صراع الهويات المتناحرة في الشرق الأوسط والحلول الممكنة

يُعَدّ الشرق الأوسط من أكثر المناطق تعقيدًا من الناحية الجيوسياسية، إذ تتداخل فيه الإثنيات والعرقيات والقوميات، ما يجعل الصراعات الداخلية والتوترات بين مكوناته أمرًا شائعًا، وقد رأينا ذلك عبر تاريخ المنطقة، وقد لعبت عوامل عدة دورًا في إذكاء هذه الصراعات، منها تقسيم المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وتضارب المصالح الدولية في حينها، وغياب أنظمة سياسية قادرة على استيعاب هذا التنوع وضمان التعايش السلمي بين مختلف المكونات.
أحد الحلول التي يمكن أن توفر استقرارًا طويل الأمد لهذه المنطقة هو النظام الفيدرالي، الذي يسمح لكل مكوّن بالاحتفاظ بخصوصيته الثقافية والسياسية ضمن كيان سياسي موحد. ومن المفارقات أن الفيدرالية ليست غريبة عن تاريخ المنطقة، حيث طبقت الإمبراطوريات الإسلامية، عبر عصورها المتعددة من الخلافة الراشدة وصولًا إلى السلطنة العثمانية، أنظمة حكم ذات طابع فيدرالي عبر نظام الولايات، ما أتاح لكل جماعة إثنية أو دينية إدارة شؤونها وفق قوانينها الخاصة، مع بقائها جزءًا من كيان سياسي أوسع.
الصراعات الإثنية والعرقية والقومية في الشرق الأوسط
تشهد المنطقة نزاعات متجذرة تستند إلى الاختلافات الإثنية والدينية والقومية، ومن أبرز هذه النزاعات:
- الصراع الطائفي: الذي يظهر بشكل خاص في الانقسامات السنية-الشيعية، والتي تحوّلت في بعض الحالات إلى صراعات سياسية وعسكرية، كما هو الحال في العراق ولبنان واليمن.
- التوترات القومية: حيث تتنافس القوميات المختلفة، مثل الفرس والعرب والأتراك، على النفوذ الإقليمي، ما يخلق حالة من الصراع المستمر. فيما تسعى الجماعات الكردية في كل من العراق وسوريا وتركيا وإيران إلى تحقيق قدر من الاستقلالية أو الحكم الذاتي، وتحصيل حقوقهم المشروعة، وهو ما يقابل بردود فعل عنيفة من الحكومات المركزية.
- الاضطهاد الإثني: مثل ما يحدث للأقليات كالأيزيديين والأرمن وغيرهم، حيث يجدون أنفسهم عرضة للتهميش والاضطهاد في دول متعددة.
هذه النزاعات المتشابكة ليست فقط نتيجة للخلافات الداخلية، بل هي أيضًا نتاج لترتيبات عالم ما بعد الحرب الكونية الأولى التي فرضت حدودًا مصطنعة على شعوب المنطقة.
حدود سايكس – بيكو – سازانوف وغياب الشرعية التاريخية
بعد انهيار الدولة العثمانية، قامت القوى العظمى، لا سيما بريطانيا وفرنسا بالإضافة إلى روسيا القيصرية، بترسيم حدود المنطقة وفق اتفاقية سايكس-بيكو- سازانوف عام 1916. لم تراعِ هذه الحدود الواقع الاجتماعي والتاريخي، بل رُسمت بناءً على مصالح القوى العظمى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ففصلت جماعات متجانسة، ودمجت جماعات متصارعة في كيانات سياسية واحدة، ما أسس لصراعات دائمة.
إن الدفاع عن هذه الحدود اليوم هو دفاع عن واقع مفروض بالقوة، ولا يعكس هوية شعوب المنطقة ولا تطلعاتها. وعلى العكس، فإن الاعتراف بعدم جدوى هذه التقسيمات يمكن أن يكون الخطوة الأولى نحو نموذج حكم أكثر عدالة وواقعية، وهو النموذج الفيدرالي.
الفيدرالية: الحل الأمثل لمستقبل آمن ومزدهر
توفر الفيدرالية نموذج حكم قادر على التوفيق بين التعددية السياسية والإثنية والدينية، وهي ليست دعوة للتقسيم، بل وسيلة لإدارة التنوع بطريقة عادلة. يمكن أن تحقق الفيدرالية الأهداف التالية:
- تمكين المجتمعات المحلية: إذ تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية، ما يحدّ من الشعور بالتهميش.
- الحدّ من النزاعات: حيث يمكن لكل مجموعة أن تعيش وفق قوانينها وثقافتها من دون الحاجة إلى صراع مستمر على السلطة المركزية.
- تعزيز الاستقرار السياسي: من خلال تقليل الهيمنة القومية أو الطائفية على الحكم، ما يسهم في توزيع السلطة بشكل أكثر توازنًا.
- تحفيز التنمية الاقتصادية: إذ تمنح الفيدرالية المناطق المختلفة فرصة للاستثمار في مواردها المحلية، من دون تحكم مركزي يقيد إمكانياتها.
- ضمان مختلف أنواع الحقوق: إذ تستطيع كل فئة ممارسة عاداتها وتقاليدها، والتحدث بلغتها الأم وتعليمها للأجيال القادمة، وتدريس تواريخها الخاصة وقيمها الاجتماعية.
إن النموذج الإسلامي التاريخي لنظام الولايات كان أقرب ما يكون إلى الفيدرالية الحديثة، كما يصف الدكتور محمد وليد يوسف في دراسته “الفيدرالية… جوهر نظام الحكم في الإسلام” وبأنها – أي الفيدرالية – “معلوم من الدين والتاريخ الإسلامي بالضرورة والاضطرار“، فقد سمح لكل مجموعة بإدارة شؤونها وفق قوانينها الخاصة، مع بقائها ضمن كيان سياسي جامع. واستلهام هذا النموذج قد يكون مفتاحًا لتحقيق شرق أوسط أكثر استقرارًا وعدالة.
نستطيع القول إن الدفاع عن الحدود التي فرضتها المرحلة التاريخية السابقة في القرن العشرين لا يخدم شعوب المنطقة، بل يكرس حالة من الصراع الدائم.
ويكمن الحلّ في تبني نموذج سياسي قادر على استيعاب التنوع الإثني والقومي والطائفي، وهو ما تقدمه الفيدرالية. وكما أثبتت تجارب ناجحة حول العالم، مثل النموذج الأمريكي أو الألماني، فإن الفيدرالية قادرة على تحويل مناطق النزاع إلى ساحات تعايش وتعاون، وهو ما تحتاجه منطقة الشرق الأوسط بشدة للوصول إلى مستقبل آمن ومزدهر.
إن طرح الفيدرالية كحل للصراعات الإثنية والعرقية والقومية في الشرق الأوسط هو مقترح عقلاني وعملي، خاصة إذا نظرنا إلى نجاح هذا النموذج في دول متعددة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وكندا.
نقاط القوة في هذا الطرح:
- واقعية تاريخية: الاستشهاد بنظام الولايات في الدولة الإسلامية يُعطي النموذج الفيدرالي شرعية تاريخية تتناسب مع هوية شعوب المنطقة، ما يسهل تقبله.
- معالجة المشكلات الجذرية: الفيدرالية تعالج مشكلة التهميش السياسي والاقتصادي التي تعاني منها العديد من الأقليات، مما يقلل من دوافع الصراع.
- تفكيك الحدود: التشكيك في شرعية حدود سايكس-بيكو مهم، لأنه يُسلط الضوء على مصدر كثير من أزمات المنطقة، ويدعو إلى إعادة التفكير في كيفية تنظيمها سياسيًا.
أما أبرز التحديات التي تواجه هذا الحل، وتجعل القبول به صعبًا، فهي التالية:
- رفض النخب الحاكمة: غالبية الأنظمة في الشرق الأوسط تعتمد على المركزية الشديدة، ولن تتنازل بسهولة عن السلطة للأقاليم.
- الخوف من التقسيم: بعض الأطراف قد ترى الفيدرالية مقدمة لتقسيم المنطقة، خاصة في ظل تجارب مثل جنوب السودان أو تفكك يوغوسلافيا.
كيف يمكن إنجاح الفيدرالية؟
- تقديم نموذج تدريجي للفيدرالية يبدأ بمنح بعض الأقاليم حكمًا ذاتيًا.
- دعم إصلاحات دستورية تعزز مبدأ التعددية واللامركزية.
- بناء توافق داخلي بين المكونات المختلفة على أساس المواطنة المتساوية، بما يحفظ حدود الدولة الوطنية، ولا يؤدي إلى قمع أو تهميش أي من المكونات العرقية والإثنية والطائفية لهذا البلد.
بشكل عام، الفيدرالية قد تكون أحد أفضل الحلول طويلة الأمد لاستقرار الشرق الأوسط، لكنها تحتاج إلى رؤية واضحة، وإرادة سياسية، ومراحل تنفيذ مدروسة لتجنب الانزلاق نحو الفوضى.
