الشائع

فرصة روسيا لاستعادة هيبتها المفقودة: النووي في سوريا عوضاً عن أوكرانيا

شهد الأسبوع الماضي تصعيدًا كبيرًا في الهجوم على حلب بسوريا، حيث شنّ 15 فصيلًا إلى جانب “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) هجمات منظمة. وقاد الهجوم أبو محمد الجولاني، الذي كان مرتبطًا سابقًا بشخصيات مثل (أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، أبو مصعب الزرقاوي، وأبو بكر البغدادي)، مما يمثل تطورًا مقلقًا في الصراع المستمر. ويبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحاول تمكين الجولاني ليصبح لاعبًا رئيسيًا في مستقبل سوريا وربما الشرق الأوسط بشكل أوسع. وتشمل هذه الاستراتيجية إعادة تسمية جبهة النصرة لتصبح “هيئة تحرير الشام” وإظهار “الجيش الوطني السوري” كقوة معارضة أكثر اعتدالًا وقبولًا، في محاولة للابتعاد عن أيديولوجيا النصرة السابقة وإظهار قطيعة وهمية معها.

وتعود أسباب التصعيد العسكري الأخير في سوريا الى عدة عوامل رئيسية.

أولًا، أدى انخراط روسيا في أوكرانيا إلى تخفيض كبير في الموارد العسكرية المخصصة لسوريا، بما في ذلك سحب طائرات سوخوي المقاتلة ومعظم الذخائر، ما ترك ذلك الجيش السوري في وضع هش، حيث لم يتبق سوى طائرة واحدة من طراز SU-24 لتلبية طلب الدعم من الجيش السوري. وقد استغرق وصول الإمدادات الإضافية على متن طائرات إليوشن وتوبوليف أكثر من 72 ساعة لاستئناف الحملة الجوية السورية – الروسية. وبحلول ذلك الوقت، كانت فصائل المعارضة المسلحة قد وصلت إلى مشارف مدينة حماة.

ثانيًا، الخطأ الاستراتيجي الجسيم الذي ارتكبته إيران و”حزب الله” في لبنان عندما شرعا في ما اعتبروه حرب اسناد لحركة حماس في غزة ضد إسرائيل من جنوب لبنان، مما أدى إلى استنزاف قدرات حزب الله العسكرية، واضطرت المحور لسحب الآلاف من مقاتليه من منطقة حلب، وفقدان معظمهم لحياته في حرب جنوب لبنان. وكان هؤلاء المقاتلون وقادتهم قد اكتسبوا خبرة لعقد من الزمان في قتال الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا على الأراضي السورية، وقد منح غيابهم ميزة كبيرة لتركيا، حيث كانت قواتها وجهاز استخباراتها يترقبون هذه الفرصة، اذ أن جبهة النصرة فقط بدأت هجومها من إدلب، بينما انطلقت الفصائل المسلحة الأخرى الـ 15 نحو الأراضي السورية من تركيا، بتدريب وتسليح من الجيش التركي والمخابرات التركية.

ثالثًا، وهو عامل أقل أهمية، الدور الذي لعبته أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، التي أفادت التقارير بأنها ساعدت الفصائل المسلحة من خلال توفير أجهزة كهرومغناطيسية تعطل اتصالات الجيش السوري وأنظمة الرادار. وقد زاد هذا التدخل من صعوبة الاستجابة الفعالة للجيش السوري، كما زودتهم بطائرات بدون طيار (UAVs) وفرت غطاءً جويًا لمقاتلي الفصائل المسلحة.

روسيا والنووي في سوريا

تُعتبر المشاركة الروسية في سوريا جزءًا أساسيًا من استراتيجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجيوسياسية. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، قد يرى بوتين في سوريا فرصة لتحقيق انتصار استراتيجي يعزز مكانة روسيا الدولية التي تضررت بفعل الغرق في الحرب بأوكرانيا.

ولذلك، تسعى روسيا وإيران إلى نشر عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة، بما في ذلك قوات الحشد الشعبي حليفة إيران وجماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيون)، مما قد يُمهّد لصدام سُنّي – شيعي واسع النطاق.

إن تداعيات استخدام روسيا لرؤوس نووية تكتيكية في أوكرانيا لإنهاء الحرب هناك تُشكّل تحديًا صعبًا لبوتين، إذ أن لجوء روسيا لاستخدام النووي سيطال الأراضي الأوروبية وسيكون موجهًا ضد الأوروبيين، مما قد يرفع منسوب التوتر مع الولايات المتحدة وأوروبا. الا أن استخدام هذه الأسلحة في إدلب أو حلب بسوريا، وخصوصًا ضد منظمات مصنفة إرهابية دوليًا، قد يُثير ردود فعل دولية أقل حدة مقارنة باستخدامها في أوكرانيا.

دور تركيا ومسار التوسع الطائفي

تُبرز الأحداث الجارية في سوريا الدور المحوري لتركيا في تشكيل مستقبل المنطقة. إذ يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ فترة طويلة إلى إعادة إحياء الإمبراطورية السلجوقية – العثمانية، وتعد مشاركته في الصراع السوري جزءًا من أجندة توسعية أكبر. يمكن القول ومن دون مبالغة أن أردوغان أطلق التفاعل المتسلسل للإرهاب في المنطقة لتحقيق هذا الهدف.

لأول مرة في تاريخ الصراعات مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، لم يتخذ الهجوم شكل حرب عصابات. وبدلًا من ذلك، شنّت هذه الجماعات هجومًا بأسلوب المعارك التقليدية للجيش، مستخدمة مركبات عسكرية، وجنودًا مشاة، مع دعمٍ جويٍ بطائراتٍ مُسيّرة قدمتها أوكرانيا.

ويشير التواطؤ التركي-الأوكراني إلى محاولة تشتيت روسيا عن تقدمها في شرق أوكرانيا، كما أن الدعم الجوي الذي تُوفره الطائرات المُسيّرة يمنع طائرات سوخوي الروسية من صد هجوم الجماعات المسلحة.

إن سقوط مدينة حماة المحتمل يعني اقتراب سقوط العاصمة السورية دمشق في أيدي الجماعات المدعومة من تركيا. وفي نهاية الأسبوع الماضي، حالَت مقاومة شرسة من المسيحيين والعلويين، بما في ذلك مدنيون، دون استيلاء مقاتلي هذه الجماعات على حماة.

ففي كل مدينة سُنّية تسقط ينضم الآلاف من المسلحين ذوي الأيديولوجيات الاسلامية إلى صفوف هذه الجماعات المسلحة، ففي حلب وحدها، انضم حاليًا ما بين 50 و100 ألف مسلح، وسقوط مدن سنية أخرى مثل حمص وحماة وغيرها قد يعني أن عدد المهاجمين على مشارف دمشق قد يصل إلى 200 ألف مسلح.

ولو سقطت حماة يوم السبت 30 نوفمبر 2024، لكان الآلاف قد استولوا على حمص وتوجهوا نحو دمشق، ومنها إلى عكار وطرابلس في شمال لبنان. وكان من الممكن أن تكون بيروت محاصرة أثناء كتابة هذه المقالة.

تقاعس الغرب وتداعياته العالمية

مع تفاقم الوضع، كانت استجابة الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة في فترة ضعفها السياسي الحالية، متسمةً بالسلبية إلى حد كبير. الغرب، وكذلك إسرائيل، يقللون من خطورة التهديد الذي تشكله هذه الجماعات الإرهابية على مصالحهم وأمنهم، وهو تهديد يفوق بكثير ذلك الذي تشكله إيران وحلفاؤها في المنطقة.

تُعد حلب مدينة محورية معروفة تاريخيًا بأنها بوابة استراتيجية، وقد كانت مركزًا للعديد من الحملات العسكرية على مر التاريخ، من هولاكو إلى تيمورلنك، ومن يستولي عليها غالباً ما يسيطر على مساحات أوسع من المنطقة، تمتد من دمشق إلى القاهرة في مصر.

إن أعداد المهاجمين من الجماعات المسلحة ستزداد مع سقوط كل مدينة سنّية، وسيستيقظ تنظيم داعش مُجددًا ويستنفر مقاتليه لاستعادة السيطرة على العراق، وسيتم تحريك الدواعي والهمم لدى الإخوان المسلمين في الأردن. وإذا نجحت هذه الجماعات في الاستيلاء على المناطق الرئيسية، وصولًا إلى دول الخليج، فإنها ستصبح قوة هائلة تسيطر على حقول النفط هناك (20% من الإنتاج العالمي)، وربما تستولي على أصول عسكرية أساسية مثل طائرات F-15 ورافال وميراج، وأنظمة الدفاع الصاروخي مثل “ثاد” و”باتريوت”، وغيرها الكثير.

يرى بعض المحللين الغربيين أن القرار السياسي والعسكري لهذه الفصائل المسلحة هو قرار مستقل، وأن الحملة العسكرية المدعومة من أردوغان تهدف لضمان عودة اللاجئين السوريين الى بلادهم، الا أن هذه الآراء الساذجة تصرف نظر هؤلاء المحللين عن رؤية الخطر المحدق بالشرق الأوسط. فطموحات أردوغان للهيمنة الإقليمية، إلى جانب عودة التطرف السنّي، ستؤدي إلى عواقب وخيمة على الغرب. وإذا تُرك الوضع على ما هو عليه من دون احتواء غربي، قد يتحول ما يحدث في سوريا الى شرارة لاندلاع صراع أوسع في الشرق الأوسط قد يمتد الى خارجه. وقد تحيا آمال الأتراك لمحاصرة العاصمة النمساوية فيينا وغزو أوروبا تارة أخرى بهذه الجحافل والجيوش من المقاتلين الإسلاميين المتطرفين.

الخاتمة: دعوة للعمل

وإذا ذهب البعض منذ مدة الى التحذير من خطر إيران وحلفائها الشيعة على أمن المنطقة واستقرارها، فان خطر تركيا بقيادة أردوغان مع حلفائها من الجماعات الإسلامية السنية المتطرفة أعظم وأشد على النظاميين الإقليمي والدولي.

وعليه، باتت الحاجة إلى تحالف دولي لمواجهة هذا التهديد المتصاعد أشد الحاحًا، فهو الخيار الأخير لوقف هذا التفاعل المتسلسل للإرهاب ومنع زعزعة استقرار سوريا والمنطقة. ويجب إعادة تجربة التحالف الدولي لمحاربة داعش الذي أنشأ عام 2014، لكن بشكل أقوى وأكثر فعالية. فبدون تحرك سريع، يقف النظام السياسي الدولي على حافة الانهيار.


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى