تونس: “قصة نجاح” الربيع العربي نحو دكتاتورية جديدة

بقلم حسنية الجبيلي
في سبتمبر 2024 خرجت في تونس تظاهرات كبيرة قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية المقررة في 6 أكتوبر 2024، ضد الرئيس قيس سعيّد الذي رشح نفسه لفترة رئاسية جديدة ضد مرشحين اثنين هما زهير المغزاوي والعياشي زمال. وخرج المتظاهرون إلى الشوارع خوفاً من فوزه بفترة رئاسية جديدة في ظل الممارسات والأفعال القمعية التي يقوم بها سعيّد، بعدما تخلص من معظم منافسيه وقام بتعديل القانون الانتخابي قبل أيام من الانتخابات ليضمن بقاءه في السلطة.
وفي الوقت الذي كانت تعتبر تونس قصة النجاح الوحيدة من ثورات ما يسمّى بـ”الربيع العربي” عام 2011 حيث حقّقت نجاحاً في التحوّل إلى الديمقراطية والحكم المدني الدستوري في البلاد بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي والانتخابات الديمقراطية عام 2014 التي أوصلت الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الى الحكم، ثم انتخابات عام 2019 حيث وصل سعيّد الى الحكم، لم تعد كذلك.
فالديمقراطية التونسية اليوم مهدّدة في ظلّ ما يقوم به سعيّد من احتكار للسلطة وممارسات قمعية وانقلابه على كل مكتسبات الثورة منذ وصوله إلى الحكم، حيث يرى المواطنون أوجه الشبه بين الرئيس الحالي قيس سعيّد الذي وصل إلى الحكم بعد الثورة التونسية كشخص من خارج الطبقة السياسية التقليدية وتحت شعار الديمقراطية والتمثيل الشعبي، والرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي تمّت الإطاحة بحكمه بسبب ديكتاتوريته، من تركيز السلطة في أيدي الرئيس والأعمال القمعية ضد الأحزاب المعارضة والهجمات على حرية الصحافة والتعبير.
ولتوطيد حكمه وضمان بقائه بالسلطة، قام سعيّد بعدة خطوات تمهيداً للانتخابات الرئاسية القادمة، بدءًا من عام 2021 عندما قام بتفعيل المادة 80 من الدستور التي تتيح للرئيس بعض الصلاحيات الاستثنائية، وقام بتجميد عمل البرلمان ثم حلّه بعد بضعة أشهر. وقام بتعليق العمل بالدستور واعتمد دستورًا جديدًا عن طريق الاستفتاء في يوليو 2022 والذي نص بأن “الهيئة المستقلة للانتخابات” تتولّى “إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته وتصرح بالنتائج”، مما يمنحها الوصاية الكاملة على مسار الانتخابات بما في ذلك حق البت في القائمة النهائية للانتخابات، وقام سعيّد بتعيين أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بنفسه.
بعدها، لجأ إلى التخلص من جميع معارضيه حيث تم اعتقال ومحاكمة أبرز السياسيين المعارضين للأحزاب الرئيسية بتهم مثل “تهديد أمن الدولة” و”تلقي تمويلات من الخارج” و”تهديد السلم الأهلي” و”إهانة مؤسسات الدولة”، أبرزهم راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي، وعبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر، وغازي الشواشي الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي، وعصام الشابي، رئيس الحزب الجمهوري، بالإضافة إلى سجن معارضين وصحافيين بتهمة “مكافحة المعلومات الكاذبة والجرائم الإلكترونية”.
بالإضافة الى ذلك، قام سعيّد بالإعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية يوم 2 يوليو أي قبل 3 أشهر من موعد الانتخابات في 6 أكتوبر، لتعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فتح باب الترشح بعد يومين، وهو وقت غير كافٍ، خاصةً في ظل شروط الترشح الصعبة التي يفرضها الدستور وتعقيدات جمع التزكيات المطلوبة للترشح.
ومع ذلك، قام 17 مرشحًا بتقديم ترشحهم رسميًا، إلا أنّ “الهيئة المستقلة للانتخابات” لم تقبل إلا 3 منهم وهم النائب السابق العياشي زامل، والأمين العام لحزب “حركة الشعب” زهير المغزاوي، والرئيس الحالي قيس سعيّد. مما أجبر العديد من المرشحين الذين رفضت الهيئة طلباتهم اللجوء إلى المحكمة الإدارية وتقديم طعن، التي قبلت طعون 3 مرشحين وأبطلت قرار الهيئة باستبعادهم وأعادتهم إلى السباق الرئاسي. ولكن عند إعلان رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن القائمة النهائية للمرشحين الناجحين، اكتفى بأسماء المرشحين الثلاثة الذين صدقت عليهم الهيئة ورفض تطبيق قرارات المحكمة الإدارية، وهو ما اعتبرته المحكمة تجاوزًا للقانون وشككت في شرعية الانتخابات.
وقبل 3 أسابيع من الانتخابات، دعت “الشبكة التونسية للحقوق والحريات” وهي مكونة من مجموعة من منظمات حقوقية وتيارات مدنية “يسارية” و”ليبرالية” لتظاهرات ضد الرئيس الحالي خوفاً من فوزه بفترة رئاسية جديدة، ما أحال دون امكانية اتهام الرئيس لحركة النهضة في التحريض لهذه المظاهرات.
ما بعد الانتخابات
بعد انتهاء الانتخابات وإعلان فوز سعيّد بولاية رئاسية جديدة، قد تتغير ديناميكيات العلاقة بين تونس والغرب، لا سيما مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين كانا داعمين لمسار التحول الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2011. وقد تبدي هذه الدول حذرًا في اعترافها بشرعية نتائج الانتخابات نظرًا لتراجع المعايير الديمقراطية، وهو ما سيؤثر على العلاقات السياسية والاقتصادية مع تونس.
قد يتبنى كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نهجًا أكثر تشددًا تجاه الحكم في تونس، من خلال التركيز على أهمية احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير. في ظل تدهور الأوضاع الديمقراطية في البلاد، قد يتمّ تقليص المساعدات الاقتصادية أو إعادة توجيهها نحو المجتمع المدني كوسيلة لدعم التطلعات الديمقراطية. ومع ذلك، فإن المصالح الاستراتيجية في المنطقة، بما في ذلك سياسات مكافحة الإرهاب ووقف الهجرة من دول أفريقيا إلى أوروبا والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، قد تمنع الغرب من اتخاذ إجراءات عقابية قاسية.
ومن جهة أخرى، قد يلعب الجيش التونسي دورًا حاسمًا في المستقبل السياسي للبلاد. فنظرًا للعلاقة العميقة بين المؤسسة العسكرية التونسية والولايات المتحدة، فإنّ أي تحرك عسكري، سواء كان انقلابًا على السلطة أو لعب دورٍ متزايدٍ في توطيد الحكم، سيتم بقبول من القوى الغربية، إذا كان ذلك ضروريًا للحفاظ على الاستقرار.
ومع تصاعد دعم بعض شرائح المجتمع لدور الجيش في إدارة الشؤون السياسية، قد تشهد البلاد تزايدًا في ترسيخ الممارسات الاستبدادية، مما يعمّق الأزمة السياسية في تونس.
في الختام، يمكن النظر إلى تونس اليوم كمثال على التحولات الديمقراطية غير المكتملة التي شهدتها الدول بعد ثورات “الربيع العربي” في المنطقة، حيث أنّ جزءًا كبيراً من الشعب التونسي، قد تأثر بخطاب الرئيس سعيّد الذي وعد بتقليص اعتماد البلاد على الغرب عند انتخابه عام 2019، الا أن هذا التحول نحو الاستقلال الذاتي ترافق مع قمع مستمر للحريات، مما أدى الى انقسامًا داخليًا بين مؤيدي الحريات والديمقراطية، ومناصري سعيّد.
وعلى الرغم من استياء الحكومات الغربية من هذا القمع، تواجه هذه الدول معضلة معقدة في موازنة المصالح الاستراتيجية، خاصة في ظل العلاقات العميقة بين الولايات المتحدة والجيش التونسي. كما أنه يمكن للجيش، الذي لا يزال يُعتبر الجهة الفاعلة الأكثر ثقة في البلاد، أن يلعب دورًا أساسيًا في مستقبل العلاقات المدنية العسكرية وإمكانية تصاعد التدخل العسكري بدعم غربي لمواجهة الديكتاتورية الجديدة.
وعند مقارنة الوضع في تونس مع دول أخرى مثل مصر وسوريا، نجد أن المكاسب الديمقراطية التي بدت في البداية “قصة نجاح” قد تراجعت في السنوات الأخيرة. وبالتالي، تسلط التجربة التونسية الضوء على هشاشة الديمقراطيات الناشئة في مواجهة الأنظمة الاستبدادية المترسخة في البلاد.
