الشائع

الذكاء الاصطناعي يُحيي الحاجة إلى الفحم: البيئة هي الضحيّة

بقلم الباحث الاقتصادي والسياسي الدكتور أيمن عمر

في الوقت الذي يشهد فيه العالم تطورًا هائلًا في مجال الذكاء الاصطناعي (AI)، تظهر تساؤلات مهمة حول علاقة الفحم بالذكاء الاصطناعي، والتأثير البيئي لهذا التقدم التكنولوجي وهي إحدى أهم الإشكاليات المعاصرة. تعتمد بنية الذكاء الاصطناعي الحديثة على مراكز البيانات الضخمة التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء لتشغيل الخوادم وأجهزة الحوسبة عالية الأداء، وتبريد مستمر للخوادم التي تنتج حرارة عالية. وتحتاج معالجة البيانات التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من مراكز لتلك البيانات التي تحتاج بدورها إلى مزيد من الكهرباء لتشغيلها، بحيث تتطلب قدرًا كبيرًا من الطاقة وبنية تحتية جديدة للطاقة. وفي العديد من الدول، لا تزال محطات الطاقة التي تعمل بالفحم مصدرًا رئيسيًا لتوليد الكهرباء، منها الصين حيث يتم توليد أكثر من 60% من الكهرباء فيها باستخدام الفحم. وبالتالي، فإن الفحم يلعب دورًا غير مباشر في توفير الطاقة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المعقدة مثلChatGPT  أو DeepMind، والتي تتطلب آلاف الشرائح الإلكترونية  GPUsوTPUs، وتستهلك ملايين الواط من الكهرباء يوميًا. إلى جانب توليد الطاقة، يُستخدم الفحم في صناعة بعض المكونات الإلكترونية والأجهزة التي تدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، منها أشباه الموصلات والتي تصنّع من مواد كيميائية مستخلصة من الفحم، والكربون الذي يُستخدم في صناعة بطاريات الليثيوم أيون التي تعمل على تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي في الأجهزة المحمولة.

استهلاك الفحم

تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن مراكز تحليل البيانات والتي تضم خوادم ترسل وتخزن كميات هائلة من البيانات، تستهلك ما بين 2% إلى 3% من طاقة العالم، وهو رقم من المتوقع أن ينمو بالتزامن مع التبنّي الجماعي للذكاء الاصطناعي. بحيث تشير التقديرات إلى أن هذه المراكز قد تمثل ما يصل إلى 9% من الطلب على الطاقة في الولايات المتحدة بحلول عام 2030. وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن الفحم يشكل اليوم نحو 15% من توليد الكهرباء في الولايات المتحدة، بعدما تجاوز 50% في عام 2000. وإن الجزء الأكبر من الكهرباء اللازمة لبناء مراكز البيانات الخاصة لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل وميتا وأمازون، والتي تسعى جاهدة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا، يتم توليده حتى الآن باستخدام الوقود الأحفوري، مع أنها تعهدت في السابق باستخدام مصادر الطاقة المتجددة منخفضة الكربون.

ترامب والفحم

خلال حملته الانتخابية تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإحياء صناعة الفحم وإعادة فتح محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم والتي تم إغلاقها، ومنع إغلاق محطات أخرى. وهو يسعى إلى توسيع نطاق تعدين الفحم واستخدامه في الولايات المتحدة، بهدف تلبية الارتفاع المتزايد في الطلب على الطاقة من قبل مراكز البيانات التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، وفي الوقت نفسه يعمل على إعادة إحياء صناعة الوقود الأحفوري الأميركية التي تشهد تراجعاً ملحوظاً. وفي هذا الإطار وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًّا بإنشاء “المجلس الوطني للهيمنة في مجال الطاقة” مهمته تطوير إنتاج الكهرباء من أجل التفوق على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. ووقّع على أمر تنفيذي لإحياء استخدام الفحم، وذلك جزئيًا لتلبية الطلب على الطاقة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، ويطالب القرار بتصنيف الفحم باعتباره “معادن أساسية”، ويوجه الوكالات الفيدرالية لتحديد موارد الفحم، هذا الأمر التنفيذي يدفع نحو استخدام الفحم لتشغيل بيانات الذكاء الاصطناعي الجديدة. وقد تم تصنيف الفحم بحسب المسؤولين الأمريكيين كـ”معدن حرج” ما يجعله على قدم المساواة مع المعادن المستخدمة في أنظمة الدفاع والبطاريات، وأن تعزيز الطاقة الناتجة عن الفحم يُعد أولوية قصوى، كما يُعتبر مرتبطاً بالأمن القومي ومكانة الولايات المتحدة في المنافسة العالمية للهيمنة على قطاع الذكاء الاصطناعي. وقد يدخل ذلك في آليات الصراع مع الصين.

التأثير البيئي

ويعدّ الفحم من أكثر مصادر الطاقة تلويثًا، إذ يُنتج كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، ما يساهم في تغير المناخ والاحتباس الحراري.

ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، يزداد القلق بشأن الانبعاثات الكربونية لتلك التقنيات. إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء للتبريد وتشغيل الخوادم، وإذا لم تكن هذه المراكز تعتمد على مصادر طاقة متجددة، فإنها تسهم بشكل كبير في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. في دراسة أجرتها جامعتا “تشجيانغ” و”نانكاي” الصينيتان أظهرت أن تحليل التأثير البيئي لـ79 نظاما رئيسيا للذكاء الاصطناعي تم تطويرها بين عامي 2020 و2024، وكشفت عن اتجاهات مثيرة للقلق في استهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون. وأظهر التحليل أن المتطلبات التشغيلية تتجاوز بكثير انبعاثات التدريب، حيث تمثّل بعض الأنظمة مثل “جيميني ألترا” (Gemini Ultra) من “غوغل” أكثر من ثلث الانبعاثات بين أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي. وأشارت الدراسة إلى أن البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي نمت بشكل كبير لدرجة أنها تنافس الانبعاثات السنوية لدول بأكملها، كما أن المطالب التشغيلية في الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير انبعاثات التدريب. فعلى سبيل المثال، يتطلب تدريب نموذج “جي بي تي-3” طاقة تقدر بحوالي 1287 ميغاواطا في الساعة، وهو ما يعادل استهلاك الطاقة لـ120 منزلًا في الولايات المتحدة لمدة عام. ويعتمد تصنيع الأجهزة التي تدعم الذكاء الاصطناعي، مثل وحدات معالجة الرسومات “جي بي يو” وشرائح الذكاء الاصطناعي، على معادن نادرة مثل الليثيوم والكوبالت. ويؤدي استخراج تلك المعادن المهمة في صناعة الذكاء الاصطناعي إلى تدمير البيئة، بما في ذلك إزالة الغابات لاستخراجها وتلويث التربة والمياه، كما أن عمليات التعدين واستخراج تلك الموارد تتطلب بدورها طاقة كبيرة، ما يزيد من البصمة الكربونية.

وتستخدم مراكز البيانات أيضًا كميات كبيرة من الماء لأغراض التبريد، حيث يتم تبريد الخوادم لمنع ارتفاع درجة حرارتها، وتشير الدراسات إلى أن بعض مراكز البيانات الكبيرة يمكن أن تستهلك ملايين الليترات من الماء سنويا. ويؤثر بناء مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي التي قد تتطلب مساحات كبيرة من الأراضي، على النظم البيئية الطبيعية والتنوع البيولوجي. وبشكل عام، قد تؤدي زيادة الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى نمط حياة أكثر استهلاكا للطاقة، ما يزيد من الضغط على الموارد الطبيعية.

ومع التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، من المتوقع أن ينخفض الاعتماد على الفحم في تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي. لكن في الوقت الحالي، لا يزال الفحم جزءًا من منظومة الطاقة التي تدعم التطور التكنولوجي، لذلك فإن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي وحماية البيئة، عبر التحول إلى مصادر طاقة أكثر استدامة. وقد بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى مثلGoogle  وMicrosoft بالاستثمار في حلول طاقة متجددة (مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) لتشغيل مراكز بياناتها، ما يقلل الاعتماد على الفحم.


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى