الشائع

الكونغو الديمقراطية.. بوابة السعودية نحو قطاع التعدين في أفريقيا  

في خطوة استراتيجية تهدف إلى تنويع اقتصادها، أعلن نائب مدير مجلس الوزراء في وزارة المناجم في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مارسيلين بالوكو، عن خطط بلاده لتوسيع شراكاتها الاستثمارية في قطاع التعدين مع مستثمرين جدد من المملكة العربية السعودية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار رغبة كينشاسا في تقليل الاعتماد الكبير على الشركات الصينية التي تهيمن على هذا القطاع الحيوي. وأوضح بالوكو في تصريحات صحافية أن الكونغو الديمقراطية تسعى إلى إيجاد توازن في علاقاتها الاقتصادية العالمية. وأكد أنّ السعودية تعتبر “أحد الخيارات الرئيسية” لتعزيز هذا التنوع، مشيراً إلى أن بلاده بحاجة إلى مزيد من الشراكات مع مستثمرين جدد للحد من المخاطر الاقتصادية الناجمة عن الاعتماد على المستثمرين الصينيين فقط.

وبرزت في السنوات الأخيرة، الشركات الصينية كأكبر مستثمر في قطاع التعدين في الكونغو الديمقراطية، خاصة في مجالات استخراج معادن مثل النحاس والكوبالت. وقد شهدت هذه الشركات – التي تدعمُ الدولةُ الصينية بعضًا منها – توسعاً كبيراً في استثماراتها التي أسهمت بشكل ملحوظ في نمو القطاع، إلا أن هذه السيطرة الصينية أصبحت تشكل تحدياً بالنسبة لجمهورية الكونغو. وأكد بالوكو أنّ الدور المهيمن للمستثمرين الصينيين في قطاع التعدين أصبح يشكل “خطراً” على اقتصاد البلاد، فهو يرى أن تنوع الشركاء في هذا القطاع سيكون أكثر استدامة ويعزز من استقلالية الاقتصاد الوطني.

ويعد قطاع التعدين أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الكونغولي، إذ تمتلك البلاد احتياطيات ضخمة من المعادن الثمينة، مثل النحاس والكوبالت، والتي تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي. لكن في ظل هيمنة الصين، يسعى المسؤولون الكونغوليون إلى تحسين الشفافية والحوكمة في هذا القطاع لجذب مستثمرين جدد وفتح آفاق جديدة للاقتصاد الوطني. وبالنظر إلى النمو الذي شهدته السعودية في السنوات الأخيرة في مجالات الاستثمار والتنمية الاقتصادية، فإنّ الرياض تمثل شريكاً محتملاً يمكن أن يسهم في نقل التكنولوجيا والخبرات إلى جمهورية الكونغو، ما يسهم في تطوير صناعة التعدين المحلية وتوفير فرص عمل جديدة.

أفق جديد للتعاون السعودي في أفريقيا

شهدت القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة، تزايدًا ملحوظًا في الاستثمارات الخليجية، ولا سيما من السعودية. وقد كان هذا التوسّع مدفوعًا برؤية الرياض المستقبلية التي تركز على التصنيع وتعزيز الأمن الغذائي الخليجي، خاصة في ظلّ تأثيرات الحرب في أوكرانيا على تدفق الحبوب الغذائية إلى العالم. وإلى جانب مشروعات الطاقة والبنية التحتية، تعدّ المعادن والطاقة المتجددة من أبرز القطاعات التي تركز عليها السعودية في استثماراتها بالقارة الأفريقية. فعلى الرغم من أن العديد من الدول الأفريقية كانت تعاني من صعوبات اقتصادية في الماضي، فإنها اليوم أصبحت أكثر جذبًا للاستثمارات بفضل التطوّر في تشريعاتها وأنظمتها الاقتصادية.

ووفقًا لتصريحات وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من المتوقع أن تصل استثمارات القطاع الخاص السعودي في أفريقيا إلى نحو 25 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة. وأوضح أن استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار ستتم خلال المرحلة الأولى في عدد من المشاريع البارزة بالقارة. كما أشار الجدعان إلى أنّ دور أفريقيا أصبح أساسيًا في مواجهة التحديات العالمية، مؤكدًا أنّ المملكة تسعى لتعزيز شراكتها مع الدول الأفريقية في مختلف المجالات، بما في ذلك توفير حلول للأزمات الاقتصادية مثل أزمة ديون الدول الأفريقية، لافتًا إلى أنّ المملكة ترى في أفريقيا مصدرًا رئيسيًا للطعام والغذاء لجميع أنحاء العالم إذا تمّ استغلال إمكاناتها بالشكل الأمثل.

منافع استراتيجية متبادلة

تخطّط السعودية لدخول مجالات متعددة في جمهورية الكونغو، بما في ذلك التعدين والزراعة والصناعة، فضلاً عن قطاع الطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، تمّ الإعلان عن استثمار سعودي في مشروع مشترك للتعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تمتلك البلاد 70% من احتياطيات الكوبالت العالمية، وهو معدن حيوي يستخدم في صناعة البطاريات الكهربائية. وفي وقت سابق من عام 2023، تمّ الإعلان عن أن مشروعًا سعوديًا يهدف إلى شراء حصص في أصول تعدين تقدر قيمتها بـ 15 مليار دولار في دول مثل الكونغو الديمقراطية، غينيا وناميبيا. في خطوة تهدف إلى دعم التحوّل العالمي نحو الطاقة النظيفة والمساهمة في تلبية احتياجات الأسواق من المعادن الحيوية.

إلى ذلك،يرى الخبراء أنّ استثمارات المملكة في الكونغو تأتي في إطار السعي السعودي لتعزيز نفوذ الرياض القارة، التي تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية. وتسعى السعودية من خلال هذه الاستثمارات إلى بناء سياسة خارجية قوية، بما يحقق مصالحها السياسية والدبلوماسية والأمنية.

وتعد هذه الاستثمارات بمثابة خطوة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين السعودية ودول أفريقيا، ما يساعد المملكة على تحقيق أهدافها في مجال الأمن الغذائي والتوسع في الصناعات المختلفة. كما تعكس هذه الخطوة تعاونًا وثيقًا بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في مجالات متعددة، خاصة في قطاع التعدين.

إضافة إلى ذلك، قامت المملكة السعودية بتوقيع اتفاقيات استراتيجية لإنشاء مشاريع ضخمة في مجالات البنية التحتية. ففي يونيو 2024، تم توقيع عقد لإنشاء أكبر مدينة لوجستية سعودية في جيبوتي، التي تعد بوابة مهمّة لأفريقيا. وستسهم هذه المدينة اللوجستية في تسهيل وصول المنتجات والصادرات السعودية إلى كافة دول القارة، ما يعزز من الفرص التجارية والاقتصادية بين السعودية وأفريقيا.

وتسعى السعودية من خلال استثماراتها المتزايدة في أفريقيا إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الدول الأفريقية في مختلف القطاعات. وبالتوازي مع هذه التحركات الاقتصادية، تعكس استثمارات المملكة طموحاتها في أن تصبح قوة اقتصادية عالمية تتجاوز حدود النفط، من خلال تنويع الاقتصاد والابتكار في مختلف المجالات.

وإذا استمرت الرياض على هذا النهج، فإنها ستسهم بشكل كبير في تحويل قارة أفريقيا إلى مركز اقتصادي وتجاري قوي، ما يعزز من مكانتها كداعم رئيسي للاقتصاد العالمي الجديد.

إلى أين يتجه اقتصاد جمهورية الكونغو؟

في المقابل، تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية تحديات اقتصادية معقّدة للغاية في عام 2025، وهي تجسد التوترات بين الموارد الطبيعية الوفيرة والسياسات الداخلية غير المستقرة. وبما أن الكونغو تمتلك احتياطات ضخمة من المعادن الهامة مثل الكوبالت والليثيوم والكولتان، فإنها ستبقى محط أنظار القوى الاقتصادية الكبرى والشركات العالمية، لكن النزاعات المستمرة في المناطق الشرقية من البلاد تُعرقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويعكس التراجع الملحوظ في معدل النمو الاقتصادي من 8.8% في 2022 إلى 7.5% في 2023 ثم 6% في 2024، تأثير التوترات السياسية والأمنية على القطاعات الحيوية مثل التعدين والصناعات الاستخراجية. كما أن ارتفاع نسبة التضخم من 9.3% إلى 19.9% في عام 2023، مع تراجع قيمة الفرنك الكونغولي، يُشكل ضغطًا إضافيًا على القوة الشرائية للمواطنين وعلى الاستقرار الاقتصادي الكلي.

من المتوقع أن تزداد هذه التحديات في السنوات المقبلة مع تقديرات الأمم المتحدة التي تشير إلى انخفاض إضافي في معدل النمو إلى 4.9% في 2025، ما يوضح أن الاستمرار في الصراعات السياسية والأمنية قد يؤثر سلبًا على قدرة البلاد على تحقيق إصلاحات اقتصادية فعّالة.

وفي هذا السياق، يكمن التحدي الأكبر في تعزيز الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي في ظل هذه الظروف. بناء مؤسسات قوية قادرة على الحفاظ على استقرار الدولة سيكون أمرًا بالغ الأهمية، خاصةً في مواجهة تهديدات النزاعات المستمرة والتهديدات المرتبطة بالموارد الطبيعية. ولكن، بالنظر إلى الوضع الراهن، سيكون هذا هدفًا صعبًا، ولكن ليس مستحيلاً، إذا تم تفعيل إصلاحات سياسية واقتصادية جذرية.

وفي الختام، يبدو أن الكونغو على أبواب مرحلة جديدة من التعاون الدولي، حيث تسعى إلى تقوية علاقاتها الاقتصادية مع شركاء متنوعين بما في ذلك السعودية، لتأمين مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وتنمية مستدامة.


ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى