الشائع

أوروبا تعود إلى وقائعها التكوينية.. حركة التاريخ تطيح بالليبرالية الأوروبية

عقدت الأحزاب الوطنية والقومية التي تشكّل كتلة “وطنيون من أجل أوروبا” في البرلمان الأوروبي، تجمّعًا حاشدًا في العاصمة الإسبانية مدريد نظّمه حزب “VOX” اليميني الإسباني، حضره عدد من قادة الأحزاب الوطنية والقومية في أوروبا، أبرزهم: رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، ونائب رئيسة الحكومة الإيطالية وزعيم حزب “ليغا” اليميني ماتيو سالفيني، وزعيمة حزب “التجمّع الوطني” اليميني في فرنسا مارين لوبان، والنائب في البرلمان الأوروبي عن حزب “الحرية” النمساوي اليميني هارالد فيليمسكي، وزعيم حزب “من أجل الحرية” الهولندي اليميني غيرت فيلدزر، وزعيم حزب “آنو 2011” التشيكي اليميني أندريه بابيش، إضافة إلى أحزاب يمينية من اليونان والبرتغال وغيرها.

وشدّد المتحدّثون في كلماتهم على القيم والخصائص المشتركة التي تجمع أحزابهم، متّهمين النخب الليبرالية “اليسارية” بأنّها فشلت في سياساتها السابقة، ولا سيما في ما يتعلّق بسياسات الهوية (الجندر، العرق، اللون،…)، وفي ضبط موجات الهجرة الجماعية. ودعت الكلمات إلى إعادة الأمن لحدود الدول الأوروبية وإنهاء الهجرة الجماعية، وطرد المهاجرين غير الشرعيين و”المجرمين” من بلدان أوروبا.

وتظهر هذه الوقائع إنطلاق سيرورة عودة القارّة الأوروبية إلى وقائعها التكوينية والإطاحة بالنخب الليبرالية التي سيطرت على الحكم في أوروبا خلال السنوات الماضية، وذلك بحسب ما يذكر رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، الذي تحدّث عن تنامي دور هذه الأحزاب في كتابه “القوانين السياسية المادية” الذي عمل على كتابته في العام 2019، وفنّد تفاصيل مصير الاتحاد الأوروبي في دراسته التي نشرها يوم 11 سبتمبر 2023 تحت عنوان: “الاتحاد الأوروبي بين التفكك والزوال الكلاسيكي… والثبات والتوسع الكوانتي“، التي أشار فيها إلى أنّ “الأحزاب الليبرالية في الاتحاد الأوروبي كلاسيكياً وفق الأصول النيوتنية لا محالة زائلة”، وأنّ “القانون السياسي الموضوعي الكلاسيكي قد بدأ فعلُه التاريخي لتغيير الساحة السياسية في الاتحاد الأوروبي، وسيدفع هذا القانون الوقائع السياسية الليبرالية المضادّة إلى الزوال خلال العقود القادمة وسيرفع الأحزاب السياسية الملتزمة بالوقائع التكوينية إلى الحكم”.

وأشار الدكتور يوسف في كتابه إلى أنّ “الدول الأوروبية صنعت الإمبراطوريات الكبرى في القرنين الماضيين، وهيمنت على أكثر المعمورة ونشرت سيطرتها عليها، دون أن تؤسس الاتحاد الأوروبي، وانما اقترن نهوض أوروبا وسيطرتها على البحار والمحيطات والقارات بالدولة – الأمة مع حفظ الروح الوطنية القومية وحماية الحدود الفاصلة بين دولها، وخروج المهاجرين من أوروبا إلى أنحاء العالم، فكان القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين قرن أوروبا بوقائعها السياسية التكوينية الكلاسيكية”.

وأضاف أنّه “لما أفَلَتْ هذه الوقائع التكوينية مع بلوغ الأحزاب الليبرالية السلطة في دول الإتحاد الأوروبي، أفَلَتْ معها أوروبا العظمى وزالت هيمنتها وهلكت قوتها”.

واعتبر أنّ “الوقائع المقترنة بظهور الاتحاد الأوروبي منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وقائع مضادة للوقائع التكوينية الجوهرية للدول الأوروبية عند ظهورها وعند صعودها إلى مواقع القطبية العالمية والسيطرة على العالم بسائقٍ من سياساتها التي أبهتَتْ العالم في القرن التاسع عشر، وليس بضغطٍ من الجيوش وقوة السلاح فقط”.

وتابع: “هذا هو تأويل وتفسير ظهور الأحزاب اليمينية الوطنية والقومية في أوروبا، وتفسير نمو أنصارها وأتباعها تدريجياً مع مرور الزمن، وبلوغ البرلمانات أو المجالس المحلية في الولايات والمقاطعات في أول أمرها، ثم اشتداد قوتها وشوكتها وانتشار افكارها، فأقبل الناس عليها وناصروها، وفاؤوا إلى القيم والوقائع السياسية التكوينية لأوروبا، حتى تبوأت المواقع الثلاثة الاولى في الانتخابات التشريعية في بلدانها منذ عام 2014، وهي تمضي في رحلتها إلى بلوغ الحكم في أكثر الدول الأوروبية، والسيطرة على الساحة السياسية الأوروبية، والانفراد بتشكيل الحكومات فيها في العقود القادمة، وسيوافق كلاسيكياً وفق القواعد النيوتنية غلبة هذه الأحزاب على الحكم والساحة السياسية في أوروبا زوال الاتحاد الأوروبي خلال العقود القادمة”.

ولفت إلى أنّ “الأحزاب اليمينية في الغرب ترى أن الليبرالية السياسية والاقتصادية قد أصبحت حركة عالمية عابرة للقوميات والحدود الوطنية، وتكاد تكون حركة أممية عالمية لا تعترف بالحواجز والحدود الفاصلة بين الكيانات السياسية، وتسعى إلى إزالتها بعولمة اقتصادية واعلامية تزيل الفوارق بين الأمم والدول لغاية مراكمة الثروات واكتناز الأموال. فالنيو ليبرالية المقترنة بالعولمة واقعة مضادة لليبرالية الكلاسيكية التي كانت تسعى إلى تركيز الأموال والصناعة والنقد والسياسة في مراكز وطنية في الغرب، بينما النيو ليبرالية تسعى إلى تعميم هذه المراكز ونشرها من مواطنها قاطبةً، وهو تأويل وتفسير التحوّل الجوهري في العالم وتبادل المواقع بين الغرب والشرق وبين الشمال والجنوب، حيث تحولت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب إلى موطن إنكار العولمة ونقدها والتبرؤ منها. وستلحق عدة دول أوروبية بالولايات المتحدة إلى هذا الموقع عندما تبلغ الأحزاب اليمينية الحكم فيها”.

وأكّد أنّ “التدقيق والتحقق يكشفان عن أن هذا التحول وذاك الانقلاب بين الدول والأمم بشأن العولمة قد حصلا بسائقٍ من قانون الوقائع السياسية التكوينية، حيث تسوق حركة هذا القانون أوروبا والغرب عامةً إلى ما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. ولذلك فإنّ الأحزاب الليبرالية في الاتحاد الأوربي كلاسيكياً وفق الأصول النيوتنية لا محالة زائلة عن الحكم في البلدان الأوروبية خلال العقود القادمة”.

وتابع: “تدلّ الخصائص المشتركة للأحزاب القومية اليمينية على وحدة مقاصدها وغاياتها ودون تواطؤ منها على ذلك؛ دلالةً بينة على أن قانون الاستقرار والوقائع التكوينية قد حرك الأحداث السياسية في الاتحاد الأوروبي، وتدل على أنّها حركة تاريخ، حين يغيب التخطيط المسبق والتدبير والتواطؤ عند نشأة هذه الأحزاب واثناء عملها”.

وخلص الدكتور يوسف إلى أنّ “القانون السياسي الموضوعي الكلاسيكي قد بدأ فعلُه التاريخي لتغيير الساحة السياسية في الاتحاد الأوروبي، وسيدفع هذا القانون الوقائع السياسية الليبرالية المضادّة إلى الزوال خلال العقود القادمة وسيرفع الأحزاب السياسية الملتزمة بالوقائع التكوينية إلى الحكم ولا بدّ وفق القواعد الكلاسيكية”.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى