الشائع

حصان أسود قد يهدم ما لم تنجزه بعد "بريكس".. ما علاقة نيودلهي بصراع واشنطن وبكين حول تايوان؟

بقلم الصحافي كريستيان أبي خليل

صحافي مهتم بالشؤون الجيوسياسية، كاتب ومحرر موقع “vdlnews”، وخريج كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية.

“ستتحطم رؤوس قوى استقلال تايوان وستسيل دماؤها عندما ستصطدم بمهمة الصين العظيمة لتحقيق التوحيد الكامل”… وانغ ونبين الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية

جزيرةٌ رآها البحارة البرتغاليون للمرّة الأولى في القرن السادس عشر، وتروي الأساطير أنهم أعجبوا بها حتى أطلقوا عليها لقب “الجزيرة الرائعة”… إنها تايوان، إحدى أكبر شركاء واشنطن الاقتصاديين في القارة الآسيوية.

أما جلّ ما تشتهر به هذه الجزيرة الصغيرة هي صناعة الرقائق الذكية الأكثر تطورًا في العالم، إلى جانب نظامها الاقتصادي الليبرالي، واحتلاله مراكز متقدمة آسيويًا وعالميًا لناحية المؤشرات الاقتصادية والمالية الخاضعة لمعايير محددة.

مزايا ومقومات جمّة تجعل من جزيرة تايوان تفكر بالإنفصال التام عن الدولة الأم، جمهورية الصين الشعبية. فتايوان جزء من الأراضي الصينية، إلا أنها تتمتع بنظام اقتصادي وسياسي مستقل عن بكين وذلك بفعل الحرب الأهلية الصينية التي أسفرت عن تسلم الحزب الشيوعي الصيني مقاليد الحكم، في وقت شكلت تايوان ملاذًا لمناصري وقياديي حزب “كوامينتانغ” الفارين من النظام الشيوعي. فاتخذوا من الأرخبيل الذي سُمِي على اسم جزيرة تايوان والتي تشكل المساحة الأكبر منه، ملجأً لهم وأقاموا نظامًا اقتصاديًا مصحوبًا بآخر سياسي مستقل تمامًا عن جمهورية الصين ويحاولون منذ ذاك الحين الإستقلال نهائيًا عن بكين.

وقد شكل الأرخبيل مصدر توتر إضافي على مستوى العلاقات الأميركية – الصينية مع بلوغه ذروته بعيد تفاقم العجز التجاري بين البلدين ليلامس نحو 400 مليار دولار عام 2017 بعد أن كان حوالي 83 مليار دولار في عام 2001 وفق الأرقام التي أوردتها شبكة الجزيرة خلال تقرير أعدته في هذا الشأن. من هنا، لجأت إدارة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى رفع منسوب التنافس الاقتصادي مع الصين، سيما على المستوى التكنولوجي، فتم وضع المديرة المالية لشركة “هواوي” مانغ وانتشو في الإقامة الجبرية في كندا في الأول من كانون الثاني عام 2018 بعد اتهامات أميركية للشركة بالتجسس على موظفين حكوميين أميركيين. كما تبع هذه الخطوة إجراءات وقيود عدّة على الأجهزة الذكية الصينية مما أخرجها من سوق المنافسة في الولايات المتحدة وبلدان أخرى.

 إلا أنه، ومع إعادة انتخاب ترامب، فالخطر الأكبر يتهدد مجموعة “بريكس” لأسباب سيتم بلورتها، وعلى رأسها وجود العملاقين المتنافسين الصين والهند، ومن المتوقع أن يستثمر ترامب هذا الأمر لتحقيق غاياته والتي سيتم تبيانها أيضًا في هذه الكتابة.

طموح واشنطن بالإطباق على بكين 

وفقًا لما ورد آنفًا، وبحكم موقعها الجغرافي، تعتبر جزيرة تايوان ساحة الصراع الأهم بين بكين وواشنطن، فبين الدعم الأميركي للإستقلال الكلي للجزيرة والتهديد الصيني بأي محاولة عبث بوحدة أراضيها التي تطمح استكمال توحيدها عبر ضم الأرخبيل، تتعارض رؤى ومصالح هاتين القوتين. ففي هذا الإطار، لدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية مثبتة في كل من اليابان والفلبين والجزر التي تحد الصين وتايوان لجهة المحيط الهادئ، الأمر الذي يسهل لواشنطن عملية المراقبة التامة لحركة الملاحة في تلك المنطقة، متذرعة بالحرص على تأمين استقرار وسلاسة حركة الملاحة التجارية. إلا أنه بذلك ينقص الولايات المتحدة الأميركية إستقلالًا تامًا لتايوان لتُطبق على الصين وتحد من حريتها بالوصول إلى المحيط الهادئ وتقييد السيادة الصينية جزئيًا على ممر تايوان في بحر الصين الجنوبي، كون تايوان، وعند إعلانها الإستقلال، سوف تطالب حتمًا بنصيبها من السيادة على الممر الواقع بينها وبين الصين. غير أنه من الجلي أن واشنطن تحتاج إلى مساعدة حليف آسيوي قوي غير اليابان ويتمتع بطموحات للوصول إلى مكانة القوى العظمى في العالم، وقد تكون الهند الحليف الأساسي لمساعدة واشنطن بتنفيذ خططها في تايوان.


خطوات صينية للإبحار بعيدًا عن القيود الأميركية

للوقوف بوجه المشروع الأميركي، اتخذت الصين إجراءات عدة، من شأنها أن تسمح لها بإمساك زمام الأمور في منطقة بحر الصين الجنوبي، ولعل عودة الحديث عن “خط القطاعات التسعة” هو من ضمن الترتيبات الصينية للسيطرة على هذا الفضاء الاستراتيجي. و”خط القطاعات التسعة” هو عبارة عن خط ترسيم غير محدد بدقة ومعتمد من قبل الصين وتايوان، ليعبّر عن مزاعمهما بالسيادة على الجزء الأكبر من بحر الصين الجنوبي. وتشمل المنطقة المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي على جزر باراسيل وجزر سبراتلي والعديد من المناطق الأخرى بما في ذلك جزيرة براتاس وجروف فيريكر وجرف ماكليسفيلد ومياه سكاربورو الضحلة. فللإبحار في مياه المحيط الهادئ بعيدًا عن القيود الأميركية، بكين تحتاج إلى التغلب على العقبة الأساسية أمامها والتي تمثل ضرورة استراتيجية لواشنطن في المنطقة وهي جزيرة تايوان، حيث تعدها الصين خطًا دفاعيًا مهمًا إن لم يكن الأهم في أي نزاع عسكري محتمل مع الولايات المتحدة.

والمخاوف الصينية من الصراع العسكري المباشر مع واشنطن رسخها تصريح للرئيس الأميركي جو بايدن ردًا على سؤال في مقابلة ضمن برنامج “60 دقيقة” عبر شبكة “سي بي إس”، وذلك عما إذا كانت القوات الأميركية ستدافع عن الجزيرة الخاضعة للحكم الديمقراطي والتي تسعى الصين لضمها إلى أراضيها، حيث كانت إجابته على الشكل التالي: “نعم، إذا كان هناك بالفعل هجوم غير مسبوق”.

وكانت المقابلة التي أجرتها شبكة “سي بي إس” هي المرة الأخيرة التي يبدو فيها بايدن يتجاوز السياسة الأميركية المعلنة في ذاك الحين بشأن تايوان، لكن بيانه كان أوضح من تصريحاته السابقة بشأن إلزام قوات أميركية بالدفاع عن الجزيرة، ما من شأنه أن يعزز الخشية الصينية من المساعي الجدية لمنح تايوان إستقلالًا تامًا عنها.

الهند.. الحصان الأسود في صراع القطبين    

كونها قوة غربية تقف عند حافة الإنخراط بالصراع العسكري مباشرة في آسيا، فاختيار الولايات المتحدة يقع على حليفتها الهند وعضو مجموعة “بريكس” إلى جانب كل من الصين وروسيا، لمساعدتها في تحقيق مبتغاها. فمع الاستثمار الأميركي لليد العاملة المتخصصة والأدمغة الهندية سيما على المستوى التكنولوجي، حيث من المحتمل أن تشكل نيودلهي بديلًا لبكين لناحية الصناعات التكنولوجية الأميركية كأجهزة “أبل” الالكترونية وسواها والتي تُصنع حاليًا في الصين. تكون بذلك الولايات المتحدة قد وجهت الضربة الأولى مع عودة ترامب بحال أقدم على خطوة مماثلة على طريق وأد “الحرب الباردة”، حيث أن أي إجراء في هذا الإطار قد يؤلم الاقتصاد الصيني نسبيًا ويسهم بزيادة نسبة البطالة بين اليد العاملة المتخصصة في المجال التكنولوجي في السوق الصينية عدا عن تأمين ترامب مصانع بديلة في الهند.

علاوة على ذلك، العقود الدفاعية بين نيو دلهي وواشنطن وعلى رأسها الحلف الرباعي أي حلف “كواد” المؤلف من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، يضاف إلى قائمة الأوراق القوية بيد ترامب في منطقة الإندو – باسيفيك (أي منطقة المحيطين الهندي والهادئ)، وهذا التحالف قد أنشئ عام 2007 إلا أنه ظهرت الحاجة لتفعيله عام 2017 إبان توتر علاقة واشنطن وبكين، في محاولة لاحتواء الصعود العسكري للصين في منطقة بحر الصين الجنوبي عقب مناورات مكثفة أجراها الصينيون في الرقعة المذكورة.


نيودلهي قد تهدم ما لم تنجزه بعد “بريكس”

على الرغم من كونهما عضوين في “بريكس”، تمتلك كل من الهند والصين مقاربتين استراتيجيتين متمايزتين، حيث تميل الهند لناحية الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ضمن إطار معاهدات تجارية ودفاعية، فيما هدف المعاهدات الدفاعية واضح وهو احتواء الصعود العسكري لبكين.

فدونالد ترامب، قد يسخر تواجد الهند إلى جانب الصين في “بريكس” من جهة، ومن جهة أخرى قد يعمل على إشعال خلاف تاريخي وجوهري بين العملاقين الآسيويين ألا وهو النزاع الحدودي عند هضبة أروناتشال براديش والتي تشكل أهمية استراتجية لكلا الطرفين، لتوسيع الشرخ بين بكين ونيو دلهي، وبذلك نكون أمام نتائج مرضية لواشنطن بحال أصابت سهام ترامب أهدافها.

وفي شرح مفصل عن الأهداف والنتائج، ومع اعتماد ترامب استراتيجية “فرّق تسُد” بين الصين والهند، يكون بذلك قد بدد التركيز الصيني عن تايوان، ووجهه نحو الخلاف الحدودي مع الهند المضاف إلى انضمام الأخيرة إلى معسكرات مناوئة لبكين ليكون أمام “بريكس” امتحان مصيري وهو الأصعب للإبقاء على تماسك المجموعة. غير أن روسيا بقيادة فلاديمير بوتين قد تحاول لعب دور “مدير الأزمة” وتثبيت الوضع على ما هو عليه بين العضوين المتنازعين بانتظار أيام أفضل، أي بمعنى آخر، تمرير ولاية ترامب بأقل أضرار ممكنة خصوصًا مع وعد الأخير بإنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية، مما قد يؤمن لموسكو هامشًا أكبر للتحرك لرأب الصدع بين نيودلهي وبكين لصيانة تماسك “بريكس”، بحال اتخذت الأمور مسارًا جديًا في أي خلاف قد يقع بينهما.

ما يمكن استنباطه بعد القراءة المفصلة للنزاع الصيني الأميركي ومسبباته، فضلًا عن مفاعيله والأزمات الأخرى التي قد تنتج عن المشكلة الأم، أنه ليس على المرء سوى انتظار حلول موعد استلام الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب زمام الأمور في مطلع العام 2025، والتأني بمراقبة تعاطيه مع الملفات الكبرى كتايوان وسواها والتي قد تحمل مقاربة مطوّرة عن تلك التي اعتمدتها إدارته في الولاية السابقة بين عامي 2016 و2020، وذلك بالتزامن مع تطورات جمة في المشهد الجيوسياسي والحروب المتنقلة بين أوكرانيا وغزة ولبنان والتي تتطلب في الوقت عينه مجهودًا أميركيًا إضافيًا للإجهاز على أي طموحات أو محاولات روسية أو صينية لاستحواذ عرش القيادة ومحاولة إطاحة واشنطن عن أي ساحة أكانت آسيوية أو أوروبية أو عربية.

أما على المستوى الصيني، فخطر جدي يحدق باستقرار منطقة بحر الصين الجنوبي بالدرجة الأولى، والعالم بأسره بالدرجة الثانية سيما أن الجانب الصيني قد أبدى ولا يزال يبدي في مناسبات عدة استعداده للدفاع بشراسة عن وحدة أراضيه والوقوف بوجه أي محاولة أميركية أو سواها للعبث بوحدة هذه الأخيرة وتضييق الخناق عليها والحد من حريتها بالوصول إلى المحيط الهادئ.

وبذلك، يكون العالم أمام مرحلة مصيرية، انطلاقًا من غزة ولبنان مرورًا بأوكرانيا وصولًا إلى بحر الصين الجنوبي بانتظار ما سيحمله ترامب من سياسات وحلول قد يرسيها للحروب الدائرة والتي تضع واشنطن نفسها فيها بموقع “المعني”.


المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط والمركز لا يتبنّى الآراء الواردة فيها. 

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى