سوريا الجديدة والتحدّيات الاقتصادية

بقلم الباحث الاقتصادي والسياسي الدكتور أيمن عمر

تواجه سوريا بعد إسقاط نظام الحكم السابق عدة تحدّيات اقتصادية، وهي لا تقلّ أهمّية عن التحدّيات السياسية، بل يمكن اعتبارهما مكمّلين لبعضهما البعض. وإن جميع هذه التحدّيات الاقتصادية تتطلب بالدرجة الأولى استقرارًا امنيّا وسياسيّا، وإلا من غير الممكن تحقيق أي استنهاض اقتصادي وانتعاش مالي. ويمكن تلخيص هذه التحدّيات بما يلي:
تحقيق الاستقرار النقدي وتحسين سعر صرف الليرة السورية
فقدت الليرة السورية أكثر من 94% من قيمتها أمام الدولار الأميركي خلال السنوات التي أعقبت اندلاع أزمة البلاد عام 2011. ففي عام 2010، كان سعر صرف الليرة أمام الدولار يُتداول عند مستوى 47 إلى 50 ليرة سورية للدولار الواحد، واستمر في التدهور حتى وصل إلى نحو 13 ألف ليرة للدولار في السوق السوداء مع نهاية العام 2023. وقد بلغ مطلع شهر ديسمبر الجاري مستوى قياسيًا وصل إلى 16 ألفا أمام الدولار. ومع انهيار نظام بشار الأسد، بدأت الليرة تستعيد جزءًا من عافيتها لتسجل مستوى 10 آلاف ليرة لكل دولار قبل أن تتراجع إلى قرابة 15 ألفا أمام الدولار. وأدّى استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية إلى تفشّي التضخم، مما أدى إلى تآكل الأجور الحقيقية ودفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. ومنذ بداية الصراع، ارتفع معدل الفقر المدقع باستمرار، مع وجود تسعة ملايين سوري عاطلين عن العمل. وفي عام 2022، طال الفقر 69% من السكان، ووصل معدل الفقر المدقع إلى 27% ، مرتفعاً من مستوى ضئيل للغاية في عام 2009. لذلك من أولى الأولويات العمل على تحسين سعر صرف الليرة السورية عبر عدة إجراءات أهمها زيادة احتياطيات النقد الاجنبي- بلغ في 2011 حوالي 14 مليار دولار أميركي- والذي تم استنفاده بالكامل.
إعادة الإعمار وتطوير البنى التحتية
وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في يوليو 2017، بعنوان “خسائر الحرب: التبعات الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا”، دُمّرت أكثر من 20% من المنازل في تلك البلاد -870,000 من أصل4,120,000 وحدة – أو أصيبت بأضرار بالغة، كما أن نسبة المدارس، والمستشفيات، والطرق، ومرافق إنتاج النفط والغاز المدمّرة أو المتضرّرة هي أعلى من ذلك. وفي تقييم أجراه البنك الدولي عن الأضرار نتيجة الحرب في سوريا في العام 2022، خلُص إلى أنه: “حتى يناير 2022، قُدِّرَ إجمالي الأضرار في المدن والقطاعات التي تمّ تقييمها بما يتراوح من 8.7 إلى 11.4 مليار دولار. ومن أصل إجمالي تقديرات الأضرار، شكّلت قطاعات البنية التحتية المادية 68% من الأضرار أو ما يتراوح من 5.80 إلى 7.8 مليارات دولار، كما شكّلت القطاعات الاجتماعية 30% أو 2.7 إلى 3.3 مليارات دولار من الأضرار، وسجّلت القطاعات المشتركة 2% أو ما قيمته 175 إلى 278 مليون دولار. منذ عدّة سنوات أُثيرت عملية إعمار سوريا، وقد تزاحمت بعض الدول لقطف ثمار عملية الإعمار والتحضير لها وفي مقدمتهم الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة. اختلفت التقديرات حول كلفة الإعمار وإلى الآن ليس من دراسة فعليّة او خطط تتضمن الكلفة الفعليّة لعملية إعادة الإعمار، فقد قدّرها مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط في 16 سبتمبر 2019 بين 250 و400 مليار دولار، فيما قدّرها المبعوث الرئاسيّ الروسي ألكسندر لافرنتييف في 21 ديسمبر 2021 بحوالي 800 مليار دولار. أما مفوضة الاتحاد الأوروبي السامية للسياسة الخارجية وشؤون الأمن فيديريكا موغيريني وفق ما نقل عنها الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية بتاريخ 22 مارس 2017 فقد قدّرت أن إعادة بناء سوريا يحتاج إلى 900 مليار دولار.
تنشيط الدورة الاقتصادية وزيادة الناتج المحلي وتفعيل المالية العامة وتطوير نظام ضريبي عادل ومحفّز للاقتصاد
شهد الناتج المحلي في سوريا تقلّصًا غير مسبوق بفعل الحرب فيها منذ العام 2011، مع تدهور بنسبة 25% بين 2012- 2013، وفي العام 2015 انكمش الناتج بنسبة 10% ليسيطر الركود الاقتصادي في العام 2017. وقد انكمش إجمالي الناتج المحلي في سوريا بأكثر من النصف بين عاميّ 2010 و2020، ودفع الانخفاض الكبير في نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي البنك الدولي إلى إعادة تصنيف سوريا كبلد منخفض الدخل منذ عام 2018. ومن المتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في سوريا بنسبة 1.5% في 2024.
إعادة السيطرة على منابع النفط والغاز وتسويقهما
تنتشر حقول النفط في شمال شرق سوريا بمحافظتَي دير الزور والحسكة، وبمنطقة تدمر التابعة لمحافظة حمص، فضلًا عن بعض النقاط النفطية الصغيرة في محافظة الرقة. يسيطر الفصيل الكردي (قسد) على حقول الحسكة النفطية بالشمال الشرقي، أما الحقول التي تسيطر عليها الولايات المتحدة فتقع في محافظة دير الزور شرقي سوريا وهي تشكل حوالي 70 في المئة من ثروات سوريا. هذا القطاع هو القطاع الرافعة للاقتصاد السوري وللمالية العامة في سوريا، إذ كانت سوريا تنتج قبل الأزمة حوالي 400 ألف برميل نفط خام و30 مليون متر مكعب غاز يوميًا، وبذلك تستطيع تحقيق عائد مالي سنوي أكثر من 15 مليار دولار بسعر 70 دولار للبرميل الواحد (العائد 400,000x 70 x 365= 10.08 مليار دولار) و500 دولار للألف متر المكعب من الغاز ( 30,000,000 x 0.5 x 365= 5.475 مليار دولار) ، وبالتالي الاعتماد على هذا القطاع في الخروج من الأزمة الاقتصادية والعجز المالي. ولكن تعتبر هذه القضية من أكثر القضايا المعقدة، وإمكانية حلّها عبر إعادة سيطرة الدولة السورية الجدية على هذه الموارد من جديد من الصعوبة بمكان، لأنه يتطلب تحرير مناطق هذه الموارد من السيطرة الكردية والأميركية عبر إما المواجهات العسكرية أو بطريقة ديبلوماسية.
دور سوريا كممر دولي بين طريق الحرير والممر الهندي
يشكل موقع سوريا الجغرافي ممرًا رئيسيًا لطريق الحرير الصيني ومشاريعه التي تناهز التريليون دولار، وتشكّل دمشق وبادية الشام وتدمر وحلب جزءاً من هذه الطريق عبر الفرع الجنوبي منها الذي يمرّ من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين والعراق والأناضول وسوريا عبر تدمر وحلب إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق إلى مصر وشمال أفريقيا. وبالمقابل هناك مشروع الممر الهندي – الأوروبي (الأميركي)، وهو مشروع بالغ الأهمية للولايات المتحدة الأميركية في مواجهة مشروع طريق الحرير الصيني في المنطقة وضمنًا سوريا. لذلك على القيادة السورية الخيار بين هذين المشروعين والمفاضلة بينهما على أساس تحقيق الملحة الوطنية، أم أن للحسابات السياسية وعدم مواجهة الولايات المتحدة في المنطقة سيكون لها القرار الفصل في هذا الإطار؟
مكافحة الاقتصاد الأسود وبناء بنى إنتاجية
يعتقد أن سوريا كانت في الفترة الأخيرة أكبر منتج ومصدر للحبوب المخدّرة الكبتاغون والتي قام اقتصاد النظام السوري السابق وحلفائه عليها. وقد قدّر البنك الدولي حجمها بحوالي 5.6 مليار دولار سنويا، وهي تشكل من 75% من الناتج المحلي السوري. وكثُرت عمليات التهريب عبر الحدود في ظل انتشار الفساد وضعف هيمنة السلطة المركزية على البلاد. لذلك لا بد من مكافحة هذه الظواهر وتفعيل دور الماكينات الاقتصادية وعمليات إنتاج السلع التي تميّزت بها سوريا تاريخيًا، ودعم المناطق الصناعية من جديد سواء في حلب أو غيرها من المناطق.
يبرز الدور التركي جليًّا ليس في الحرب وإسقاط النظام فحسب، بل وفي إعادة بناء الدولة السورية الجديدة والاقتصاد السوري، عبر نقل الخبرات التركية في هذا الإطار من خلال المستشارين والخبراء الأتراك. إن لدى سوريا من المقدّرات المادية والبشرية ما يجعلها قادرة على بناء اقتصاد متين وتحقيق الانتعاش ثم النمو الاقتصادي لاحقا.
المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط والمركز لا يتبنّى الآراء الواردة فيها.
