الشائع

هل تتخلّى الإدارة الأمريكية الجديدة عن تايوان؟

انتشر رأيٌ منذ مدة بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية وبعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قد تتراجع عن دعمها العسكري لتايوان التي تَعتبرُ واشنطن أقوى حليف ومورّد رئيسي لأسلحتها منذ أكثر من 40 عامًا لمواجهة الصين التي تعتبر الجزيرة – التي تتمتّع بحكم ذاتي – جزءًا لا يتجزأ من أراضيها ولا تستبعد اللجوء إلى القوة لاستعادتها وضمّها إلى البرّ الصيني الرئيسي، وذلك استنادًا إلى قرارات الإدارة الجمهورية وتصريحات المسؤولين الأمريكيين التي لا تدعم استقلال تايوان وتؤكّد ضمنًا التزام مبدأ “الصين واحدة”، وبخاصة مع اتجاه واشنطن لتحسين علاقاتها التجارية مع الصين.

كما أنّ إعلان ترامب نيّته شراء جزيرة غرينلاند – التابعة للدنمارك – وضمّها إلى الولايات المتحدة الأمريكية سيحرّك الدافع لدى الصين لضمّ تايوان على مبدأ التعامل بالمثل، بمعنى آخر أنّ “ما يحق لواشنطن يحقّ لبكين”، إضافة إلى أنّ أسلوبه الفريد والذي غالبًا ما يتّسم بالتحوّل المفاجئ وعدم الوضوح في التعامل مع القضايا الدولية، زاد المخاوف وخاصة عند بعض التايوانيين إزاء تراجع واشنطن عن تقديم الدعم العسكري لتايبيه، كما كان الأمر في عهد الإدارة الأمريكية السابقة، وبالتالي إعطاء الضوء الأخضر للصين لغزو الجزيرة.

إنّ ما صرح به ترامب قبل انتخابه في مقابلة له في 7 يونيو 2024 قال فيها إنّه “يجب على تايوان أن تدفع لنا تكاليف الدفاع، تايوان لا تعطينا أي شيء، وأنّ الولايات المتحدة ستواجه صعوبة في الدفاع عن الجزيرة التي تبعد 9500 ميل بينما تبعد 68 ميلاً عن الصين”[1]، وما صرّح به وزير خارجيته ماركو روبيوفي 24 يناير 2025 عن أن “الولايات المتحدة لا تدعم استقلال تايوان”[2]، يظهر عدم دعم واشنطن لاستقلال تايوان ويؤكد ضمنًا التزام “مبدأ الصين واحدة”، وهي تصريحات معتادة تعاقبت عليها كلّ الإدارات الأمريكية السابقة، كما أن ّمقاربة “مبدأ الصين واحدة” مختلف لدى الولايات المتحدة عن الصين، حيث تعتبر الصين أنه لا توجد سوى دولة واحدة ذات سيادة تحمل اسم الصين على عكس فكرة وجود دولتين، بينما تعتبر واشنطن أنّ تايوان جزء من الصين لكن بنظام حكم ذاتي كنظام الحكم في هونغ كونغ القائم على مبدأ “بلد واحد بنظامين”، كما أنها تنتهج سياسة “الغموض الاستراتيجي” التي من خلالها تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع تايوان وتزوّدها بالأسلحة لكن دون الاعتراف رسميًّا بمبدأ “الصين واحدة” من المنظور الصيني، وعدم الاعتراف باستقلال تايوان.

أمّا بالنسبة للقرار الذي وقعه ترامب في 21 يناير 2025 القاضي بتجميد جميع برامج المساعدات الخارجية الأمريكية لدول أخرى موقّتًا لمدة 90 يومًا[3]، فالدعم العسكري التي تقدّمه الولايات المتحدة لتايوان من معدات عسكرية شملت سفنًا حربية وطائرات بدون طيّار وأجهزة رادار إلكترونية ومعدات ذات صلة، ما هو بمعظمه إلا صفقات بيع مقابل المال، وبالتالي فإنّ هذا القرار لن يؤثر على الإمدادات الأمريكية العسكرية لتايوان التي تحصل عليها من خلال عمليات بيع وشراء.

فضلًا عن أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ملزمة بتقديم الدعم العسكري لتايبيه حتى عام 2027، وفقًا لقانون الدفاع الأمريكي العائد لعام 2023، والذي حدّد تكلفة ونفقات وزارة الدفاع الأمريكية مع تخصيص ما يصل إلى 10 مليارات دولار من المساعدات الأمنية على مدى السنوات الخمس المقبلة لصالح تايبيه[4]، بالإضافة إلى أنّ بعض العقود الموقعة بين الجزيرة وواشنطن تنصّ على توريد الأسلحة لسنوات عدة مقبلة، كالعقدين اللذين وقعا بينهما في أكتوبر 2024 بقيمة 163.7 مليون دولار، واللذين يلزمان واشنطن بتوريد الطائرات المسيّرة حتى نهاية عامَيْ 2027 و2029[5].

ولا سبيل إلى القول بأن واشنطن قد تعطي الضوء الأخضر للصين لدخول تايوان وضمّها بالقوة، لأنّ ترامب يدرك أن أي تحرك صيني ضدّ تايوان سيحرّك حتمًا اليابان حليفتها، خشية من أن تستكمل الصين توسّعها الجيوسياسي وصولًا إلى جزرها “سينكاكو” في بحر الصين الجنوبي والقريبة من تايوان. وبخاصة في ظلّ سعي اليابان لتغيير عقيدتها العسكرية والعودة إلى سيرتها العسكرية الأولى (عودة الساموراي)، وبالتالي اشتعال الحرب في منطقة شرق آسيا قاطبة، ما سيفضي حتمًا إلى انخراط الولايات المتحدة فيها دفاعًا عن حليفتها اليابان ضدّ الصين.

كما لا طاقة بترامب في ألا يدافع عن اليابان، حيث ترتبط بلاده بمعاهدة دفاع مع طوكيو تلزمها بالدفاع عن أراضيها إذا تعرضت لهجوم من قبل قوّة أجنبية.

ولا سبيل إلى القول بأنّ السعي الصيني الأمريكي في إدارة الخلافات بينهما وإيجاد آلية للتعاون البنّاء بين البلدين بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وفرضه رسومًا جمركية بنسبة 10% على المنتجات الصينية[6]، وهي أقلّ بكثير من الرسوم الجمركية البالغة 60% التي هدّد بها خلال الحملة[7]، وذكره الصين مرّة واحدة فقط في خطاب تنصيبه، سيدفع بالولايات المتحدة للإعراض عن استمرار دعمها لتايوان، لأنّ في ذلك عواقب على واشنطن التي ستظهر في حالِ ضعف وخيانة لهيبتها العسكرية التاريخية، لأنّ في انهزام تايوان وضمّها بالقوة إلى برّ الصين الرئيسي انهزامٌ عسكريٌّ وجيوسياسيٌّ لواشنطن أمام الصين.

كما أنّ إعراض الولايات المتحدة عن الاستمرار في دعم تايوان سيفضي إلى زعزعة ثقة الحلفاء بها، حيث سيخشى حلفاؤها من التخلّي عنهم مقابل صفقات مع دول معادية لهم، فتخشى السعودية مثلًا أن تتخلّى واشنطن عن حمايتها في صفقة مع إيران، وتخشى أوكرانيا أن تتخلّى عنها في صفقة مع روسيا، وبالتالي تهتزّ الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وتتراجع الاستثمارات والعلاقات التجارية والاقتصادية، وهذا ما يخشاه ترامب “رجل الصفقات” والمعروف باعتماده على سياسة “القوة من خلال الاقتصاد”.

وبالتالي، من نافلة القول وممّا سبق ذكره آنفًا فإنّه لا سبيل إلى وصف كلّ ما تقوم به إدارة ترامب على أنه تغيير في الاستراتيجية الأمريكية تجاه تايوان وهي لن تبدلها، بل ستعمل على الموازنة والمواءمة بين مصالحها الاقتصادية والتجارية مع الصين وبين مصالحها الجيوسياسية والجيواستراتيجية في منطقة شرقي آسيا وبحر الصين الجنوبي.


[1] arabic.cnn.com, 07-07-2024.                                                                                             

[2] arabic.rt.com, 24-01-2025.

[3] arabic.rt.com, 21-01-2025.

[4] futureuae.com, 06-01-2023.

[5] arabic.rt.com, 15-10-2024.

[6] alaraby.co.uk, 03-02-2025.

[7] alarabiya.net, 24-01-2025.


حنين جركس

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. .حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى