بين النفط والأمن: خيارات السعودية الاستراتيجية وسط تصاعد الصراع في المنطقة

تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر 2023 تصعيداً خطيراً في الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني، الذي بدأ بعملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل، وامتدّ ليشمل تبادلاً للهجمات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وبين حزب الله اللبناني وإسرائيل في جنوب لبنان. وفي سبتمبر 2024، تطورت هذه الهجمات لتشمل مناطق لبنانية عديدة بالإضافة الى إطلاق صواريخ مباشرة من إيران نحو اسرائيل، مما أدخل المنطقة في حالة من التوتر السياسي الشديد. وبالرغم من ارتفاع حدة الصراع وتوسّع رقعته، انتهجت غالبية دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية موقفاً حذراً من أطراف الصراع مع تشديدها على ضرورة تحييد المدنيين وإعادة مسار البحث في حلّ الدولتَيْن.
وعلى الرغم من أنّ السعودية حاولت تبني موقف حذر من الصراع، فإنّ التطورات الأخيرة قد تجبرها على التدخل في الحرب في حال توسع رقعة الصراع لتشمل منطقة الشرق الأوسط قاطبةً. وينذر بذلك عدة عوامل جيوسياسية أبرزها التهديد الإيراني لدول الخليج في حال استخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشن هجوم على إيران[1]، وإما لأسباب اقتصادية كأسعار النفط المنخفضة والتغيّرات التي يمكن أن تطرأ على أسواق النفط العالمية.
العامل الجيوسياسي
في الأول من أكتوبر 2024، قامت إيران بإطلاق حوالي 200 صاروخ تجاه إسرائيل في عملية أطلقت عليها اسم “الوعد الصادق 2″، وذلك ردًّا على اغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله والعميد في الحرس الثوري الإيراني عباس نيلفروشان وقادة كبار آخرين في غارة جوية دمرت مقارهم تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 27 سبتمبر 2024، واغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية سابقاً في 31 يوليو 2024 في العاصمة الإيرانية طهران.
وفي الأيام اللاحقة للهجوم وعلى مدى أسبوعين، لا يزال قادة الصف الأول في الحكومة الإسرائيلية يتوعدون بالردّ على إيران، والتركيز على ضرورة توجيه ضربة قوية للبرنامج النووي الإيراني، أو لمنشآت النفط الإيرانية.
وفي سعيها لاحتواء التصعيد الإقليمي وتجنب نشوب حرب شاملة في المنطقة، كثفت الإدارة الأمريكية جهودها الدبلوماسية لإقناع إسرائيل بخفض مستوى الردّ والاكتفاء بضرب أهداف عسكرية ومنشآت للطاقة بما لا يسمح بحصول تصعيد إقليمي واسع.
وبالرغم من إبلاغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة بأنّ إسرائيل مستعدة لضرب أهداف عسكرية إيرانية وليس نووية أو نفطية[2]، إلا أنه لا يمكن تجاهل أزمة الثقة المتنامية بين البيت الأبيض ونتنياهو وتعدّد المناسبات التي لم يكن نتنياهو يتجاوب فيها مع المطالب الأمريكية، وذلك بعد عام من المحاولات من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في دفع نتنياهو للقبول بصيغ متعددة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي باءت بالفشل وأجبرت الولايات المتحدة على إرسال قدرات عسكرية كبيرة، برية وجوية إلى المنطقة لردع حلفاء إيران في لبنان واليمن والعراق عن شن هجمات صاروخية على إسرائيل، فوجدت القوات الأمريكية نفسها في صراع مباشر مع الحوثيين في اليمن والفصائل الشيعية في العراق، وتعرّض عدد من قواعدها لهجمات في العراق وسورية والأردن.
وبالتالي لا يمكن الجزم فيما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بما أقرته من خفض مستوى الرد وعدم ضرب منشآت نووية أو نفطية في إيران، حيث ترى إسرائيل أن هذه فرصة قد لا تتكرر للقيام بذلك، خصوصًا مع الوجود العسكري الأمريكي الكبير في المنطقة، والضعف الذي لحق بحلفاء إيران، ولا سيما حزب الله في لبنان. وهذا ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، حين قال “لدى إسرائيل الآن أعظم فرصة لها منذ 50 عامًا لتغيير وجه الشرق الأوسط. لدينا المبرر. لدينا الأدوات. الآن بعد أن أصيب حزب الله وحماس بالشلل، أصبحت إيران مكشوفة”[3].
وقال مسؤول أمريكي إن “ما تراه إسرائيل هجومًا متناسبًا قد لا يتماشى مع ما قد تعتبره الولايات المتحدة ردًّا مدروسًا”[4] في إشارة إلى عدم قدرة الولايات المتحدة على ضبط الرد الاسرائيلي.
إلا أنه من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بضرب منشآت نووية إيرانية من دون مساندة مباشرة أمريكية وذلك لما تتطلبه هذه الضربة من تعاونٍ عسكريٍّ واستخباراتيٍّ أمريكيّ بسبب تباعد المواقع النووية الإيرانية وتحصيناتها القوية وعدم امتلاك إسرائيل القدرات اللازمة لتوجيه هذه الضربة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فهي لن تكتفي بضربة عسكرية موازية للضربة الإيرانية، فستلجأ لاستهداف منشآت اقتصادية وتحديدًا المنشآت النفطية والغازية التي تعتبر المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد، وذلك لإبراز قدرتها التصعيدية بوجه إيران. غير أنّ عواقب استهداف المنشآت النفطية لن تقتصر على إيران وإسرائيل فحسب، وإنما قد تشمل منطقة الشرق الأوسط والعالم كله.
قد يستدعي أيّ ضرر بالاقتصاد الإيراني إلى استهداف إيران المنشآت النفطية في دول الخليج بهدف تعطيل تصدير النفط من جميع دول المنطقة جراء توقف تصدير النفط الإيراني، وذلك مستند إلى التهديد الإيراني لمنشآت النفط الخليجية في الإشارة إلى نية إيران بذلك. ومن ناحيتها، قامت الدول العربية بإبلاغ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنها لا تريد أن “تستخدم الولايات المتحدة أو إسرائيل بنيتها التحتية العسكرية أو مجالها الجوي في أي عمليات هجومية ضد إيران”.
التأثيرات على أسواق النفط
وسط ترقب وانتظار شنّ إسرائيل هجومها على إيران ومع ارتفاع حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، تتوقع الأسواق العالمية ارتفاع أسعار النفط العالمية. الا أن واقع الأسعار لا تظهر ذلك مع انخفاض أسعار النفط في الآونة الأخيرة[5].
ورغم تطمينات إسرائيل بأنها لن تستهدف المنشآت النفطية أو النووية الإيرانية، فإن المملكة، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار أسعار النفط، تخشى من تأثير هذا الصراع على أسعار النفط العالمية.
ومن أبرز العوامل التي تساهم في خفض أسعار النفط، على الرغم من الظروف الجيوسياسية المتأزمة هو عدم التزام بعض الدول مثل روسيا بحصتها من الإنتاج المتفق عليها ضمن “أوبك بلس” منذ أبريل 2024.
تعتمد روسيا بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل حربها مع أوكرانيا والتخفيف من تأثير العقوبات الدولية عليها وتسعى لتعويض خسائرها الاقتصادية من خلال زيادة معدلات انتاجها للنفط، حيث بلغ إنتاج روسيا في أغسطس وسبتمبر 2024 نحو 9.11 مليون برميل يومياً، وهو ما يتجاوز حصتها المحددة بـ 8.98 مليون برميل يومياً[6]، مما ساهم في زيادة العرض العالمي وبالتالي انخفاض الأسعار.
هذا التوجه الروسي يشكل تحدياً للسعودية، التي تسعى لإعادة روسيا إلى الالتزام باتفاقات الإنتاج لتجنب حدوث انهيار في أسعار النفط، حيث تتوقع السعودية أن يسجل سعر برميل النفط 50 دولاراً إذا لم يتم الامتثال لتخفيضات الإنتاج المتفق عليها، وهو ما سيؤثر بشكل كبير على اقتصاد الدول الخليجية[7]، وعلى السعودية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها في تحقيق أهدافها الطموحة ضمن إطار “رؤية 2030”. حيث يعتمد الاقتصاد السعودي بشكل رئيسي على إيرادات النفط، ولذلك فإن أي انخفاض حاد في الأسعار قد يؤدي إلى تقليص الإيرادات الحكومية، مما يثير “بعض القلق” بشأن القدرة على تمويل المشاريع التنموية الكبرى التي تتطلب استثمارات ضخمة.
الدور الروسي في الشرق الأوسط
إلى جانب دورها في أسواق النفط، تلعب روسيا دوراً محورياً في التحالفات العسكرية بالمنطقة، خاصة من خلال علاقتها المتنامية مع إيران وحلفائها. هذا التحالف يثير قلق السعودية، ليس فقط بسبب دعم روسيا لحلفاء إيران مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، ولكن أيضاً لأنه قد يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية. فالتعاون العسكري بين روسيا وإيران، وامتلاك إيران وحلفائها منظومات الدفاع الجوي الروسية من شأنه أن يغير ميزان القوى بشكل جذري بعد انتهاء الحرب بين إيران وإسرائيل.
ومع اشارة بعض التقارير مؤخراً إلى وجود محادثات سرية تجري بين روسيا وجماعة الحوثي اليمنية بوساطة إيرانية، تهدف إلى نقل أنظمة صواريخ مضادة للسفن إلى الجماعة المسلحة[8]، يبرز التخوف السعودي من المخاطر الجسيمة التي قد تواجهها في حال امتلاك الحوثيين للمنظومات العسكرية الروسية المتطورة، بالإضافة الى التهديد الذي ستشكله على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات التجارية العالمية الذي تعتمد عليه السعودية بشكل كبير في تصدير النفط.
تدرك السعودية أن امتلاك الحوثيين لمنظومات دفاع جوي وصاروخية روسية قد يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها خاصةً بعد انتهاء الصراع بين إيران وإسرائيل. فامتلاك الحوثيين لهذه الأنظمة سيزيد من حدة التوترات العسكرية في المنطقة، وسيمنح الجماعة قدرة هجومية أكبر في استهداف المنشآت السعودية، سواء النفطية أو البحرية، مما سيعرض الاقتصاد السعودي والبنية التحتية الحيوية للخطر. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المنظومات قد تعزز من موقف الحوثيين في الحرب الأهلية اليمنية، ما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري يهدد أمن الحدود الجنوبية للمملكة.
لجوء السعودية للحرب النفطية مع روسيا
في ظلّ التحديات الراهنة، تجد السعودية نفسها أمام خيار استراتيجي حاسم لاستعادة السيطرة على أسواق النفط العالمية وردع روسيا عن تعزيز تعاونها العسكري مع إيران وحلفائها. ومع استمرار روسيا في تجاوز حصص الإنتاج المتفق عليها ضمن “أوبك+”، قد تلجأ المملكة إلى تكرار استراتيجيتها التي استخدمتها في عام 2020، والمتمثلة في شن “حرب نفطية” من خلال إغراق الأسواق بكميات كبيرة من النفط. هذه الخطوة تهدف إلى الضغط على روسيا اقتصاديًا وإجبارها على العودة إلى الالتزام بالاتفاقات النفطية من جهة، وإلى ردعها عن تزويد إيران وحلفائها، مثل الحوثيين، بمنظومات عسكرية متقدمة من جهة أخرى.
لذلك، فإنّ شن “حرب نفطية” ستكون وسيلة مزدوجة لتحقيق استقرار أسواق النفط وتفادي المخاطر العسكرية المحتملة التي قد تنجم عن استخدام الحوثيين لهذه المنظومات ضد السعودية في المستقبل.
[1] https://www.wsj.com/world/middle-east/irans-secret-warning-to-u-s-allies-dont-help-israel-or-youre-next-ccfa5fa0?mod=hp_lead_pos1
[2] https://www.washingtonpost.com/world/2024/10/14/israel-iran-strike-nuclear-oil-military/
[4] https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/10/08/us-is-not-currently-pushing-to-revive-israel-hezbollah-ceasefire-deal-officials-say
[5] https://www.cnbcarabia.com/129341/2024/16/10/%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%AA%D9%86%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D9%85%D8%B9-%D8%AA%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%88%D9%81%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D8%B6-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84
[6] https://www.skynewsarabia.com/business/1748028-%D8%A7%D9%94%D9%88%D8%A8%D9%83-%D8%A7%D9%95%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AE%D9%81%D8%A7%D8%B6-%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%85%D8%A8%D8%B1
[7] https://www.alhurra.com/saudi-arabia/2024/10/02/50-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%A7-%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%AA%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%B1-%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D9%85%D8%A8%D8%B7%D9%86-%D9%88%D8%A5%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%AA%D9%8A%D9%86
[8] https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1744008-%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%AB%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D8%A7%D9%95%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84-%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%8A%D9%86
