالسودان يمثل البوابة لتركيا لتعزيز نفوذها في إفريقيا والبحر الأحمر مما يتيح لها الوصول لأسواق جديدة وتعزيز علاقتها مع الدول الافريقية كما لتركيا بالسودان استثمارات في مجالات البنية التحية والزراعة والطاقة وتعاون عسكري يشمل التدريب وتقديم الدعم اللوجستي مما يعزز قدرات تركيا العسكرية بالمنطقة، لذا فإن التعاون المصري – التركي يساعد في تحقيق الاستقرار من خلال دعم الجهود الدبلوماسية لوقف النزاع كما يمثل السودان فرص استثمارية لكل من مصر وتركيا في الزراعة والطاقة والبنية التحتية، كما يساعد التعاون المصري التركي في النزاع السوداني لتعزيز نفوذهما الإقليمي في المنطقة.

كما برزت مؤخراً أهمية التعاون المصري التركي في المحاولة الإثيوبية للوصول للبحر الأحمر عبر الصومال، فالأزمة المصرية الإثيوبية معروفة منذ عقود والمتمثلة بإشادة إثيوبيا لسد النهضة وما تبعه من مفاوضات تعثرت جميعها، وقد أكدت وزارة الخارجية المصرية رفضها مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وإقليم الصومال لاند وضرورة الاحترام الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة، وكذلك فإن التمدد الإثيوبي يهدد المصالح التركية التي لها علاقات قوية مع الصومال واستثمارات استراتيجية كبيرة فقد ساهمت تركيا في إعادة بناء البنية التحتية بما في ذلك مطار مقديشو وقامت بالاستثمار في مجال الصحة والتعليم ووقعت اتفاقيات للتنقيب عن الغاز والنفط وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 100 مليون دولار وكذلك تمتلك تركيا أكبر قاعدة تدريب عسكرية في الصومال هي “تركسوم” لتدريب الجنود الصوماليين لمكافحة الإرهاب وتقدم تركيا دعماً لوجستياً للقوات الصومالية وهناك تعاون أمني وثيق بين تركيا والصومال، وبناءً عليه صرح الرئيس التركي أردوغان “أن التوتر المثير للقلق بين الصومال وإثيوبيا ينبغي أن ينتهي على أساس وحدة أراضي الصومال”، ومع إقدام مصر للتواجد المؤثر في الصومال حيث تستعد لنشر عشرة آلاف جندي مصري كجزء من بعثة الدعم والاستقرار التابعة للاتحاد الافريقي في الصومال كما أرسلت للصومال طائرتين محملتين بالأسلحة في 27 أغسطس 2024 ومع وجود استثمارات مصرية تشمل عدة مجالات في التعليم والصحة والبنية التحتية فقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما حوالي 59 مليون دولار في عام 2024 مقارنةً ب 31 مليون دولار في عام 2023 مما يمثل زيادة بنسبة 88%، وهذا النمو التجاري تسعى من خلاله مصر لتحقيق التوازن بينها وبين منافسها التركي في الصومال ، وهنا يتجلى أهمية وحدة الموقف المصري التركي من دعم  الصومال ضد التمدد الإثيوبي فمصر وتركيا مهتمتان في استقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر ومنع أي محاولات لتقسيم الدول أو زعزعة استقرارها مما يؤثر على الأمن الإقليمي وبالتالي فإن توحيد المواقف يعزز قدرة مصر وتركيا على مواجهة هذا التهديد بشكل أكثر فعالية.

أما أهمية التقارب المصري التركي تتجلى في حرب غزة الأخيرة فقد صرح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن بلاده لن تسمح بتصفية القضية الفلسطينية ولن تتهاون كذلك في حماية أمنها القومي، فمصر سابقاً كانت تلجأ لأمريكا للضغط على إسرائيل بينما اليوم فالولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل كامل وأرسلت أسلحة ومسؤولين إليها وهددت دولاً بالمنطقة كي لا تتدخل، ومصر تخشى من تكرار سيناريو 2008 عندما فجر مسلحون من غزة جزء من الجدار الحدودي معها وتدفق عشرات آلاف الفلسطينيين إلى مدينتي العريش والشيخ زويد بشمال سيناء وتخشى مصر من مرور الغزيين دون تدقيق أمني فقد يسمح ذلك بوصول عناصر متشددة مرة أخرى لسيناء فقد أمضت مصر سنوات في عمليات عسكرية ضد مسلحي ولاية سيناء المنتمون لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، كما أن هناك عدة أصوات من مسؤولين إسرائيليين تدعو لتهجير الغزيين لمصر وكما أن لحرب غزة تداعيات إنسانية على مصر هناك تأثير اقتصادي كبير ومهم إذ يؤدي التصعيد إلى تعطيل السياحة  في المنطقة وتعطيل للتجارة خاصة الواردة من قناة السويس فقد صرح الرئيس السيسي أن إيرادات قناة السويس مسؤولة عن دعم موازنة البلاد بنحو 10 مليار دولار سنوياً وقد تراجعت بنسبة 40 – 50% خلال حرب غزة، وعلى هذا فإن مصر ترى أن العلاقة الوثيقة بين كل من تركيا وإسرائيل من جهة وتركيا وحماس من جهة أخرى قد تساهم بالوصول لاتفاق ينهي الحرب في غزة في حال تم التنسيق بين مصر وتركيا للضغط على أطراف الحرب وبالتالي توقف الاستنزاف للاقتصاد المصري وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.

وهنا أتت زيارة الرئيس السيسي لتركيا مصحوبة برغبة البلدين بتعزيز العلاقات الثنائية وتكللت أولاً بتوقيع حوالي عشرين اتفاقية في مختلف المجالات الاقتصادية منها الطاقة والدفاع والتكنولوجيا  والصحة والزراعة والنقل مما يرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار سنوياً، أما الملفات الأشد تعقيداً فهي التعامل مع الإخوان المسلمين المدعومين من تركيا فهذه الزيارة كانت مشروطة بوقف دعم الجماعة وهذا ما لاحظناه من مبادرة الإخوان المقدمة لطلب العفو من الدولة المصرية ووقف نشاطها السياسي لفترة مؤقتة مقابل الإفراج عن سجنائها في مصر، حيث أتت المبادرة قبل زيارة السيسي لتركيا وهناك تسريبات عن مغادرة وشيكة للإخوان وحلّ مكتبها ومجلس شورى الجماعة في تركيا.

وبناء على هذا يكون التقارب المصري التركي مساهماً في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة لمواجهة التحديات المشتركة وتكمن أهمية هذا التحالف استراتيجياً بأنه يخلق توازناً جيوسياسياً في المنطقة مما يحد من النفوذ الإيراني ويعزز من قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات المشتركة، كما أن للتعاون الاقتصادي المصري التركي دور بتعزيز الاقتصاد في المنطقة مما يقلل من فرص إيران لاستغلال الأزمات الاقتصادية لتحقيق أهدافها السياسية، وهذه الأهداف ضرورية لكلا البلدين اللذَيْن ترهقهما الضغوط الاقتصادية وحالة التضخم غير المسبوقة والحالة الأمنية التي تشهدها المنطقة وهي على شفير حرب قد تتوسع خارج حدود غزة والحدود اللبنانية وتدمر المنطقة كلها، وعلى هذا كانت الرغبة التركية متوجهة للمصالحة مع كل من مصر وسوريا، لأهمية الملف السوري لكلا البلدين من ناحية أن مصر تسعى لتحقيق حل سياسي يحافظ على وحدة واستقرار سوريا ضمن حضورها كدولة وكعضو في المجموعة العربية، وهذا التعاون ممكن أن يساهم في تسهيل مرور المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة في سوريا، وزيادة التنسيق الأمني بين مصر وتركيا ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية في مجال مكافحة الإرهاب وبالتالي يساهم هذا التعاون المصري التركي في تحقيق توازن في النفوذ الإقليمي في سوريا ويقلل من التوترات ويعزز الاستقرار في المنطقة ككل وهذا التعاون يخدم الأطراف الثلاثة خاصةً السوري الذي يواجه عقوبات غربية وأمريكية شديدة.

ومن أهم الملفات مشاريع التعاون بين البلدين التي تشمل التنقيب عن الغاز والنفط في البحر المتوسط بالإضافة إلى مشاريع تتعلق بسفن تخزين وتعويم الغاز المسال العائم، فهذه المشاريع تعزز قدرات البلدين في مجال الطاقة وتفتح فرصاً جديدة للتعاون الاقتصادي كما أن ترسيم الحدود البحرية بين البلدين يساهم في حل النزعات القائمة وتحديد مناطق التنقيب بشكل واضح، وبالتالي جعل مصر وتركيا يساهمان في توريد الغاز إلى أوربا مما يعزز مكانة البلدين كمصدرين رئيسيين للطاقة في المنطقة وخلق فرص استثمارية تخدم اقتصاد البلدين المأزومين.

وبهذا تكون مصر بإعادة العلاقات مع تركيا بهذا الاتفاق والزيارة للرئيس السيسي لتركيا قد فتحت باب التعاون والازدهار لكلا البلدين، وعززت الدور المصري إقليمياً ودولياً.


المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط والمركز لا يتبنّى الآراء الواردة فيها.  


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى