الشائع

خلافٌ بين ضفّتَيْ "الناتو" وأوروبا في المواجهة.. إرهاصات سيناريو الدكتور يوسف تتجلّى

بدأت إرهاصات السيناريو الذي رسمه رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، في التقرير الجيوسياسي السنوي لعام 2024 الصادر عن المركز حول التحدّيات التي تنتظر أوروبا عام 2025 تتجلّى ولا سيما في ما يتعلّق بالحرب المستمرّة بين روسيا وأوكرانيا واضطرار أوروبا إلى حمل عبء مساندة أوكرانيا بعد انتشار الخلاف بين ضفّتَيْ “حلف شمالي الأطلسي” (الناتو) أي بين الولايات المتّحدة وأوروبا.

وقال الدكتور يوسف في قراءته للوقائع المنتظرة في أوروبا في عام 2025 في التقرير الذي نشر يوم 21 فبراير 2025 إنّ “فوضى شديدة تعصف بالاتحاد الأوروبي بسائق من عدة عوامل”.

وأشار إلى أنّ أحد هذه العوامل “ضغوط الحرب الروسية – الأوكرانية التي تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إخمادها بما لا يرضي أوكرانيا والدول الأوروبية، بحيث ينتشر الخلاف بين ضفتَيْ الأطلسي حول شروط إيقاف الحرب، بحيث يعجز الطرفان عن الاتفاق على رأي واحد، بما يحبط سعي الإدارة الأمريكية”.

وأضاف: “فتُضطَر أوروبا إلى حمل عبء مساندة أوكرانيا في الحرب بالأموال وشراء السلاح والذخائر وإنتاجها لتعويض المخزونات وإمداد أوكرانيا”.

لا ضمانات أمريكية.. واستجابة أوروبية

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 26 فبراير 2025، أنّه على أوكرانيا أن “تنسى” تطلّعها للانضمام إلى “الناتو”، مشدّدًا على أنّ “الولايات المتحدة لن تقدم ضمانات أمنية لأوكرانيا في اتفاقها لإنهاء الحرب مع روسيا، لكن أوروبا هي التي يجب أن تقدم تلك الضمانات”[1].

في المقابل، تشير التصريحات الرسمية الأوروبية والتقارير الصحافية الصادرة في أوروبا إلى أنّ الدول الأوروبية ولا سيما ألمانيا وفرنسا تحاول الاستجابة للتحدّيات المنظرة في ظلّ تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا واحتمالية عدم إيفاء واشنطن بالتزاماتها مع حلف “الناتو”.

وفي هذا السياق، تعهّد زعيم المحافظين في ألمانيا والمستشار المقبل المحتمل للبلاد فريدريش ميرتس بإجراء محادثات مع فرنسا والمملكة المتحدة بشأن توسيع مظلتهما النووية لتشمل ألمانيا.

وقال ميرتس لمحطة “ZDF” الألمانية يوم الجمعة 21 فبراير 2025: “يجب أن نكون مستعدين لاحتمال ألا يلتزم دونالد ترامب مستقبلاً بتعهد الدفاع المتبادل في حلف الناتو دون شروط”[2].

وحثّ على أن تبذل أوروبا “كل جهد ممكن الآن لتكون قادرة على الدفاع عن القارة الأوروبية بمفردها”، مشددًا على أنّه على “ألمانيا بالتالي أن تجري محادثات مع القوتين النوويتين في أوروبا، فرنسا والمملكة المتحدة، بشأن توسيع مظلة الردع الخاصة بهما لتشمل ألمانيا”.

وأضاف: “أن نتحاور مع البريطانيين والفرنسيين حول إمكانية توسيع حمايتهم النووية لتشملنا هو مسألة طرحتها الحكومة الفرنسية مرارًا على الحكومة الألمانية”. مشيرًا إلى أن مثل هذه العروض “ظلّت دائمًا دون رد”.

وفي سياق متّصل، كشفت صحيفة “التلغراف” البريطانية، أنّ فرنسا أبدت استعدادها لاستخدام قوتها النووية للمساعدة في حماية أوروبا[3]، مشيرة إلى أنّه يمكن نشر طائرات مقاتلة فرنسية تحمل أسلحة نووية في ألمانيا، كجزء من خطط لتعزيز الأمن الأوروبي في ظل تصاعد تهديدات واشنطن بسحب قواتها من أوروبا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول فرنسي قوله إنّ “نشر عدد قليل من الطائرات المقاتلة النووية الفرنسية في ألمانيا لن يكون صعبا وسيرسل رسالة قوية”. وأضاف أن فرنسا تدرس خيارات لتعزيز الأمن الأوروبي في ظل “التهديدات المتزايدة” من روسيا وتراجع الالتزام الأمريكي تجاه حلف “الناتو”.

تطبيع استخدام السلاح النووي

وعلى الجانب الروسي، حذّرت موسكو من أنّ خطر وقوع صدام عسكري مباشر بين الدول النووية بات مرتفعًا للغاية.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، في مؤتمر نزع السلاح في إطار الجزء رفيع المستوى، يوم 26 فبراير 2024، إن خطر وقوع صدام عسكري مباشر بين الدول النووية مرتفع للغاية، مشيرًا إلى أن الوضع يتدهور بوتيرة مقلقة جدًّا.

وأضاف فيرشينين: “نقترب من الذكرى السنوية الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة في ظل أزمة خطيرة في مجال الأمن الدولي. الوضع يتدهور بوتيرة تثير الإحباط وخطر وقوع صدام عسكري مباشر بين القوى النووية مرتفع للغاية. وتزداد التوترات والصراعات في كل مكان تقريبًا”[4].

وتؤكّد هذه التصريحات والاستعدادات ما كان أشار إليه رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محممد وليد يوسف، عن عواقب تحديث العقيدة النووية الروسية، في مقال نشره يوم 20 نوفمبر 2024 تحت عنوان: “بوتين وكسر العتبة النووية“، حين تحدّث عن أنّ من أعظم عواقب العقيدة النووية الروسية المعدّلة خطرًا هو “تطبيع استخدام السلاح النووي في الحروب”.

وأضاف الدكتور يوسف: “فتلجأ كل دولة نووية إلى استعمال سلاحها النووي كلما دخلت حربًا، فيغدو ذلك عادة وأمرًا طبيعيًّا مما يكسر العتبة النووية أمام الدول التي تملك هذا السلاح، فتصبح الأسلحة النووية كالأسلحة التقليدية في الحروب”.

وتابع: “ومن عواقبها أيضًا حدوث سباق عارم بين البلدان التي لا تملك السلاح النووي لامتلاكه بكلِّ وجهٍ ووسيلة، فينتشر هذا السلاح انتشارًا واسعًا بخلاف مقصود وغاية “معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية” التي عقدت عام 1968 والبروتوكولات الملحقة بها فيما بعد، بحيث لا يبقى معنى لوجودها”.  


[1] alhurra.com, 26-02-2025, https://www.alhurra.com/arabic-and-international/2025/02/26/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D9%86%D8%B3%D9%89-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B6%D9%85%D8%A7%D9%85-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88.

[2] euractiv.com, 21-02-2025, https://www.euractiv.com/section/politics/news/merz-considers-extension-of-french-british-nuclear-umbrella-to-germany/.

[3] arabic.rt.com, 25-02-2025, ar.rt.com/zcv5.

[4] arabic.rt.com, 26-02-2025, ar.rt.com/zd9d.


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى