الفلبّين تعزّز شراكاتها مع حلفاء واشنطن.. مظلّة أمريكية لردّ الخطر الصيني

ترتفع التوترات الجيوسياسية في منطقة جنوب شرقي آسيا وتحديداً حول بحر الصين الجنوبي الذي يعدّ مركزاً استراتيجياً وحيوياً لطرق الملاحة والتجارة الدولية التي تمر فيه، وذلك مع ارتفاع حدّة النزاعات بين الفلبين والصين فيه والتنافس على السيادة الكاملة على مياهه، وتزايد قلق الصين من دعم الولايات المتحدة الأمريكية لجزيرة تايوان التي تسعى بكّين منذ عقود إلى ضمّها إلى البرّ الصيني الرئيسي، ولجوء واشنطن إلى اعتماد سياسة الإحاطة والاحتواء بحقّ الدول التي تنباذها العداء والخصومة ولاسيما الصين.
وفي الآونة الأخيرة ومع ازدياد الحوادث في بحر الصين الجنوبي بين البحرية الفلبّينية والبحرية الصينية، عملت مانيلا ولا تزال على تعزيز دفاعاتها الإقليمية بالشراكة والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد قامت الأخيرة في أبريل 2024 بنشر نظام صواريخ متوسطة المدى “نظام صواريخ تايفون” في شمالي الفلبين ما أثار مخاوف الصين الذي أعرب وزير خارجيتها وانغ يي أثناء اجتماع وزراء خارجية الآسيان في يوليو 2024 في عاصمة لاوس عن مخاوفه بشأن ذلك قائلاً “هذه الخطوة قد تغذي التوترات الإقليمية وتشغل سباق تسلح”[1].
ويرتبط البلدان بـ”اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز” الموقعة بينهما عام 2014 والتي تسمح للقوات الأمريكية باستخدام 5 قواعد فلبينية وتخزين معدات ومواد عسكرية فيها، والتي جرى توسيعها في فبراير 2023 ليصبح بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية استخدام 4 قواعد عسكرية إضافية في الفلبين إحداها قرب تايوان والأخرى تقع في بحر الصين الجنوبي.
كما تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 11 أبريل 2024، خلال لقائه في البيت الأبيض الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس بالدفاع عن الفلبين في حال تعرضها لـهجوم في بحر الصين الجنوبي قائلاً إنّ “أي هجوم على طائرة أو سفينة أو على القوات المسلحة الفلبينية في بحر الصين الجنوبي سيدفع إلى تنفيذ معاهدة الدفاع المشترك”[2].
واليوم تتطلّع الفلبين إلى ترفيع علاقاتها وشراكاتها الاستراتيجية إلى مستويات جديدة مع كلّ من كوريا الجنوبية والهند وأستراليا واليابان التي تنضوي ضمن أحلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ.
فقد عملت الفلبّين على تعميق علاقاتها مع أستراليا، حيث وقعت مانيلا وكانبرا في سبتمبر 2023 على اتفاق للشراكة الاستراتيجية لتعزيز تحالفهما الأمني والاقتصادي[3]، كما وقع الجانبان في فبراير 2024 اتفاقاً لتعزيز التعاون في مجال الأمن البحري و3 مذكرات تفاهم[4]. كما وصلت في شهر مارس السفينة الحربية الأسترالية “وارامونغا” إلى مياه مقاطعة جزر بالاوان الفلبينية التي تقع مقابل المياه المتنازع عليها مع الصين.[5]
وكذلك عملت على تطوير علاقاتها مع الهند بعد سلسلة من الزيارات واللقاءات الرسمية التي عقدت بين قادة البلدين في العاصمة الهندية نيودلهي في 9 سبتمبر 2024 وفي الاجتماع الخامس للجنة التعاون الدفاعي المشتركة بين الهند والفلبين الذي عقد في مانيلا في 11 سبتمبر 2024، حيث اتّفق الطرفان على توسيع التعاون بينهما في المجالات الرئيسية مثل الدفاع والأمن والتجارة وغير ذلك[6].
وكذلك مع اليابان، حيث وقّع البلدان في يوليو 2024 ميثاق دفاع يسمح لكلّ من الدولتين بنشر قوات في الدولة الأخرى، كما نظّم سلاحا البحرية الفلبيني والياباني أولى المناورات المشتركة بينهما، في أغسطس 2024 في بحر الصين الجنوبي.
وكذلك مع كوريا الجنوبية، حيث أُعلن خلال زيارة الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول إلى مانيلا في 7 أكتوبر 2024 قيام شراكة استراتيجية بين البلدين لتعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد والطاقة وغير ذلك. فقد اتفق الزعيمان على تعزيز التعاون الأمني والتعاون في صناعة الدفاع. ووقعا مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال الأمن البحري. واتفقا على تعزيز التجارة والاستثمار من خلال التصديق على اتفاقية التجارة الحرة الثنائية الموقعة في سبتمبر 2023. واتفقا على التعاون في مشاريع البنية التحتية الكبرى في الفلبين وتعزيز التعاون في مجالات جديدة، بما في ذلك الطاقة النووية والتحول الرقمي وسلسلة التوريد للمعادن الحيوية. كما وقعت كوريا الجنوبية والفلبّين مذكرة تفاهم لتقديم ما يقرب من مليارَيْ دولار من صندوق التعاون للتنمية الاقتصادية لدعم بناء شبكة طرق بحيرة “لاغونا” ومشروع جسر “بي جي إن” الذي سيربط جزر الفلبين الوسطى الثلاث ببعضها، باناي وغيماراس ونيغروس.
وأعرب ماركوس عن دعمه لمبادرة يون الرامية إلى توحيد شبه الجزيرة الكورية بهدف جعلها خالية من الأسلحة النووية، والتزم بالتعاون مع كوريا الجنوبية بشأن نزع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية[7]، التي أعلنت في 16 أكتوبر 2024 أن أكثر من مليون شاب تطوّعوا للانضمام إلى الجيش الكوري الشمالي[8].
ومع ظهور إرهاصات الصراع في تلك المنطقة وارتفاع خطر اندلاع حرب واسعة بعد دخول الصين إلى تايوان ودخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب لمساندة تايبيه واستخدام قواعدها العسكرية المتواجدة في الفلبين، وبالتالي اعتبار بكّين الفلبين هدفاً مشروعاً لها، وجدت مانيلا نفسها مضطرة لتعزيز علاقاتها العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وبخاصة مع كوريا الجنوبية التي هي “حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي” وتتمتع بمجموعة مزايا مالية وعسكرية لا يمكن الحصول عليها من الدول غير الأعضاء في “الناتو”، وتسعى مانيلا لبلوغ هذه المنزلة أيضاً للحصول على الحماية والمزايا العسكرية والمالية، لتؤمن لنفسها مظلة أمريكية تردّ عنها غائلة الصين وأطماعها.
كما أنّ تحركات الفلبين الأخيرة ما هي إلا سعيٌّ منها للانضمام إلى أحد الأحلاف التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي (كواد، AUKUS، JUSK)، والمرجح أن يكون الانضمام إلى حلف “كواد” الذي يضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية كلًّا من اليابان وأستراليا والهند التي عملت الفلبين في الآونة الأخيرة على تطوير علاقاتها مع كلّ منها، حيث “تسعى الولايات المتحدة لضمّ الفلبين وفيتنام وماليزيا إلى تحالف كواد بسائق من خلافاتهما الحدودية البرية والبحرية مع الصين، وخاصة في بحر الصين الجنوبي… ومع انضمام الفلبين إلى تحالف كواد فإنّ حزاماً ينشأ ليحيط بالصين ويحاصر تمدّدها في المحيط الهندي وجنوب آسيا”[9].
[1]Aawsat.com, 27-07-2024.
[2]France24.com, 12-04-2024.
[3] Aawsat.com, 08-09-2023.
[4] Asharq.com, 29-02-2024.
[5]Aawsat.com, 06-04-2024.
[6] Np.indianewsnetwork.com, 11-09-2024.
[7] Ar.yna.co.kr, 07-10-2024.
[8] Aawsat.com, 16-10-2024.
[9] دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة (الجزء الثاني) آسيا والمحيطان الهادي والهندي، الدكتور محمد وليد يوسف، المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، بيروت، 2023-05-23، ص16 و18 و19.
