المسكوت عنه في سورية: فتوى ابن تيمية بالتطهير الديني والطائفي تُنَفّذ بعد سبعة قرون

كان أبو حامد الغزالي (المتوفى عام 505 هـ) قد كتب الكثير من الكتب منها “المضنون به على غير أهله” و”المضنون به على أهله”، وورد في القرآن: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
ولعلَّ منهاجنا القائم على القواعد العلمية والنظر في الوقائع السياسية وكأنّها وقائع مادية فيزيائية يسوقنا إلى الحياد وقول الحقّ والإنصاف ورصد الأحداث من غير جنوح إلى فريق أسوة بالراصد الفيزيائي الذي ينظر في الوقائع الفيزيائية بحيادية خالصة.
ولن يحملنا أمرٌ على المداهنة أو التملق أو الإفك والإفتراء على أحد، وسنذكر في هذه المقالة حقائقَ مسكوتٌ عنها في سورية على أهلها وغير أهلها:
- جيش النظام السابق في سورية قد تفكّك وتمزق إلى فرَقٍ وشِيَعٍ وفصائل ومجموعات مسلحة يقودها ضباط سابقون أصبحوا أمراء حرب وقادة جماعات مسلحة، وعجزت الفصائل والمجموعات الإسلامية المعارضة عن الاندماج والوحدة في جيش واحد زعمت السلطة الجديدة في سورية تأسيسه، ومكثت تلك الجماعات على حالها يقودها أمراؤها السابقون وان لبسوا لباس جيش نظامي أو خلعت السلطة عليهم “رتبًا عسكرية” فتساوى الفريقان في صفة كونهم فصائل وجماعات تقاتل بعضها بعضًا من غير تفاضل بين الطرفين. فالصراع في سورية قائم بين مجموعات مسلحة وفصائل متنافرة متناحرة بين الفريقَيْن على سواء، وليس – كما يزعمون – بين جيش حالي وأتباع (فلول) نظام سابق، والعلّة في ذلك واحدة، حيث ينتسب أتباع النظام السابق إلى لون واحد بعينه (الطائفة العلوية) وينتسب عناصر (الجيش الجديد المزعوم) إلى لون واحد بعينه (الطائفة السنية)، حين أبى الكورد والدروز والمسيحيون الانتساب إلى هذا الجيش، فمكثت على ما كانت عليه أي بقيت فصائل وجماعات إسلامية كما كانت سابقًا، وما كان هذا شأنه فليس جيشًا.
2. وبناءً على ما تقدّم وتقرّر أعلاه، فإنّ الوقائع التي حدثت منذ 6 مارس 2025 حرب مذهبية طائفية خالصة اعتمادًا على هوية وأصول المتقاتلين، حيث يحارب مقاتلون سنّة مقاتلين علويين وينصر أهل السنّة مقاتليهم، حيث نادى المنادون في مساجد حلب وإدلب وحماة ودمشق وإعزاز ومارع وجسر الشغور وغيرها من المدن السنية أن “حيّ على الجهاد، ويا خيل الله اركبي، ويا ريح الجنة أقبلي، يا غارة الله…”، وتلك شعارات يغلب عليها روحُ السلفية الجهادية، بينما كان النداء في أحياء وأرياف وقرى اللاذقية وطرطوس وحمص “يا علي”، ولا يخفى على الراصد أنّه نداء يختص بالطائفة العلوية وتاريخها وميراثها الديني. وفي ذلك برهان على أنّ ما يجري في سورية منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 حرب طائفية سنية – علوية، وليس ملاحقة من السلطة الجديدة لأتباع النظام السابق، وسواء في ذلك بدأ أتباع النظام هذه الأحداث أم استدرجت السلطة الجديدة العلويين إليها.
3. كما قام النظام السابق بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بقصف الغوطة عام 2013 بغاز الأعصاب الكيماوي وقتل النساء والأطفال والرجال، وحاصر الأحياء والمدن مثل شرقي حلب والزبداني وريف دمشق وبعض أحياء وقرى حمص، واستعمل الطائرات الحربية من نوع سوخوي SU وميغ MIG وصواريخ سكود D وألقى براميل عمياء على الأحياء والقرى منذ عام 2013، فإنّ السلطة الجديدة تقوم بالأعمال ذاتها ما وجدت سلاحًا تستخدمه لفعل ذلك، وما وسعها أن تظفر بالذرائع والمبررات للقيام به، ولعلّ جرائم النظام السابق بيّنة أكثر بسائق ممّا كان يمتلكه من أسلحة متطورة، بينما عَزْمُ ونيّة وأفعال السلطة الجديدة والمجموعات الإسلامية المسلحة من الجلاء والظهور والبيان بأن تستخدم كلّ سلاح تحصل عليه ولا تمتنع عن السلاح الذي استخدمه نظام الأسد تعفُّفًا أو التزامًا بالمبادئ وإنّما لعجزها عن الحصول عليه، وعندما تبلغه تقوم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تمامًا حين وجدت إلى قتل العلويين عامة (شيوخًا وأطفالًا ونساءً ورجالًا) وسيلة وسبيلًا، وقد امتلأ الفضاء الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي بالصور ومقاطع الفيديو التي لا دحض لها وتبرهن على أنّ أفعال المجموعات الإسلامية السنية في سورية ونواياها وعزائمها على إبادة العلويين وحرق بيوتهم وسبي نسائهم وهتك أستارهم وحرمات منازلهم مساوية لأعمال الأجهزة الأمنية والفرقة الرابعة وشبيحة النظام السابق.
وتكشف بعض مقاطع الفيديو لما جرى في حي القصور في بانياس يوم الجمعة 7 مارس 2025 وفي قرية المختارية وفي جبلة وغيرها أنّه يربو صغير ما فعلته المجموعات المسلحة السنية من الفظائع والقبائح على عظيم جرائم نظام الأسد السابق، فما بالك بكبير جرائمها؟
4. إنّ منظر سوق الجماعات المسلحة السنية لشباب علويين أشباه عراة وهم يأمرونهم أن يقلدوا الكلاب في النباح في بانياس قبل قتلهم في 7 مارس 2025 أقبح من سوق تنظيم داعش للجنود العراقيين من قاعدة “سبايكر” قرب تكريت في يونيو 2014 ثم قتلهم، حيث امتنع داعش عن أمرهم بالنباح والسير على الأيدي والأرجل.
5. وكما كان لنظام الأسد أبواق إعلامية ومحطات تلفزيونية وشبكات وجيوش الكترونية، كانت تبرر له كل فعل قبيح وتزيّن له كل سوء وتحسن له كل فاسد شنيع، وتستر وتبرر وأحيانًا تسوغ له جرائمه، فإن للسلطة الحالية والمجموعات المسلحة المنقادة لها أبواقًا ومتملقين أكثر، والعجب أن أبواق نظام الأسد صاروا أبواقًا للسلطة الحالية وتقوم هذه الأبواق بالأفعال ذاتها التي دأبت عليها أسلافها مع نظام الأسد، كما أن بعض الفضائيات والشبكات الاعلامية التي كان الراصد السياسي يحتسب فيها بعض الموضوعية والأمانة والدقة والحيادية قد آلت على نفسها إنفاق بضاعة السلطة الجديدة في سورية وترويجها وتسويقها والتدليس على الناس وتحريف الوقائع وتحويلها عن مواضعها، والجنوح إلى طرف وفريق بعينه، فخلعت صبغة الاحتراف والعمل المهني وتركت الحياد والموضوعية في نقل الوقائع والأخبار، فجعلت المدنيين العلويين النساء والأطفال وكبار السن والأبرياء جميعًا “فلولا” لنظام الأسد، وذلك لتبرئة المجموعات المسلحة السنية في سورية من جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، وذلك أسوة بالقنوات التلفزيونية التي نصرت نظام الأسد منذ بداية الأزمة في سورية وسترت وبررت جرائمه وقبائحه حينها. فلا فرق بين قنوات وشبكات وأبواق الفريقين، فكلاهما قد خاض في التدليس والنفاق وتبرير القبائح وتسويغ القتل. علمًا أن القتل قبيح وجريمة سواء كان القتيل سنيًا أم علويًا أم مسيحيًا أم كورديًا أم درزيًا أم غيرهم، ولا سبيل إلى تزيينه.
6. لا يخلو ما وقع من النفير العام في سورية وزحف الآلاف من مقاتلي الفصائل والجماعات المسلحة السنية من حلب وأريافها وإدلب وأريافها وحماة ودمشق وحتى دير الزور إلى مناطق الطائفة العلوية والقتل الجماعي من عدة أمور منها:
– انه قد وقع بموافقة من السلطة الجديدة في سورية وعلمها وأمرها، وتلك مصيبةٌ، ويكشف زيف ما زعمت منذ شهور من شعارات حماية المكونات السورية قاطبة، وبناء دولة جديدة، واقامة حكم القانون، وحماية الحريات والحقوق الأساسية، وما أطلقته وأغدقته من وعود وعهود للمسؤولين العرب والأجانب الذين زاروا دمشق في هذه المدة، أو ما نثروه من آمال في البلدان التي زاروها فيها، ويكشف لهذه البلدان تقية سياسية عميقة تقوم في إضمار وإخفاء نواياهم بخلاف ما يعلنون ويظهرون.
– أو أنه قد وقع من غير علم السلطة الجديدة، وتلك مصيبة أعظم، ولا يخلو هذا الاحتمال من أحد أمرين: فإما أن السلطة الجديدة لم تأمر بذلك ولا علمت به ولا رضيت حين سمعت وعلمت، وحينها تكون هذه السلطة ضعيفة عاجزة، ولا تستحق أن تحكم سورية، غير أنه يسقط عنها الجرم واللوم. أو أنها لم تأمر ولم تعلم بذلك، الا أنها رضيت بما فعلته هذه الجماعات والزحوف من جرائم وقبائح، فتكون شريكة في اعمالها، حيث يعتبر الرضى والقبول أمرًا جوهريًا في مثل هذه الأمور، وعليه مدار الحكم على الجرائم والجنايات في الشريعة الإسلامية التي تتحاكم هذه السلطة والفصائل اليها.
7. الحل الجيوسياسي الأفضل الذي يحقن أنهارًا من الدماء التي ستراق بعد بدء الحرب الطائفية هو تقسيم سورية جيوسياسيًا وهو بخلاف أملي ورغبتي التي تجنح إلى سورية موحدة في ظل دولة علمانية قائمة على المواطنة ودولة القانون وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين قاطبة، غير أن الأمل شيء وحركة القوانين السياسية والتاريخية شيء آخر، حيث تذهب المنطقة إلى إعادة هندسة جيوسياسية كاملة تظهر فيها دول جديدة وتتمزق دول قائمة، ويقترن ذلك بحروب دينية وطائفية وقومية تطحن ملايين الأرواح وتجري منها سيول من الدماء. وعليه، فإن عقد مؤتمر سيفر جديد يمنح كل قومية وطائفة في سورية ومنطقة الشرق الأوسط قاطبة حق تقرير المصير عبر التفاوض السلمي خير من إعادة هندسة جيوسياسية عبر الحروب والمعارك وتجريد الحملات العسكرية وتدمير المدن والقرى وتهجير الناس وإزهاق الأرواح.
8. ولسابق علمنا أن القوى السياسية في المنطقة ستأبى الحل أعلاه، فإن سورية تجنح إلى اضطرابات كبرى وفوضى شديدة وحروب طائفية على الكورد والدروز بالإضافة إلى المسيحيين بسائق من حقيقة ساطعة يتفادى الجميع ذكرها، ونتجرأ على ذكرها لما يوجبه عليَّ الحق ومعرفتي بالمنظومة السياسية لهذه الجماعات الإسلامية التي تصدر عن الأحكام السلطانية والولايات الدينية التي توجب قتال كل مخالف ومعاند للشريعة الإسلامية من الفرق الضالة وأهل الأهواء، وفرض الجزية على أتباع الأديان الأخرى، ويعلم القاصي والداني والحاضر والبادي أن “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام) تريد إقامة دولة الإسلام في سورية بكل أحكامها السلطانية وولاياتها الدينية، ولذلك فإن سورية سائرة إلى حروب قومية ودينية وطائفية تنتهي بالتقسيم بعد حين.
9. ستحارب تركيا كل من يريد تغيير الواقع الحالي في سورية، وتنابذه بالخلاف والتنافر، وستختلف مع البلدان العربية لاختلاف المصالح بينهم في سورية، وقد تضطر البلدان الإقليمية إلى إرسال قوات ردع إلى سورية لفك الاشتباك بين الأطراف المتصارعة فيها، أسوة بقوات الردع العربية التي أرسلت إلى لبنان عام 1975، وذلك قبل أن يتم تدويل الأزمة في سورية، وحينها تتداخل وتتفارق وتتلاقى مصالح الدول فيها، وتتنازع حينها الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوربا وإيران وتركيا ومصر والسعودية والعراق والإمارات والأردن، وتنعقد جلسات لمجلس الأمن الدولي ومؤتمرات إقليمية ودولية تتنافر فيها المصالح وتنابذ القوى السياسية بعضها الخلاف.
10. وستكون الحرب الطائفية في سورية عاملًا إضافيًا إلى جانب هجوم إسرائيل على إيران بمساندة أمريكية لبدء الحرب الطائفية الشاملة الكبرى في الشرق الأوسط بين السنة والشيعة، لتفضي إلى إعادة هندسة شاملة للشرق الأوسط، حيث تتمزق البلدان القائمة وتتبدل الحدود الدولية فيها، وتظهر بلدان ودول جديدة.
11. وبهذا تعود المنطقة إلى ما كانت عليه منذ 1400 سنة، وما كانت عليه في عهود الصراع ما بين الأمويين والعباسيين وما كان بين البويهيين والحمدانيين والقرامطة والفاطميين والسلاجقة والأيوبيين والمماليك وإنتهاء بما كان بين العثمانيين والصفويين. حيث كان الأصل والقاعدة الصراع والحروب الدائمة الا ما شهدته هذه المنطقة من استقرار بعد ظهور الدولة الوطنية بعد معاهدة سايكس – بيكو – سازونوف، ومجيء الانتداب الأجنبي بعد معاهدة الصلح في فرساي وإقرار الانتداب في عصبة الأمم ومعاهدة لوزان عام 1923، فظهرت الدول الوطنية وساد الهدوء والاستقرار والازدهار حينًا من الزمن، حتى رحل الانتداب عن المنطقة، وبدأت الانقلابات العسكرية وسيطرت الأحزاب القومية، وانتهت بظهور الحركات الاسلامية السنية والشيعية، لتدور دورة التاريخ تارة أخرى وتنقلب الأمور على أعقابها، وتعود حالة الصراع وتكون الحروب هي السائدة كما كانت طيلة التاريخ الإسلامي.
12. ولعل المرجعية السلفية التي يصدر عنها “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام) وأخواتها من الفصائل والجماعات الإسلامية السنية التي ما فتأت تحتج بأقوال وفتاوى تَقِي الدِّينِ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ ابن تيمية (المتوفى سنة 728 هـ) التي تذهب إلى تكفير الروافض (الشيعة) والنصيرية (العلوية) والدروز وغيرهم، توجب عليهم قتال مكونات الشعب السوري قاطبة باستثناء المكون السني، وكأن الزحف الذي قامت به الفصائل على جبال العلويين منذ 6 مارس 2025 تنفيذ لما شاع وفاض في كتب ابن تيمية عن عزمه وفتواه في كتابه “مجموع الفتاوى” بضرورة تفريق نصيرية جبال الشام في بلاد المسلمين، ليكون أول من وضع الأساس النظري للتطهير الديني والطائفي الذي عجز عن تنفيذه يومئذ رغم قيادته لحملة عليهم بنفسه على رأس جيش جمعه له السلطان المملوكي الأفرم، إلا أن خلافه على المماليك الآخرين في مصر صرفهم عن تنفيذ فتواه، لتأتي اليوم الجماعات والفصائل المسلحة السنية بعد اكثر من سبعة قرون لتنفيذ فتواه.
لا يلزم عما ذكرنا أعلاه دعوة إلى فتنة دينية أو قومية أو طائفية أو غير ذلك من الفتن، لكننا نرصد الوقائع السياسية بتجرد وموضوعية كحال الراصد الفيزيائي للأحداث الطبيعية وفق منهجنا في التحليل السياسي، بل ندعو إلى اقامة الدولة الوطنية القائمة على المواطنة والعلمانية.
