غزو الصين لتايوان على الأبواب واليابان تدقّ ناقوس الخطر.. فهل فات الأوان؟

غزو الصين لتايوان على الأبواب واليابان تدقّ ناقوس الخطر.. فهل فات الأوان؟

تزايدت أنشطة الصين العسكرية حول جزيرة تايوان – التي تتمتّع بحكم ذاتي وتعتبرها الصين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها ولا تستبعد اللجوء إلى القوة لاستعادتها وضمّها إلى برّها الرئيسي – في الأشهر الأولى من العام الحالي 2025، حيث ارتفعت وتيرة التدريبات والدوريات المشتركة بين القوات البرية والبحرية والجوية الصينية حول الجزيرة، وتزايدت أعداد قواتها في محيطها بشكل هو الأكبر على الإطلاق، واقتربت سفنها الحربية من السواحل التايوانية إلى مسافة لا تتجاوز عشرات الكيلومترات.

وقد أكدت تقارير المخابرات الأمريكية أنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ أعطى تعليمات لجيشه بالاستعداد لغزو تايوان بحلول عام 2027[1]. كما وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، في تقرير لها، أنَّ القوات المسلحة الصينية أصبحت أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لمحاصرة تايوان وعزلها عن العالم الخارجي.. وأنها تمتلك خيارات عدّة لتنفيذ الحصار، حيث أجرت مناورات حربية افتراضية حديثة شملت أكثر من 12 سيناريو للحصار أو إجراءات مماثلة[2]، ما يشير إلى أنّ بكين لم تَعُد تتدرب أو تمرّر رسائل ضغط عابرة بل تحضرت واستعدت لتجريد حملة عسكرية لضمّ تايوان إلى برّها الرئيسي.

ولعل الحكومة والمؤسسة العسكرية في اليابان تدركان الخطر المحدق بالبلاد وتعلمان أنّ اليابان هي مظنة حدوث صراع مع الصين بعد أن تكمل مشروعها التوسعي الجيوسياسي بعد السيطرة على تايوان نحو جزرها القريبة منها في بحر الصين الجنوبي “سينكاكو/دياويو”. وقد حملها ذلك على الاستعداد لصراع محتمل مع الصين باعتباره ضرورة أساسية ليس فقط للدفاع عن تايوان، بل لحماية الأمن القومي الياباني والحفاظ على مصالح اليابان الاستراتيجية في المنطقة.

ولكن هل استعدت اليابان فعلًا لمواجهة الصين إن أقدمت على غزو تايوان وحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة؟

خطط اليابان المؤجّلة

على الرغم من أن ملامح خطط اليابان أصبحت أكثر بروزًا في الأسابيع الأخيرة، مع قيامها بإطلاق أول عملية لإجلاء أكثر من 100 ألف مدني من بعض جزرها النائية القريبة من تايوان في حال نشوب صراع في المنطقة[3]، وبتطوير القيادة العسكرية الأمريكية في اليابان إلى قيادة “قتال حرب”[4]، وغير ذلك.

إلا أن معظم خطتها العسكرية التي اعتمدتها مؤجلة للعام 2026 وما بعده، حيث تعتزم مثلًا نشر صواريخ بعيدة المدى في جزيرة كيوشو جنوب غربي البلاد بالقرب من بحر الصين الشرقي اعتبارًا من مارس 2026 تقريبًا، تعزيزًا لأمن جزر نانسي/ريوكيو التي تبعد عن تايوان حوالي 110 كيلومترات فقط، ما يضع كوريا الشمالية والمدن الساحلية الصينية في مرمى نيرانها[5].

كما أنَّ عزمها على مضاعفة إنفاقها الدفاعي بحلول العام 2027 ليصبح 2% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يجعلها ثالث أكبر دولة لناحية الإنفاق العسكري في العالم بعد الولايات المتحدة والصين[6]، غير كافٍ إذ أنّ نسبة الـ 2% ليست كبيرة مقارنة بالاحتياجات الحقيقية لليابان للدفاع عن أراضيها[7].

وبالرغم من سعيها إلى زيادة الإنفاق على قوات الدفاع الذاتي اليابانية منذ العام 2024 وفقًا لخطة تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية في القواعد العسكرية كجزء من حملة تجنيد في الجيش الياباني الذي يواجه النقص في صفوف أفراده[8]، إلا أنَّ هذه القوات لا تزال تعاني من نقاط ضعف متأصلة مثل نقص الأفراد ومخزونات الذخيرة[9].

كما أنَّ دخولها في شراكات دفاعية وأمنية مع عدد من دول المنطقة لا سيما الهند وأستراليا وكوريا الجنوبية والفلبين وسنغافورة وتايوان والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، لن يجدي نفعًا ولن يردع هجوم الصين عن أراضيها.

الاعتماد الياباني على الولايات المتحدة الأمريكية

ولعلّ هذا التراخي يعود لاعتمادها على الولايات المتحدة الأمريكية التي تربطها بها معاهدة دفاع عن أراضيها لتدفع عنها غائلة بكين – على الرغم من تفوقها على واشنطن في بعض المجالات العسكرية الحاسمة – والمخاطر المحتملة على أراضيها في صراع تايوان.

حيث ازداد في الآونة الأخيرة عمق التعاون العسكري الياباني – الأمريكي، مع تكثيف قوات البلدين التدريبات المشتركة، واعتمادهما خططًا عسكرية مشتركة، ولكن حتى هذه الخطط بمعظمها هي خطط طويلة الأمد ومؤجلة وقد يسبقها الغزو الصيني لتايوان، حيث تعتزم واشنطن وطوكيو تطوير أسلحة اعتراض لمجابهة الصواريخ الفرط صوتية بحلول ثلاثينيات القرن الحالي[10]، كما أنّ الجيش الأمريكي يعتزم نشر طائرات استطلاع من دون طيار للمراقبة بعيدة المدى في منطقة أوكيناوا اليابانية القريبة من تايوان[11]، كما أنّ طوكيو تتحرك للحصول على صواريخ “توما هوك” الأميركية العابرة للقارات وغيرها من القدرات العسكرية لاستخدامها في أي هجوم مضاد[12].

كما أن تنفيذ هذه الخطط مرتبط بتغيير الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فما اتُفق عليه في عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد لا يمكن تطبيقه في عهد إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب اليوم.

كما كانت اليابان أغنى من أن تستنجد بالولايات المتحدة الأمريكية وبقدراتها العسكرية، أن تخصص ما خصصته في 7 شباط 2025 لتعزيز الاستثمارات اليابانية في الولايات المتحدة (تريليون دولار أمريكي)[13] – وهو المبلغ ذاته الذي خصصه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2025 لتعزيز ميزانية الدفاع الأمريكي[14] – لتعزيز دفاعاتها وقدراتها العسكرية، واستكمال ما تبقى لها من شروط قيام الأقطاب في النظام الدولي لتصبح قطبًا دوليًا في الدورة التاريخية الجديدة للنظام الدولي، عوضًا عن الاحتماء والاعتماد على الولايات المتحدة التي قد تضطر للتخلي عنها للحفاظ على قطبيتها في عهد الصراع القادم.

ولعلّ هذا الاعتماد على واشنطن قد أذهل طوكيو عن حساب العواقب والنتائج في حال تخلي الولايات المتحدة عنها، لبعدها الجغرافي عنها وقربها من الصين، وقد صرّح ترامب الذي يؤمن بمبدأ “أمريكا أولًا” بما يشابه ذلك عند سؤاله عن دفاع بلاده عن تايوان، عندما قال: “إنَّ الولايات المتحدة ستواجه صعوبة في الدفاع عن الجزيرة بسبب بُعدها.. فتايوان تبعد 9500 ميل عن الولايات المتحدة، فيما تبعد 68 ميلًا عن الصين”[15]، وبالتالي قد يسيطر جيش التحرير الشعبي على الجزيرة قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من مساعدة حليفتها تايبيه ومن ثم طوكيو.

ميزان القوة: تفوق صيني عسكري

وتكشف نتيجة قياس موقع “Global Firepower” المتخصص في الإحصاءات والبيانات العسكرية لمختلف الدول، القوة العسكرية لدى اليابان مقابل القوة العسكرية للصين لعام 2025، فإن الميزان يميل وبشدة إلى بكين التي تحتل المرتبة الثالثة بينما تأتي طوكيو في المرتبة الثامنة بين 145 دولة.

وتوضح البيانات أنّ الصين تتفوق عسكريًا وبوضوح على اليابان وبمختلف المجالات (القوة الجوية، القوة البحرية، قوة الأرض، الموارد الطبيعية، الشؤون المالية، الخدمات اللوجستية، والقوى العاملة)، إلا أنّ اليابان تتفوق فقط في الجغرافيا[16].

حيث يمتد طول الساحل الياباني حوالي 30 ألف كيلومتر، وهو بذلك أطول من طول الساحل الصيني الذي يبلغ حوالي 15 ألف كيلومتر، ما يجعلها تتمتع بموقع جغرافي معزول ومحصن يمكّنها من حماية نفسها نسبيًا، بحكم أنها جزيرة محاطة بالبحار وليس لديها اتصال بري بالدول المحيطة بها، ما يجعل مهاجمتها أمرًا عزيزًا وصعبًا.

فإن القوة العسكرية لليابان وإن كانت أضعف من القوة العسكرية للصين، إلا أنها لو أفلحت في استغلال قوة موقعها الجغرافي وطول ساحلها لتحصين نفسها، لأعجزت الصين رهقًا في التفكير بمهاجمتها، ولأمنت على نفسها غائلة الوصول إليها وعزلها بشكل كلّي عن البحر المفتوح، بعد سيطرة الصين على مضيق تايوان.

وكان من الممكن للقوة الجغرافية لليابان أن تستر مواطن ضعفها والفتوق في بنيانها العسكري والدفاعي، وحينها لن يكون فارق القوة العسكرية بين البلدين هو الحاسم في المعركة لأن المهاجمة والوصول إلى الجزيرة في الأصل سيكون أمرًا عزيزًا للغاية.

طوكيو تدقّ ناقوس الخطر.. ولكن!

لعلّ اليابان تستدرك ما فاتها من الوقت وتعمل اليوم على تعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية، وتغيير عقيدتها العسكرية والعودة إلى سيرتها العسكرية الأولى “عودة الساموراي” لمواجهة الصين، إلا أنّ كل ما تبذله اليوم في سبيل الاستعداد لمواجهة الصين غير كافٍ في حين أصبحت بكين جاهزة تمامًا لغزو تايبيه ومواجهة طوكيو وواشنطن، حيث كان يجب عليها معالجة نقاط الضعف والبدء بما بدأت به الآن قبل سنوات.

وعلى الرغم من أنّه كان من المفترض أن تعي اليابان أكثر أهمية امتلاكها بناءً دفاعيًّا متينًا قادرًا على حمايتها، لأن ما تقوم به الصين اليوم يشبه ما قامت به الامبراطورية اليابانية في أوائل القرن العشرين حيث كانت تعمل على فرض هيمنتها وإبعاد الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة آسيا والمحيط الهادي، وبالتالي تدرك أن ما حلّ بدول المنطقة حينها وما نزل بها من خسائر استراتيجية سيحل بها.

وبالتالي دقّ ناقوس الخطر لدى اليابانيين لكن ربّما في وقت متأخر، وإن لم تدرك طوكيو خطر الصين عليها في المنطقة وتُعرض عن اعتمادها على الولايات المتحدة والتسريع في عملها العسكري بشكل مكثف لتصبح جاهزة للقتال، فإنّ الخطر الصيني سيتربّص بها بعد غزو بكّين لتايوان وحينها لن يكون لليابان من نصيرٍ أو حامٍ ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.


[1] skynewsarabia.com, 27-02-2023, www.skynewsarabia.com/world/1600799

[2] eremnews.com, 24-03-2025, www.eremnews.com/news/world/8vuyfht

[3] dostor.org, 28-03-2025, www.dostor.org/5015867

[4] aawsat.com, 30-03-2025, aawsat.news/rrq72

[5] asharq.com, 18-03-2025, asharq.co/ctfkz

[6] euronews.com, 28-11-2022, arabic.euronews.com/2022/11/28/japan-pm-im3

[7] asianews.network, 02-04-2025, asianews.network/japan-prepares-for-war-with-new-joint-command-evacuation-plans-and-missile-unit-deployments/

[8] asharq.com, 31-08-2024, asharq.co/pg4ua.   

[9] asianews.network, 02-04-2025, asianews.network/japan-prepares-for-war-with-new-joint-command-evacuation-plans-and-missile-unit-deployments/

[10] arabic.rt.com, 15-05-2024, ar.rt.com/xjmg

[11] nippon.com, 09-04-2025, www.nippon.com/ar/news/yjj2025040801015/.

[12] arabic.rt.com, 15-02-2023, ar.rt.com/urac

[13] alqaheranews.net, 10 – 02-2025, alqaheranews.net/news/116490

[14] bloomberg.com, 07-04-2025, https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-04-07/trump-hegseth-tout-1-trillion-us-defense-budget?utm_source=website&utm_medium=share&utm_campaign=copy.

[15] arabic.cnn.com, 17-07-2204, https://arabic.cnn.com/world/article/2024/07/17/taiwan-indo-pacific-trump-comments

[16] globalfirepower.com, Comparison of Japan and China Military Strengths (2025), https://www.globalfirepower.com/countries-comparison-detail.php?country1=japan&country2=china

حنين جركس

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. .حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى