الشائع

بين الحمائية الأمريكية والصعود الصيني: هل يشكل ترامب ملامح نظام عالمي جديد؟

بقلم الباحثة غير المقيمة أمل حسين

حائزة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من الجامعة اللبنانية، وشهادة في

إدارة الموارد البشرية وإدارة المشاريع من جامعة هايكازيان

وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية بأن فترة رئاسته ستكون خالية من الحروب، لكنه بمجرد توليه الرئاسة بدأ في تنفيذ حرب اقتصادية واسعة. فالحرب العسكرية والحرب الاقتصادية هما وجهان لعملة واحدة: عملة السيطرة. فالأولى تسحق الأرواح، والثانية تُجَوِّع العقول والبطون. وكلاهما يستهدف إضعاف  الآخر، سواء عبر السلاح أو عبر العملة.

 يعتمد ترامب في سياسته على نهج االرئيس السابق ماكينلي(1897-1901)[1]، فعلى الرغم من الفجوة الزمنية بينهما الا ان كلاهما اعتبرا أن “القوة الاقتصادية” هي أساس النفوذ، وارتبطا بسياسات “أمريكا أولًا”، حيث استخدم كل منهما الاقتصاد كأداة لتعزيز الهيمنة.

اختلفت الفترة الزمنية بين الرئيسين؛ إذ قام ويليام ماكينلي بتطبيق هذه السياسة في مرحلة صعود النفوذ الأمريكي عالميًا، أما دونالد ترامب يسعى إلى حماية مكانة الولايات المتحدة في ظل تنامي الصعود الصيني، مستندًا إلى نهج ماكينلي في محاولة احتواء التمدد الصيني.

فقد اتبع دونالد ترامب أسلوب ويليام ماكينلي في إدارة التحالفات والتوسع الاقتصادي، لكنه أعاد صياغته بطريقة تتناسب مع العصر الحالي حيت تغيرت وتطورت أدوات النفوذ لتحقيق هدف واحد. وبالفعل، انتقل الصراع بين الولايات المتحدة وخصومها من المعارك العسكرية إلى الاسواق التجارية، حيث تحولت الادوات من الاسلحة الى الرسوم الجمركية. فعندما فرض ترامب رسوماً جمركية على الصين وكندا والمكسيك، كان يكرر ما فعله ماكينلي من استخدام الاقتصاد الأمريكي بهدف حماية الأسواق المحلية.

وقد تظهر العقوبات التي اتخذها ترامب وكأنها نهجا جديدا، لكنها في الواقع تمثل استمرارًا لسياسة ماكينلي، الذي طبق أسس الإمبريالية الاقتصادية[2]. وإن ما قام به ترامب هو تطبيق لذات الأسلوب لكن عبر تغيير الوسائل، حيث تبقى النتيجة متشابهة: زعزعة التحالفات وفتح المجال أمام قوى ناشئة مثل الصين لاستغلال الفرص.

 نجح ماكينلي في ضم هاواي إلى الولايات المتحدة عام 1899 وشراء الفلبين وغوام وبورتوريكو[3]، وأبدى ترامب رغبة متكررة في ضم كندا إلى الولايات المتحدة وشراء غرينلاند، حتى لو اقتضى الأمر استخدام القوة العسكرية. كما قام بتغيير اسم جبل دينالي إلى جبل ماكينلي[4].

وقال ترامب: “في غضون وقت قصير سوف نعيد إسناد اسم الرئيس العظيم، ويليام ماكينلي، إلى جبل ماكينلي[5]“.

تجد الصين في هذه الحرب الاقتصادية فرصة لتشكيل تحالفات جديدة، مستغلة السياسة الحمائية الأمريكية لتكوين تكتلات تجارية مع دول أمريكا اللاتينية. حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدفه في جمع 2 مليار دولار يوميًا [6]من ضرائب الاستيراد. وقد تراوحت ردود فعل الدول بين اتخاذ إجراءات انتقامية أو التزام الصمت.

فقد ردت الصين على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي بنسبة 145%،[7] بفرض رسوم جمركية انتقامية بنسبة 125% [8]على جميع الواردات الأمريكية. في الوقت نفسه، فرض الرئيس الأمريكي رسوماً بنسبة 25% على كندا، لكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أعلن أن بلاده ستفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على المركبات المستوردة من الولايات المتحدة التي لا تتوافق مع اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والمكسيك. أما المكسيك، فقد حاولت تجنب العقوبات الأمريكية، لكنها لم تنجُ من قائمة التعريفات الجمركية، حيث أعلن الرئيس الأمريكي عن فرض رسوم بنسبة 25% على الدولة اللاتينية[9].

وفي هذا الجو المشحون بالتوتر والانقسامات المتزايدة في العالم الغربي، تتاح للصين فرصة مميزة لإنشاء تحالف مع دول أمريكا اللاتينية، وذلك من خلال تقديم نفسها كبديل تجاري غير استبدادي. وتجدر الإشارة إلى أن الصين لم تنتظر عودة ترامب لتعمل على توسيع مكانتها في القارة الامريكية، بل عملت على تعزيز وجودها من خلال إنشاء ميناء شنغاي في البيرو، الذي يُعتبر أول ميناء صيني في أمريكا الجنوبية، حيث تمتلك الصين حوالي 60% منه. الميناء، الذي بدأ إنشاؤه في عام 2021، قادر على استقبال أكبر حاملات الحاويات في العالم بسعة تصل إلى 24 ألف حاوية[10].

بالإضافة إلى ذلك، عملت الصين على تعزيز علاقاتها التجارية مع العديد من دول المنطقة، وخاصة البرازيل، وقد شهدت هذه العلاقة تطوراً كبيراً حيث بلغت ذروتها في عام 2024 عندما اتفق الرئيسان البرازيلي والصيني على تعزيز الشراكة خلال قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في ريو دي جانيرو[11].

ووفقًا لتقرير صادر عن Brookings Institution [12]في عام 2022، تجاوزت قيمة التجارة بين الصين ودول أمريكا اللاتينية 450 مليار دولار سنويًا، مما جعل الصين الشريك التجاري الرئيسي للعديد من دول القارة. وقد بدأت بعض الدول بالفعل في استخدام اليوان الصيني في معاملاتها التجارية، بهدف تقليل هيمنة الدولار الأمريكي خاصة في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. على سبيل المثال، تمكنت الأرجنتين من سداد جزء من ديونها لصندوق النقد الدولي، والتي تبلغ 2.7 مليار دولار، بالعملة الصينية.[13] كما أبدت دول مثل المملكة العربية السعودية وبنغلاديش والهند وباكستان والعراق استعدادها للقيام بذلك في المستقبل.[14]

وفيما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق، تهدف الصين من خلالها إلى تعزيز نفوذها الجيوسياسي  ليس فقط بالقارة الامريكية بل في العالم، حيث تعمل على تسهيل التجارة بينها وبين بقية دول العالم. والجدير بالذكر أن معظم الدول الأفريقية المشاركة في هذه المبادرة تقع على طول الساحل، مما يسهل للصين عملية نقل المواد الخام إلى الموانئ[15]. كما انضمت أكثر من 20 دولة من أمريكا اللاتينية إلى المبادرة الصينية العالمية، التي تعد مشروعًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا كبيرًا. فالصين لا تسعى لتوسيع هيمتنها عبر القوة، بل تهدف إلى كسب ولائها من خلال الهدوء والرضا. وهذا يتناقض مع الوضع الراهن للولايات المتحدة، التي تبتعد تدريجيًا عن دائرة القبول. وتستغل  الصين النفوذ الاقتصادي للوصول الى النفوذ الجيوسياسي في القارة الأمريكية، حيث تعتبر هذه الخطوة أساسية لترسيخ وجودها هناك. فالعقوبات والضغوط الاقتصادية المستمرة من القوى العالمية تخلق بيئة تؤدي إلى إضعاف التحالفات، مما يدفع الدول الأخرى للبحث عن بدائل. وعندما تأتي هذه الضغوط من قوة عالمية مثل الولايات المتحدة، فإنها تؤدي إلى فقدان الثقة في النظام القطبي الأمريكي وإعادة تشكيل التحالفات لصالح بدائل مثل الصين حاليًا.

وعندما تدرك هذه الدول أن حماية مصالحها الأساسية تطلب تعاونا وليس نزاعا او صراعا، ستتجه نحو الحلول السلمية التي تؤدي إلى تشكيل تكتل جديد يستطيع أن يبرز على الساحة الدولية كمنافس لمستوى للولايات المتحدة الأمريكية. كما يمكن اعتبار بعض التحالفات مؤشراً على ملل هذه الدول من الهيمنة الأمريكية، مثل “بريكس” التحالف الذي يروج لفكرة “إزالة الدولار” وإنشاء نظام اقتصادي بديل، حيث تُعتبر الصين العنصر  الرئيسي فيه.

وهكذا، تؤدي السياسة الاقتصادية التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تغييرات تدريجية في الساحة السياسية. حيث تمثل الولايات المتحدة القطب الأكثر نفوذاً، وتبرز الصين كقطب منافس تسعى للوصول إلى نفس مستوى القوة. وكما يشير الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه “جوهر الدولة” (الصفحة 312) إلى أن “قانون حفظ المصالح بين الأطراف الإقليمية والدولية، واتفاقها على حماية الأهداف العليا والمصالح الاستراتيجية لكل منها، قد يؤدي إلى تحول هذه الأطراف إلى أقطاب دولية بعد خوض صراع مع أطراف دولية أخرى تتنافس على السيطرة على المواقع القطبية العالمية”.

حيث تسعى العديد من الدول إلى الابتعاد عن الهيمنة الأمريكية ليس فقط بسبب الخلافات الأيديولوجية، بل أيضًا نتيجة اقتناع متزايد بأن السيطرة الغربية، خاصة من الولايات المتحدة، تعيق تحقيق السيادة والاستقرار والاستقلال الوطني. وفي المقابل، تقدم الصين نفسها كقوة صاعدة تتبع سياسة اقتصادية غير تدخلية، مما يجعلها خيارًا أفضل للعديد من الدول.

وعلى سبيل المثال، فنزويلا، التي كانت من الدول الرائدة في مواجهة الإمبريالية الأمريكية، إلا أن العقوبات  التي فرضتها الولايات المتحدة عليها لم تؤدِ فقط إلى ضعف اقتصادها، بل ساهمت أيضًا في حدوث تصدعات في بنيتها السياسية، مما جعلها تتجه بعيدًا عن الولايات المتحدة نحو الصين. حيث قدمت الصين نفسها كبديل غير عدائي يركز على التعاون الاقتصادي والتنموي.

وعندما يشعر الحلفاء بعدم الاستقرار الاقتصادي، يبدأون في إعادة ترتيب وضعهم الجيوسياسي والاقتصادي، مما يمنح الصين فرصة لتكون المستفيد الأكبر، مستغلة الفراغ الذي تتركه واشنطن والفرص الاستثمارية الجديدة الناتجة عنه. فهل يمكن أن تمثل الصين التحول الجذري في إعادة تشكيل النظام العالمي؟


[1] Wikipedia contributors. (n.d.). ويليام ماكينلي  [William McKinley]. Wikipedia. Retrieved April 17, 2025, from https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%88%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%85_%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%8A%D9%86%D9%84%D9%8A

[2] Abdel Rahman, H. A. (2025, April 13). نحو عالم ما بعد الغرب: الترامبية وإعادة توزيع مناطق النفوذ في العالم [Towards a post-Western world: Trumpism and the redistribution of spheres of influence]. Al-Ahram Center for Political and Strategic Studies. https://acpss.ahram.org.eg/News/21396.aspx

[3] [3] قفصي، ر. (2025, 22 de enero). لماذا يريد ترامب تغيير اسم جبل دينالي إلى جبل ماكينلي؟  Arabi21. https://arabi21.com/story/1656320/لماذا-يريد-ترامب-تغيير-اسم-جبل-دينالي-إلى-جبل-ماكينلي

[4] قفصي، ر. (2025, 22 de enero). لماذا يريد ترامب تغيير اسم جبل دينالي إلى جبل ماكينلي؟  Arabi21. https://arabi21.com/story/1656320/لماذا-يريد-ترامب-تغيير-اسم-جبل-دينالي-إلى-جبل-ماكينلي

[5] قفصي، ر. (2025, 22 de enero). لماذا يريد ترامب تغيير اسم جبل دينالي إلى جبل ماكينلي؟  Arabi21. https://arabi21.com/story/1656320/لماذا-يريد-ترامب-تغيير-اسم-جبل-دينالي-إلى-جبل-ماكينلي

[6] Jiménez, M. (2025, April 9). Trump ha recaudado ya 4.800 millones con los aranceles a China y 2.000 millones con los de México. El País. https://elpais.com/internacional/2025-04-09/trump-ha-recaudado-ya-4800-millones-con-los-aranceles-a-china-y-2000-millones-con-los-de-mexico.html

[7] CNBC Arabia. (2025, October 4). البيت الأبيض: الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصين تبلغ 145%. https://www.cnbcarabia.com/136503/2025/10/04/البيت-الأبيض:-الرسوم-الجمركية-التي-فرضها-ترامب-على-الصين-تبلغ-145-

[8] CNN Arabic. (2025, April 11). عاجل: الصين ترفع الرسوم الانتقامية على الواردات الأمريكية إلى 125%. CNN Arabic. https://arabic.cnn.com/world/article/2025/04/11/urgent-china-raises-retaliatory-tariffs-on-us-imports-to-125

[9] هاني، م. (2025, 13 de abril). رد أم استسلام؟.. كيف استجابت الدول لرسوم ترامب الجمركية؟CNN Business Arabic. https://cnnbusinessarabic.com/economic-stories/1116200/رد-أم-استسلام-كيف-استجابت-الدول-لرسوم-ترامب-الجمركية

[10] Agence France-Presse. (2024, 11 de noviembre). مرفأ شانكاي الضخم في البيرو منفذ الصين الجديد إلى أميركا الجنوبية. SWI swissinfo.ch. https://www.swissinfo.ch/ara/88091320

[11] Brito, R., & Baptista, E. (2024, November 20). Xi and Lula elevate China-Brazil ties in state visit. Reuters. https://www.reuters.com/world/china/chinas-xi-visits-brasilia-cap-tour-flexing-diplomatic-clout-2024-11-20/

[12] Kotschwar, B., & O’Neil, S. K. (2024, 15 de abril). How are the United States and China intersecting in Latin America? Brookings Institution. https://www.brookings.edu/articles/how-are-the-united-states-and-china-intersecting-in-latin-america/

[13] Ventura, L. (2023, July 20). IMF accepts Argentina’s debt repayment in yuan. Global Finance Magazine. https://gfmag.com/economics-policy-regulation/imf-accepts-argentinas-debt-repayment-in-yuan/

[14] Euronews. (2023, February 22). البنك المركزي العراقي ينوي السماح بالتجارة مع الصين باليوان في ظل تراجع الدولار والدينار. Euronews. https://arabic.euronews.com/2023/02/22/central-bank-iraq-intends-allow-trade-china-yuan-decline-dollar-dinar?utm_source

[15] Infortal. (2024, 3 de septiembre). China’s Belt and Road Initiative in Africa. https://infortal.com/chinas-belt-and-road-initiative-in-africa/


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى