الشائع

أفكار ألكسندر دوغين... بين الغث والسمين (1)

يعتبر ألكسندر دوغين أحد أبرز الفلاسفة القوميين في روسيا، ويُلقب بـ”عقل بوتين”، ويُعتبر صاحب الفضل الأول في تشكيل رؤية روسيا لعالم متعدد الأقطاب. يعتبر دوغين أن نهاية الهيمنة الغربية وظهور قوى جديدة يمثلان فرصة لعالم متعدد الأقطاب، ويرى أنّه على الغرب عاجلًا أو آجلًا الاعتراف بروسيا قطبًا عالميًا قويًا ومؤثرًا، ويعتقد أن التحالف مع الصين وكوريا الشمالية وإيران سيسرع هذا الاعتراف.

في الواقع تنم هذه الفكرة عن قصر نظر وجهل بالقوانين الجيوسياسية التي تحكم العالم، فالدول الكبرى والقوى القطبية لا تتخلى عن قطبيتها أو تشاركها بسهولة مع كل الطامحين أو بعضهم، فضلًا عن أن دوغين ومن خلال أفكاره يدفع باتجاه حرب عالمية كبرى يحسب أنها ستفرز عالمًا متعدد الأقطاب ويكسر الهيمنة الغربية.

كما أنه ينظر إلى أحداث العالم اليوم كجزء من النشاط الجيوسياسي الذي سيفضي إلى تحقيق رؤيته الحالمة والطموحة، فقد كتب مقالًا نشرته منصّة “الكرمل” الإعلامية يوم 16 أكتوبر 2024[1] بعنوان “الجبهة الثانية في الحرب العالمية الجديدة فُتحت” يتناول فيه الحرب الإسرائيلية في غزة ولبنان، ويحاول تأويلها وتفسيرها، ويرى أن اليمين المتطرف الصهيوني يقوم بتفسيرها لاهوتيًا كجزء من معركة هرمجدون التي ستقع ويقودها المسيح المنتظر عند اليهود، بينما يستغل الغرب العلماني، بحسب زعم دوغين، هذا اليمين لتحقيق أهداف جيوسياسية تتمثل في منع صعود المسلمين كقطب جديد وفاعل ومؤثر في العالم متعدد الأقطاب، ويرى حتمية نهوض المسلمين كأحد الأقطاب المحتملين.

 لا شك في أن دوغين يُخضع الحرب الدائرة لطموحاته، ويحاول أن يدغدغ أحلام المسلمين الذين يرغبون في النهوض الحضاري، والمشاركة في حكم العالم كقطب مؤثر.

لكن علم السياسة والواقع الجيوسياسي لا يتأثر بتخاريف دوغين وأحلام النائمين، فهذا الرأي يواجه عدة تحديات تتعلق بواقع العالم الإسلامي السياسي والاقتصادي والجيوسياسي، ولا سيما أنّ هذا العالم يشكّل دائرة جيوسياسية بذاتها أطلق عليها العالِم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف، اسم “الدائرة الجيوإسلامية” في دراسة نشرها يوم 19 يونيو 2024 تحت عنوان: “الغالب والمغلوب.. القانون الجيوسياسي الأول في الشرق الأوسط“.

أحد الأخطاء الأساسية في تفكير دوغين هو افتراضه بأن العالم الإسلامي يمكن أن يشكل قطبًا موحدًا، لكن في الواقع، يعاني العالم الإسلامي من انقسامات عميقة على أسس قومية وطائفية وسياسية، على سبيل المثال، الخلافات بين دول الخليج وإيران، والاختلافات السياسية بين تركيا والدول العربية، وهي تُظهر أن العالم الإسلامي يفتقد إلى الوحدة التي تُعدّ شرطًا أساسيًا ليصبح قطبًا سياسيًا.

كما أن النمو الاقتصادي غير المتوازن بين الدول الإسلامية يشكل عائقًا أمام تحولها إلى قوة سياسية متماسكة، فعلى الرغم من أنّ بعض الدول الإسلامية مثل دول الخليج تمتلك ثروات كبيرة بفضل النفط، إلا أن العديد من الدول الإسلامية الأخرى تعاني من الفقر والتخلف الاقتصادي. هذا التفاوت الكبير بين الدول يجعل من الصعب عليها التنسيق لتشكيل كتلة سياسية أو اقتصادية موحدة يمكن أن تُعتبر قطبًا مؤثرًا في النظام الدولي.

ومن الأمور الحاسمة في رد أفكار دوغين غير الدقيقة أن العالم الإسلامي يعتمد بشكل كبير على القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن، وهذا الاعتماد يضعف من إمكانية تشكيل قوة مستقلة، فالعديد من الدول الإسلامية ترتبط باتفاقيات دفاعية مع الغرب، وتستورد أسلحتها وتكنولوجيا الدفاع من هذه الدول، كما أن بعض الدول الإسلامية تعتمد بشكل كبير على الأسواق الغربية والشرقية لصادراتها من الموارد الطبيعية.

في الحقيقة يريد دوغين أن يقنع الدول الإسلامية أنها يمكن أن تكون شريكًا في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، ولكن السلوك الجيوسياسي للدول الإسلامية يظهر افتقارًا لرؤية موحدة أصلًا أو حتى لمجرد إطار عمل مشترك فيما بينها، ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول الإسلامية إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، تسعى دول أخرى إلى توثيق علاقاتها مع الغرب، هذا التباين يعكس تشتتًا في الرؤية الجيوسياسية، ما يُضعف القدرة على التكتل والتحول إلى قطب قوي.

هذا فضلًا عن أن الدول الإسلامية تواجه العديد من التحديات الداخلية التي تجعل من الصعب عليها أن تتحول إلى قوة عالمية مؤثرة، ومن هذه التحديات: نسب الفقر، والبطالة، والفساد، وضعف المؤسسات السياسية في العديد من هذه الدول، ما يمثل عوائق متعددة أمام قدرتها على لعب دور فعال في الساحة الدولية. كما أن الحركات الإسلامية المتشددة والصراعات الداخلية، مثل الحرب في سوريا واليمن وليبيا، تزيد من تعقيد المشهد السياسي وتجعل من الصعب على هذه الدول التركيز على بناء قوة سياسية واقتصادية عالمية.

أما أبرز النقاط التي يمكن انتقاد دوغين فيها هي فكرة أن المسلمين سيشكلون قطبًا بين عشية وضحاها، فالتحوّل إلى قطب سياسي واقتصادي على المستوى العالمي يتطلب سنوات طويلة من العمل المتواصل على عدة مستويات، بدءًا من بناء مؤسسات قوية ومستدامة إلى تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، إضافة إلى ذلك، فإن التطورات العالمية الحالية لا تشير إلى أن الدول الإسلامية في وضع يسمح لها بتحقيق هذا التحول بسرعة.

يمكن اعتبار تفكير ألكسندر دوغين حول اعتبار المسلمين كقطب محتمل في عالم متعدد الأقطاب تفكيرًا طموحًا يتماشى مع أحلام روسيا في كسر الهيمنة الغربية، لكنه يتجاهل العديد من المعوقات التي تواجه العالم الإسلامي، مع الإشارة إلى أن الدكتور محمد وليد يوسف قال في كتابه “جوهر النظام الدولي” الذي عمل على كتابته عام 2016 إنّ “روسيا الاتحادية ستصعد إلى موقع قطب عالمي، في الدورة القادمة من النظام الدولي بعد خوض عهد الصراع القادم بسائق من القانون الثاني لهذا النظام (نشر النفوذ في الأفق الحتمي)، معتمدةً على الاستراتيجية العسكرية، ومطلقة حملات حربية على أفقها وفضائها الاستراتيجي المحيط به، حيث يدفعها القانون الثاني إلى إحكام النفوذ السياسي على هذا الأفق بتجريد الحملات العسكرية، حيث بدأت منذ عام 2008 أولى حملاتها على أفقها الاستراتيجي، عندما غزت جورجيا وأحكمت سيطرتها على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا”، وجزم أنّ “هذا القانون سيدفعها إلى الصعود إلى موقع قطب دولي لا محالة، حيث لا يمكن لأحد أن يمنع وصول قوة ناهضة إلى المركز القطبي، إذا نشأ أفق حيوي ضعيف إلى جوار هذه القوة الصاعدة”. وهذه الرؤية لا يمكن بحال من الأحوال إسقاطها على العالم الإسلامي للأسباب التي ذكرناها.

إن الشيء الجيد الوحيد في مقال دوغين هو سعيه إلى البحث عن تفسيرات للوقائع الجيوسياسية في عالم الأفكار وفي الذهنيات، لكن دوغين أغفل أن طموحات روسيا التي تزعزع العالم باتت مكشوفة للعالم وهذا ما سنتناوله في القسم القادم من هذا المقال، علّنا نميّز في أفكار ألكسندر دوغين… بين الغث والسمين!


[1] alcarmel.net, 16-10-2024.


الدكتور عماد غنوم

أستاذ جامعي وباحث أكاديمي ومُشرف على الندوات والمؤتمرات التي يُقيمها المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، بيروت - لبنان. يعمل محاضرًا في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية وآدابها. شارك في عدد من المؤتمرات الدولية في لبنان والعالم العربي وفرنسا. له عدد من الأبحاث المحكمة المنشورة في مجلات عربية ودولية. له عدد من المقالات المنشورة في الصحف المحلية والعربية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى