الشائع

سباق الذكاء الاصطناعي العالمي: المنافسة وليس السيطرة

بقلم الزميل غير المقيم محمد معاذ

باحث في مجال الذكاء الاصطناعي. كاتب تقني. يرتكز عمله المهني على توفير المهارات الإستراتيجية لدعم وفهم تقنية الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أنجز العديد من الدراسات والمقالات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتركّز أبحاثه على التأثير الحقيقي لهذه التقنية في مختلف المجالات.

وضعت الولايات المتحدة الأميركية التي تمتلك الكثير من البنى التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي في العالم، نفسها كرائدة عالمية في هذا المجال. إلا أنّ واقع الحال هذا، قد لا يستمر لفترةٍ طويلة. إذ تواصل الصين تطوير أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي[1]، على الرغم من وجود شبكةٍ واسعة من ضوابط التصدير الأمريكية بهدف تقليص التقدم التقني لها. تعمل بكين على توسيع وتسريع الاستثمارات الجديدة بالذكاء الاصطناعي[2] واستثمار موارد حكومية كبيرة لدعم قاعدة التكنولوجيا المحلية الناشئة. والنتيجة، أصبحت المنافسة العالمية الحالية في الذكاء الاصطناعي مرادفة للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين[3].

وبينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على التفوق التكنولوجي في هذا السياق، يسنّ صانعو السياسات القوانين ويفكرون في فرض ضوابط تصدير جديدة[4] للحدّ من وصول الصين إلى المكونات اللازمة لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة مثل أشباه الموصلات[5]، والقوة الحاسوبية التي تشير للقدرات التي تتمتع بها الحواسيب في معالجة البيانات[6].

ضوابط التصدير في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين

من المعروف أن وضع ضوابط التصدير بشكلٍ مثالي يعدّ أمراً صعباً. ولم يمضِ وقت طويل على إقرار الولايات المتحدة لضوابط التصدير الموسعة[7] للحؤول دون حصول الصين على أشباه الموصلات ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي في أكتوبر 2022[8]، حتى ظهرت ثغرات في فعالية هذه الضوابط. ورداً على ذلك، زادت الصين الاستثمار في قدراتها المحلية لتصنيع أشباه الموصلات[9] بغية تحقيق الاكتفاء الذاتي. كما أن التحايل على ضوابط التصدير كان حاضراً حيث جرى ضخ الرقائق الخاضعة للرقابة إلى الصين[10]، ما مثّل تحدياً حقيقياً لنجاح ضوابط التصدير تلك والتي تقول الولايات المتحدة إنها بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي[11].


وفي الوقت الراهن، يبدو أن هناك اتجاهاً من قبل صانعي السياسة الأميركية لا سيما مع مجيء الرئيس دونالد ترامب إلى وضع مزيد من ضوابط التصدير على الذكاء الاصطناعي[12] على مستوى البرمجيات (Software). بمعنى آخر، قيود جديدة على البرمجيات “غير مفتوحة المصدر” أي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي لا تحتوي على برمجية متاحة للجمهور.

وتعليقاً على هذه النقطة، نفترض أن المسألة شائكة، على اعتبار أن مراقبة السلع المادية (Hardware) صعب بالفعل، فكيف سيكون الحال مع وضع رقابة على تصدير برمجيات الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن تشفيرها، وإخفاؤها على عكس السلع الملموسة.

وحتى لو تم وضع ضوابط صارمة على البرمجيات، دون منحها إمكانية الوصول الموسع إلى النظام، فقد يكون  من الصعب التمييز بين نظام الذكاء الاصطناعي المشمول بالرقابة[13] وأنواع أخرى من البرمجيات. واستجابةً لهذا التحدي، كان صانعو السياسات المشاركون في مناقشات تنظيم الذكاء الاصطناعي يدعمون الضوابط الصارمة في المراحل الأولى، مثل الترخيص لتطوير الذكاء الاصطناعي[14] أو تنظيم الحوسبة وهي عملية تنظيم الموارد الحاسوبية والبيانات بشكلٍ ممنهج[15]، على اعتبار أن ضوابط التصدير ستكون أكثر فعالية إذا كان يمكن احتواء وتتبّع السلع غير الملموسة (Software) من مصدرها.

وتعليقاً على ذلك، ونظراً إلى تطور سوق الذكاء الاصطناعي، تتوفر العديد من الحلول مفتوحة المصدر مع وجود اختلافات بسيطة في الأداء[16] مقارنة بالنماذج مغلقة المصدر. وعليه، من المرجح أن تقل فعالية ضوابط التصدير التي تستهدف برمجيات الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل. بل، وقد لا تكون أيضاً في مصلحة الولايات المتحدة على المدى الطويل، حيث ينطوي على مخاطر[17] مثل تراجع القدرة التنافسية لها، وانخفاض الطلب على التقنيات التي تطورها، وما إلى ذلك.

طريق أفضل للمضي قدماً

لكي تحافظ الولايات المتحدة على ريادتها العالمية للذكاء الاصطناعي، ينبغي عليها التركيز على المنافسة في تطوير وتطبيق ونشر الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي محليًا ودوليًا بدلاً من اتباع نهج التحكم والاستئثار.  أي تبنّي المنافسة والانفتاح، وتمكين الوصول الفعال إلى الأسواق، ودعم نشر التكنولوجيا ومعايير الحوكمة. وعليه، نعتقد أن هناك عدة خطوات يمكن لصانعي السياسات الأميركية اتخاذها للتحرك في هذا الاتجاه:

  • أولاً، اعتماد نهج “عدم الإضرار” والمنطق السليم لضوابط تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك وضع ضوابط شاملة تسمح بمراقبة أي سلعة يمكن استخدامها للمساعدة في إنتاج أسلحة نووية أو بيولوجية. وإذا تبين أن نظام الذكاء الاصطناعي قادر على دعم إنشاء هذه التهديدات، ينبغي تطبيق منع التصدير.
  • ثانياً، العمل مع الشركاء الدوليين لوضع معايير تسهّل اعتماد ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم. ومن الضروري أن تضطلع الولايات المتحدة بدور قيادي في وضع معايير مقبولة دولياً وموضوعية ومدعومة علمياً[18]. وهذه مهمة تفوق فيها تاريخيًا المعهد الأميركي للمعايير والتكنولوجيا[19]، ولكن من الواضح أن هناك حاجة إلى مزيد من الموارد والدعم[20].
  • ثالثاً، لا بدّ من الإقرار بأن الكثير من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في العالم يقيمون خارج حدود الولايات المتحدة[21]. وعليه، فلدى الولايات المتحدة الكثير مما يمكن أن تكسبه من أجل قدرتها التنافسية العالمية إذا قامت بالاستثمارات اللازمة في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة تتلاءم مع المجتمعات الدولية المتنوعة من خلال دعم اللغات المستخدمة في البرمجيات والتي تعاني من نقص الموارد (اللغة العربية على سبيل المثال)، والتوافق مع العادات والأعراف المحلية لتلك المجتمعات.

وبالمحصلة، إذا لم تتعامل الولايات المتحدة كما أسلفنا نفترض أنها ستكون في وضع غير مؤاتٍ استراتيجيًا. أمّا لو تبنّت نهج المنافسة كعنصرٍ توجيهي لاستراتيجيتها، فهذا سيسمح لها بتعزيز مكانتها في السوق وريادتها التكنولوجية مع إطلاق العنان لإمكانات الذكاء الاصطناعي المحلية والعالمية.


[1] https://www.wsj.com/tech/ai/chips-or-not-chinese-ai-pushes-ahead-31034e3d

[2] https://www.wsj.com/tech/china-puts-power-of-state-behind-aiand-risks-strangling-it-f045e11d

[3] https://shorturl.at/aiOB6

[4] https://www.csis.org/analysis/choking-chinas-access-future-ai

[5] https://shorturl.at/gkAtM

[6] https://shorturl.at/jxz8R

[7] https://www.csis.org/analysis/updated-october-7-semiconductor-export-controls

[8] https://foreignpolicy.com/2023/10/19/biden-china-semiconductor-chip-industry-regulations-sanctions/

[9] https://www.eiu.com/n/china-boosts-state-led-chip-investment/

[10] https://shorturl.at/yn4BK

[11] https://shorturl.at/F2ezy

[12] https://www.axios.com/pro/tech-policy/2024/05/14/inside-the-ai-export-controls-debate

[13] https://tinyurl.com/36nwfm7n

[14] https://tinyurl.com/82h7xtu

[15] https://time.com/7021171/ai-regulation-chips/

[16] https://www.csis.org/analysis/defense-priorities-open-source-ai-debate

[17] https://tinyurl.com/y2fz7evk

[18] https://www.techpolicy.press/regulating-artificial-intelligence-must-not-undermine-nist-integrity/

[19] https://www.nist.gov/system/files/documents/2019/08/10/ai_standards_fedengagement_plan_9aug2019.pdf

[20] https://www.washingtonpost.com/technology/2024/03/06/nist-ai-safety-lab-decaying/

[21] https://foreignpolicy.com/2023/05/29/ai-regulation-global-south-artificial-intelligence/


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى