الشائع

زيلينسكي: الغرب يتذرّع بالاتفاقيات مع روسيا.. والدكتور يوسف رصد النتائج قبل سنوات

اتّهم الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بعض دول الغرب بـ”الخداع” وتقديم “الوعود الكاذبة” في تعاملها مع أوكرانيا في مسألة عضويتها في حلف شمالي الأطلسي “الناتو”، معتبراً أنّ الولايات المتحدة وألمانيا خسرتا الحوار مع روسيا حول عضوية أوكرانيا في “الناتو” بذريعة وجود اتفاقيات مع روسيا في الماضي، وهذا ما كان رصده رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، في كتابه “جوهر النظام الدولي” الذي عمل على كتابته عام 2016، حين نبّه من المماطلة الغربية في ضمّ أوكرانيا إلى “الناتو” والاتحاد الأوروبي وأنّها ستؤدي إلى خلاف المقصود، بل إنّها ستزيد من طمع روسيا بأوكرانيا التي تشكّل أفقاً حيويًّا لموسكو، وأنّ الولايات المتحدة والمملكة المتّحدة لم تلتزما كذلك بتنفيذ بنود معاهدة بودابست 1994 وليس فقط روسيا هي التي نقضتها.

وقال زيلينسكي في مؤتمر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية في 22 يناير 2025: “أعتقد أنّ بعض الدول اتّبعت في البداية سياسةً غير شفافة، ولم تدعمنا في الانضمام إلى الناتو، وكانت مجرد كلمات كاذبة بأن أوكرانيا ستنضم إلى الناتو، لأن عقودًا مرت وأوكرانيا ليست في الناتو”.

وأضاف أنّ كلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا خسرتا الحوار مع روسيا حول عضوية أوكرانيا في “الناتو”، مشيراً إلى أنّ الأمريكيين والألمان “دائماً يستشهدون بوجود اتفاقيات مع الروس في الماضي”[1].

المماطلة تؤدي إلى خلاف المقصود

وكان الدكتور يوسف ذكر في كتابه “جوهر النظام الدولي” أنّ “كلّ تأجيل أوروبي وأمريكي لاتخاذ القرار بضمّ أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا وحتى أذربيجان إلى الاتحاد الأوروبي و”الناتو” وكل مماطلة وإعراض ألماني – فرنسي عن هذا الرأي، إرضاء لروسيا وفزعاً من تحويلها إلى قطب عالمي جديد مجاور، فإنّه لا محالة سيفضي إلى استعادة روسيا المكانة العالمية للاتحاد السوفياتي حسب القانون الثاني للنظام الدولي (قانون نشر النفوذ في الأفق الحتمي)”.

واعتبر أنّ “ترك هذه الدول خارج الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو” يمنح الفرصة التاريخية الجديدة، لتنشر روسيا نفوذها في فضائها الحتمي، ولا يدفعها عن ذلك سوى انضمام هذه الدول إليها، ولا سبيل أمام الغرب لمنع قيام قطب دولي ثان في روسيا الاتحادية سوى الجرأة على ضمّ هذه الدول إلى مؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية، لتخرج هذه الدول من الأفق الحتمي لروسيا، وعندها لن يطمع الروس في نشر نفوذهم فيها، لأنها لم تعد منطقة مصالح استراتيجية، ولم تعد فضاء حيوياً لها بدخولها وانتظامها في المؤسسات الغربية”.

ولفت إلى أنّ “ما يقوم به الغرب من تأجيل وتأخير في انضمام هذه الدول إلى مؤسساته طمعاً في تسكين روسيا ومنعها من السعي إلى القطبية العالمية السابقة، سيكون هو العامل الأساسي في دفع روسيا إلى بلوغ ما تريد، فإن أعرض الغرب عن ضم هذه الدول إليه، فإنه يتمالأ من حيث لا يدري مع روسيا ويدفعها إلى استعادة المركز السوفياتي العالمي، بخلاف ما يريده من منعها من ذلك”.

نقض معاهدة بودابست

وفي سياق متّصل، فقد أشار الدكتور يوسف إلى أنّ دول الغرب نقضت معاهدة بودابست عام 1994 التي وقّعتها أوكرانيا إلى جانب روسيا والولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة والتي تخلّت بموجبها كييف عن أسلحتها النووية لروسيا مقابل 6 ضمانات أمنيّة تقدّمها موسكو بالإضافة إلى كلّ من الولايات المتّحدة وبريطانيا.

وقال الدكتور يوسف إنّ “الغرب لا يزال يساهم في صعود روسيا إلى موقع القطب الدولي….، ومن دون أن يدري بذلك، حيث أعرضت الولايات المتحدة وبريطانيا عن الوفاء بما يلزمهما من بنود معاهدة بودابست عام 1994 من الدفاع عن أوكرانيا إذا نكثت روسيا بوعودها ونقضت عهودها، وقامت بتهديد أوكرانيا، وقد نقضت هاتان الدولتان بنود المعاهدة أسوة بروسيا”.

وأضاف: “وإن كانت روسيا قد نقضت هذه المعاهدة بضمّ القرم إليها وإرسال قواتها إلى شرق أوكرانيا، فإن بريطانيا والولايات المتحدة نقضنا المعاهدة بإعراضهما عن باقي بنود المعاهدة التي تلزمهما حماية أوكرانيا عند تعرضها للخطر، وزاد إسهام الغرب في صعود روسيا إلى مركز القطب العالمي حين دفع الغرب أوكرانيا إلى تسليم كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب عالي التخصيب الذي يصلح لصنع رؤوس نووية إلى روسيا، وتحويل كامل مفاعلاتها النووية إلى الأعمال المدنية، وذلك في القمة النووية عام 2012 وبذلك تم تجريد أوكرانيا من موارد الدولة القوية التي لا يمكن لدولة أخرى أن تطمع فيها، وتمنع حتى الأقطاب العالمية من أن تجعلها فضاء استراتيجياً لها لبسط النفوذ فيها”.

وتابع: “بذلك كشف الغرب أوكرانيا أمام روسيا، وأعادها إلى أن تكون أفقاً حتمياً لها، وساقها القانون الثاني للنظام الدولي إلى نشر هيمنتها في هذا الأفق في طريقها إلى استعادة المركز القطبي العالمي المفقود، وتبقى الهيمنة الروسية على أوكرانيا شرطاً أساسياً لاستعادة روسيا هذا المركز، وعندما تجرد الدول الغربية أوكرانيا من قوتها النووية وتعرض عن تنفيذ بنود معاهدة بودابست 1994 وترفض انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الناتو، وتأبى أن تزودها بالأسلحة الحديثة الفتاكة للدفاع عن أراضيها، وتمسك عن تقديم القروض والمساعدات المالية لإنقاذ اقتصادها، فإنها تدفع أوكرانيا إلى الخضوع والانقياد للنفوذ الروسي، وتحقيق الشرط الأساسي في بلوغ روسيا المكانة القطبية الدولية”.

وأضاف: “وقد مضت ألمانيا وفرنسا إلى الغاية القصوى في مداهنة روسيا، ما يضعف أوكرانيا أكثر، لتصبح بعدها روسيا أشد عزماً على نشر هيمنتها عليها، وتصبح أوكرانيا أقلّ منعة وأكثر انبساطاً أمام انتشار النفوذ الروسي فيها، فقد انتهى سعي الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس الروسي بوتين إلى عقد اتفاقية مينسك 2 التي قضت بانسحاب الجيش الأوكراني من شرقي أوكرانيا وإخلاء مدينة ديبالتسيفي، وهي العقدة التي تربط الطرق البرية والخطوط الحديدية لتسيطر عليها قوات الانفصاليين في شرق أوكرانيا، مع وقف القتال بين الطرفين، ظناً من القادة الأوروبيين أنهم يخمدون الصراع في أوكرانيا، ويوقفون الزحف الروسي إلى أوروبا، ولا يعلمون أنهم إنما يزيدون في إضعاف أوكرانيا، ويزيدون في توطئة السبل أمام روسيا للسيطرة عليها، حيث تم باتفاق مينسك تنفيذ الإرادة السياسية الروسية وتحقيق غرضها الأول الاستراتيجي بانتهاء وزوال الدولة المركزية القوية في أوكرانيا، لبناء دولة فيدرالية ضعيفة فيها على أساس دستوري يقر الفيدرالية فيها وفق الخارجية الروسية”.

وأوضح أنّ “الغرب لا يزال ماضياً في فتح ساحة أوكرانيا أمام روسيا، وأطماعها فيها باتباع سياسات تفضي في النهاية إلى أن تملأ روسيا نفوذها في أوكرانيا”، مضيفاً: “… ومع تخاذل الغرب عن تقديم المساعدات المالية والعسكرية لكييف، تقوم روسيا بتقديم السلاح والمقاتلين والمال للضفة الشرقية لأوكرانيا،… في دلالة بيّنة على عدم الإقرار بوجود سلطة لكييف على شرق أوكرانيا، بينما لا يمد الغرب حلفاءه في كييف بشيء سوى تقديم الوعود، ويقوم بتثبيط سياساتهم وإحباط كل سعي للنظام الأوكراني من الاقتراب من الغرب”.

وخلص الدكتور يوسف إلى أنّ “هذه السياسة الغربية لن تقود إلا إلى مزيد من انتشار النفوذ الروسي في أوكرانيا كلها”.


[1] arabic.rt.com, 22-01-2025, ar.rt.com/z4ss.


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى