الشائع

أفكار ألكسندر دوغين... بين الغث والسمين (2)

أشرنا في القسم الأول من هذا المقال إلى أفكار الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين المتعلقة برؤيته للحرب في غزة ولبنان، وقمنا بتفنيد أفكاره والرد عليها، إلا أنه لا يمكن لنا لفهم أفكار دوغين أن نعزلها عن رؤيته المتعلقة بروسيا، واعتقاده أن دولة روسيا منازع حقيقي للهيمنة الأمريكية في العالم.

 تعتمد روسيا بشكل كبير لتحقيق رؤيتها على مجموعة البريكس، ومنظمة بريكس هي تحالف اقتصادي وسياسي تأسس أوّلًا عام 2009 وضمّ يومها كلًّا من: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، ثمّ انضمت إليه جنوب أفريقيا في عام 2010، وكانت المجموعة تعدّ من أكبر التكتلات الاقتصادية التي تركز على تعزيز التعاون بين الاقتصادات الناشئة، حيث تشكل دولها مجتمعة نحو 40% من سكان العالم، وما يقارب 25% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. تسعى مجموعة بريكس إلى تعزيز المصالح الاقتصادية لأعضائها من خلال تنسيق السياسات وتوسيع نطاق التعاون في مجالات متعددة، أبرزها التجارة، والاستثمار، والطاقة، والبنية التحتية. ومن بين أهدافها الأساسية تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المعاملات الاقتصادية العالمية، والعمل على إنشاء نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب. وقد أنشأت المجموعة في عام 2014 “بنك التنمية الجديد” الذي يهدف إلى تمويل مشاريع التنمية في الدول الأعضاء والدول النامية الأخرى، في خطوة لتعزيز استقلالها المالي وتقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وفي الآونة الأخيرة، أعلنت مجموعة بريكس عن توسيع عضويتها حيث قامت بدعوة دول جديدة للإنضمام إليها، منها مصر وإيران وإثيوبيا والإمارات والسعودية. ويأتي هذا التوسع ضمن مساعي المجموعة لتعزيز تأثيرها في الاقتصاد العالمي عبر ضم دول ذات اقتصادات ناشئة وموارد استراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، تسعى قطر وبعض الدول الأخرى إلى الانضمام، ما يعكس اهتمامًا متزايدًا من جانب الدول النامية في الانخراط في تكتلات اقتصادية أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على الاقتصادات الغربية.

تهدف الدول التي انضمت أو تسعى للانضمام إلى بريكس إلى توسيع شراكاتها التجارية والاستثمارية مع اقتصادات كبرى مثل الصين والهند، إلى جانب تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية. هذا الانضمام المحتمل يسهم في توسيع نفوذ المجموعة في القطاعات المختلفة، مثل الطاقة، ويعزز من تكوين نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب.

يلعب التحالف دورًا متزايد الأهمية في الاقتصاد العالمي، خاصةً في ظل تنامي القوة الاقتصادية للصين والهند، إذ يوفر لأعضائه منصة للتعبير عن مصالحهم في النظام الاقتصادي العالمي ومواجهة التحديات المشتركة، مثل تقلبات أسعار السلع الأساسية والسياسات الحمائية. اجتمعت مجموعة بريكس خلال الأسبوع الماضي في قازان عاصمة جمهورية تتارستان الروسية برئاسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن المفارقات المضحكة أن المجتمعين على اختلاف دولهم ركزوا على كسر الهيمنة السياسية الغربية على العالم، مع أنهم تكتل اقتصادي يتعامل مع أسواق الغرب ولا يمكنه الاستغناء عنها، لا سيما دول كبيرة ومؤثرة في البريكس مثل الصين والهند. وهذه الأفكار ليست سوى أفكار روسيا التي زرعها دوغين في رأس الرئيس الروسي بوتين.

يستند ألكسندر دوغين، الذي يعتقد بأن روسيا يجب أن تتبنى دور القطب العالمي لمواجهة الهيمنة الغربية، خصوصًا الولايات المتحدة، إلى مفهوم “الأوراسية” والذي يرى فيه توجهًا تاريخيًا يجمع روسيا بدول آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية ضد الغرب. وتقوم رؤيته على تقسيم العالم إلى قوى متصارعة، حيث تكون روسيا محورًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، ويعتقد أن الولايات المتحدة ستتقبل هذا التقسيم وتقبل بدور مشترك مع روسيا والصين كأقطاب عالمية.

ورغم هذا الطموح، يواجه فكر دوغين انتقادات عدة. أولًا، تُعتبر فرضية أن الولايات المتحدة ستشارك الهيمنة العالمية مع روسيا والصين بشكل سلمي قفزًا على الواقع، لأن السياسة الأمريكية تُبنى على التفوق وعدم تقبل التراجع، والولايات المتحدة ليست فقط قوة عسكرية، بل أيضًا اقتصادية وثقافية، تجعلها مؤثرة على مستوى عالمي؛ ومثل هذا التقسيم لن يتم إلا بمواجهة كبرى قد تؤدي إلى نزاعات واسعة النطاق.

ثانيًا، تبني دوغين لفكرة “القطب العالمي” لا يأخذ في الاعتبار الهشاشة الاقتصادية لروسيا مقارنةً بالولايات المتحدة والصين. فرغم قوتها العسكرية، تواجه روسيا تحديات اقتصادية تتعلق بالبنية التحتية، والاعتماد على تصدير الموارد الطبيعية، ومحدودية النمو الاقتصادي الداخلي، ما يجعلها غير مستعدة لمواجهة اقتصادية طويلة الأمد.

ثالثًا، تستند أفكار دوغين إلى نزعة قومية قوية ترى أن من حق روسيا الهيمنة على جيرانها بدعوى الحماية من التدخل الغربي. هذه النزعة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتدفع إلى فرض نظام عالمي يقوم على الصراع بدلًا من التعاون، ما يزيد من فرص اندلاع حرب عالمية ثالثة، حيث إن سياسة بناء أقطاب متناحرة بدلًا من بناء منظومة تعاون عالمي تشكل تهديدًا للأمن الدولي.

 فمن أبرز الانتقادات التي تُوجه إلى أفكار ألكسندر دوغين هي أنها تحمل في طياتها تهديدًا بإشعال حرب عالمية نووية. إذ تعتمد روسيا في فرض قوتها العالمية على ترسانتها النووية كعامل ردع أساسي في مواجهة القوى الغربية، ويعزز دوغين من هذا التصور عبر أفكاره حول المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وفي ظل السياسات التصعيدية التي تنادي بها هذه الأفكار، قد تدفع روسيا إلى تبني سياسات استباقية تعتمد على التهديد النووي لفرض إرادتها وتوسيع نفوذها الإقليمي والعالمي.

ومع ذلك، فإن مثل هذه السياسة تحمل مخاطر كارثية على المستوى الدولي، حيث إن الاعتماد على الردع النووي في خضم نزاعات مستمرة يزيد من احتمالية حدوث حسابات خاطئة تؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. وإذا ما تصاعدت حدة التوتر بين الأطراف الكبرى، فإن حدة المواجهة قد تصل إلى استخدام الأسلحة النووية، ما يضع العالم على شفا حرب عالمية ثالثة نووية. في الواقع إن طموحات روسيا التي تعززها أفكار دوغين تضع العالم في معادلة خطيرة، حيث تكون احتمالات اندلاع مواجهة نووية جزءًا من ثمن هذا الطموح الإمبراطوري.

في الختام، يظهر أن أفكار ألكسندر دوغين تلعب دورًا محفوفًا بالمخاطر في صياغة الطموحات الروسية، حيث يتصور أن روسيا يمكنها أن تواجه الهيمنة الأمريكية والغربية بإنشاء عالم متعدد الأقطاب بمساندة الصين ودول أخرى كأعضاء بريكس. ورغم أن بعض هذه الطموحات قد تبدو جاذبة نظريًا، إلا أن تجاهلها للواقع الاقتصادي والسياسي الدولي يجعلها بعيدة عن التطبيق العملي، بل وربما تهدد بإشعال صراعات قد تؤدي إلى تصعيد نووي كارثي.

إن السعي لفرض النفوذ الدولي عبر سياسات متشددة واستراتيجية ردع نووي يستند إلى أيديولوجيا تقسم العالم إلى أقطاب متصارعة بدلًا من بناء نظام تعاون عالمي، ما يضع البشرية أمام تحديات وجودية. وبالتالي، فإن فكر دوغين، وإن حظي ببعض الجاذبية في الأوساط القومية الروسية، يبقى محط انتقادات واسعة لأنه يهدد بتكريس نهج تصادمي لا يخدم السلم والأمن الدوليين، بل قد يضع العالم أمام حرب عالمية ذات تداعيات لا يمكن التنبؤ بها.


الدكتور عماد غنوم

أستاذ جامعي وباحث أكاديمي ومُشرف على الندوات والمؤتمرات التي يُقيمها المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، بيروت - لبنان. يعمل محاضرًا في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية وآدابها. شارك في عدد من المؤتمرات الدولية في لبنان والعالم العربي وفرنسا. له عدد من الأبحاث المحكمة المنشورة في مجلات عربية ودولية. له عدد من المقالات المنشورة في الصحف المحلية والعربية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى