الشائع

كوريا الجنوبية و"الاستقلال النووي".. هل تحتاج سيول لبناء ترسانتها الخاصة؟

اشتدّ الجدل حول ضرورة امتلاك كوريا الجنوبية قدرات نووية مستقلة، لاسيما بعد عودة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعرابه عن استعداده للتعامل مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون واصفًا بلاده رسميًا بـ”القوة النووية”[1]، فضلًا عن دعوته سيول لدفع المزيد مقابل “الحماية العسكرية الضخمة” التي تقدمها لها واشنطن[2]. كما كان قد أشار أثناء فترة ترشحه إلى رغبته في أن تساهم كوريا الجنوبية بمبلغ أكبر من 10 مليارات دولار سنويًا لنشر القوات الأمريكية على أراضيها[3].

كما تفاقم الجدل مع تصاعد تهديدات كوريا الشمالية النووية والصاروخية، والتطوير الهائل والسريع لبرنامج أسلحتها النووية، والدخول في تحالف دفاعي مشترك مع روسيا عام 2024.

لقد أدّى ذلك إلى زعزعة العلاقة التحالفية الراسخة بين واشنطن وسيول عبر التشكيك في الترتيبات القائمة على الولايات المتّحدة، والتدخل للدفاع عن كوريا الجنوبية في حال وقوع هجوم نووي عليها، إلى جانب استمرار الجهود الرامية إلى نزع السلاح النووي في بيونغ يانغ.

وفي هذا السياق، لم يتأخر ردّ الحكومة الكورية الجنوبية، حيث صرّح وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو تاي يول بعد أيام من تصريح ترامب، بأن تطوير الأسلحة النووية لمواجهة كوريا الشمالية ليس “مستبعدًا” بالنسبة لكوريا الجنوبية، معترفًا بالمخاوف بشأن موثوقية الأمن الأمريكي[4].

وقد أكدت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أنَّ دولًا حليفة للولايات المتحدة في أوروبا وآسيا تدرس خيارات لإنشاء مظلات نووية خاصة بها، في ظلّ موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتحفظ من حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتقارب مع روسيا[5].

ولكن هل بات فعلًا من الضروري أن تمتلك كوريا الجنوبية سلاح ردع نووي خاص بها في ظلّ تصاعد التهديد الكوري الشمالي والتحول في الموقف الأمريكي وعدم اليقين العالمي؟

التقنيات النووية المدنية الكورية الجنوبية

تتمتّع كوريا الجنوبية بالقدرات التكنولوجية اللازمة للشروع في برنامج التسلّح النووي، بفضل امتلاكها عددًا من المفاعلات النووية وإتقانها الكامل لدورة الوقود النووي، ما يجعلها قادرة على تجميع حفنة من قنابل البلوتونيوم في غضون عام[6].

وفي دليل على تقدمها في هذا المجال، فازت سيول في 1 مايو 2025 بمشروع لبناء مفاعلين نوويين في جمهورية التشيك بقيمة 18.2 مليار دولار، وهو أول مشروع محطة طاقة نووية في الخارج منذ عام 2009، عندما فازت بعقد محطة “براكة” للطاقة النووية في الإمارات العربية المتحدة[7].

واشنطن لم تمانع النووي الكوري الجنوبي

على الرغم من أنَّ كوريا الجنوبية وقّعت على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) عام 1975 – التي تمنع الدول غير المسلحة نوويًا من الحصول على الأسلحة النووية – إثر ضغوط مارستها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم قامت واشنطن في إطار التزامها بالمعاهدة بإزالة جميع الأسلحة النووية من سيول عام 1991. إلا أنَّ إدارة ترامب الجديدة لم تتخذ موقفًا صريحًا بشأن ذلك، ولكنها عيّنت إلبريدج كولبي – المدافع عن امتلاك كوريا الجنوبية للأسلحة النووية لاقتناعه بأن نزع السلاح النووي الكوري الشمالي هدف غير واقعي – في منصب وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات[8].

كما كان قد أعرب ترامب عن موقفه من ذلك عندما كان مرشحًا للرئاسة الأمريكية في 29 مارس 2016، حين قال إنَّه يؤيد امتلاك كوريا الجنوبية السلاح النووي الخاص بها لتحمي نفسها من كوريا الشمالية، مؤكدًا أن “الحماية الأمريكية مكلفة جدًا”[9].

كما قد تجد واشنطن بامتلاك سيول سلاحًا نوويًا، تحقيقًا للتوازن في القوة النووية في شبه الجزيرة الكورية، وضمان عدم اضطرار واشنطن الدفاع عنها والانخراط في الصراع في حال شنت بيونغ يانغ هجومًا نوويًا على سيول، ما قد يجعلها لا تمانع، بل وترحب بذلك ولكن سرًا لكونها أولى الدول التي ساهمت في تأسيس معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وعملت على الالتزام بها على مدى عقود.

الإرادة السياسية والموقف الشعبي

تصاعدت الدعوات داخل حزب “قوة الشعب” الحاكم للتسلح بالنووي، بعد تصريحات ترامب السابق ذكرها، حيث قالت النائبة عن الحزب نا كيونغ وان إنَّ “الوقت قد حان لكي تتسلح البلاد بالأسلحة النووية، وسط احتمال سعي إدارة ترامب إلى عقد صفقة نووية مع بيونغ يانغ”، وأضافت “أن سيول يمكن أن تحقق توازن القوى من خلال امتلاك ترسانتها النووية الخاصة بها”.

فيما يرفض الحزب الديمقراطي المعارض ذلك بشدة، حيث قال النائب عن الحزب جو سونغ ريه إنَّ “ترامب لم يعلن أنّه سيتسامح مع البرنامج النووي الكوري الشمالي”[10].

كما أنّ الرأي العام في الداخل الكوري الجنوبي قد تغيّر، فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها مؤسسة غالوب كوريا عام 2024، أنَّ 72.8% من الكوريين الجنوبيين يؤيّدون أن تبني بلادهم أسلحتها النووية الخاصة، فيما أعرب 91.1% منهم عن تشاؤمهم بشأن نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، و60.8% منهم يعتقد أن الولايات المتحدة لن تستخدم ردعها النووي في حالة الطوارئ في شبه الجزيرة الكورية[11].

عواقب التحوّل النووي

إنَّ البدء بسلوك المسار النووي لا يمر من دون تبعات وعواقب وتداعيات على كوريا الجنوبية، أبرزها:

  • زعزعة الاستقرار في الداخل الكوري الجنوبي: إنَّ امتلاك النووي يحتاج إلى إجماع سياسي، وسيول لا تمتلك حاليًا هذا الاجماع في ظل انقسام النقاش النووي ورفض الحزب الديمقراطي المعارض ذلك، وهو يتبنى “سياسة أشعة الشمس” ويفضل التعاون الاقتصادي والمشاركة الدبلوماسية لتحقيق التعايش السلمي مع بيونغ يانغ، كما أنّه يتمتع بأغلبية برلمانية، وبخاصة أنّه من المتوقّع أن يُعزز الحزب سلطته في الانتخابات الرئاسية المبكرة التي ستُعقد في 3 يونيو 2025[12]، وبالتالي قد يؤدي هذا المسار إلى مقاومة سياسية شرسة على المستوى الداخلي الكوري الجنوبي.
  • زعزعة استقرار شبه الجزيرة الكورية بشكل أكبر: قد يؤدّي هذا المسار إلى تصاعد التوترات مع بيونغ يانغ، حيث قد يُنظر إلى أي خطوة باتجاه امتلاك سيول سلاحًا نوويًا خاصًا بها، كتهديد مباشر لنظام الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي ما فتئ يهدد في كل مناسبة أو بعد كل تدريب باستخدام الأسلحة النووية “دون تردّد” في حال تعرضت بلاده لأي هجوم أو تعرض نظامه للخطر. وبالتالي قد يكون ذلك الشرارة التي تشعل الصراع النووي بينهما.
  • تقويض الثقة الدولية بكوريا الجنوبية: أن تذهب سيول – وهي أحد الأطراف الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية – إلى امتلاك السلاح النووي يعني أنها تذهب إلى ما أنكرته لعقود على بيونغ يانغ التي كانت قد وقعت على المعاهدة عام 1985 أيضًا ومن ثم خرقتها عندما أجرت تجارب صنع رؤوس نووية عام 2006. وسيساهم ذلك في تقويض الثقة الدولية التي بنتها سيول على مدى عقود بدعواتها الواسعة لعالم خالٍ من الأسلحة النووية و”نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية”، كما أنّه قد يمنح بيونغ يانغ ذريعة مبررة لاستكمال تعزيز قدراتها النووية والصاروخية، وربما تعطيل الإجماع الدولي على نزع السلاح النووي الكوري الشمالي.
  • الضغوطات والعقوبات الدولية: إنّ تحرك سيول باتجاه امتلاك سلاح نووي خاص بها، سيتبعه حتمًا عقوبات ومحاولات دولية للعرقلة لا سيما من قبل حلفاء كوريا الشمالية كالصين وروسيا، وأيضًا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يمكنها أن تُظهر في العلن ما تضمره في السرّ ولا سيما أنّها هي التي قادت تأسيس معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وعملت على الالتزام بها على مدى عقود، كما حدث حين عارضت المشروع النووي لباكستان حليفتها في سبعينيات القرن الماضي، وقطعت عنها المساعدات الاقتصادية عام 1979.
  • الحاجة إلى جهد طويل وتكاليف مرتفعة: على الرغم من امتلاك كوريا الجنوبية القدرات الكاملة التي تؤهلها البدء ببناء ترسانة نووية خاصة بها لمواجهة التهديدات النووية من كوريا الشمالية، إلا أن ذلك سيكون مكلفًا ويستغرق وقتًا طويًلا، حيث لا يمكن لسيول امتلاك سلاح نووي بين ليلة وضحاها، بل ستحتاج سيول على الأرجح إلى سنوات لإنجاز ذلك[13]، ما يجعل المسار أصعب على كوريا الجنوبية التي ستواجه فيه على مدى سنوات ضغوطًا وعقوبات دولية من جهة، ومخاطر بيونغ يانغ التي ستسعى جاهدة لإحباط سعي سيول في هذا الشأن، وقد تشنّ هجومًا وقائيًا لمنع سيول من استكمال ما بدأت به.

ختامًا إنَّ امتلاك السلاح النووي ليس ضرورة لكوريا الجنوبية التي يمكنها تجنب المخاطر التي ستتعرض لها في حال الشروع بذلك، وبالتالي فإنّ خيارها الأمثل يبقى في الاعتماد في حماية أمنها القومي على المظلة النووية الأمريكية “الردع الموسع”، والقائمة على ما يجمع سيول وواشنطن من اتفاقيات ومعاهدات، لاسيما “معاهدة كامب ديفيد” لعام 2023، و”المبادئ التوجيهية المشتركة للردع النووي” الموقعة بين سيول وواشنطن في يوليو 2024.

حيث يوفر لها الردع الموسع ضمانات ردع ضد أي دولة معادية سواء من كوريا الشمالية أو أي قوة معادية أخرى، فالولايات المتحدة تمتلك تكنولوجيا عسكرية وترسانة نووية كبرى، تتفوق بميزان القوة بشكل كبير على قدرات كوريا الشمالية.

فضلًا عن أنه يمكن لكوريا الجنوبية العمل مجددًا – بعدما رفضت الولايات المتحدة عام 2016 طلب الرئيسة الكورية الجنوبية آنذاك، بارك كون هيه، بإعادة نشر الأسلحة التكتيكية في بلادها [14]– على إقناع واشنطن بإعادة نشر أسلحتها النووية التكتيكية على أراضيها كما حصل في الحرب الباردة قبل أن تعمل على سحبها من سيول عام 1991، وخصوصًا أن واشنطن قد قامت في 16 يونيو 2023، ردًا على استئناف كوريا الشمالية تجاربها الصاروخية، وفي أول تدبير لم يرَ مثله منذ حقبة الحرب الباردة، بإرسال أكبر غواصة نووية مصممة للجيش الأمريكي “يو إس إس ميشيغان” من طراز “توماهوك” – وفقًا للتقديرات تمتلك هذه الغواصة قدرة هجوم نووي هائلة قادرة على تدمير قارة بأكملها بضربة واحدة – إلى بوسان الساحلية في كوريا الجنوبية بالقرب من كوريا الشمالية، وفي ذلك إشارة واضحة على التزامها بالدفاع عن كوريا الجنوبية بجميع أنواع الأسلحة بما في ذلك الأسلحة النووية[15].

وحتى مع تنامي انعدام الثقة في سياسة الردع الأمريكية الموسعة في ظل مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلبة، فإنّ كوريا الجنوبية – بصفتها حليفًا رئيسيًّا من خارج حلف شمال الأطلسي “الناتو” يتمتع بمجموعة متنوعة من المزايا العسكرية والمالية التي لا يمكن الحصول عليها من الدول غير الأعضاء في “الناتو” – تمتلك خيار الاعتماد على مظلة حلف “الناتو” النووية التي تؤمن لها الحماية أيضًا في حال تعرضها لهجوم والدفاع عنها وكأنه هجوم على أحد أعضاء “الناتو”، والذي أيضًا يتفوّق بقوته وترسانته النووية المتطورة بشكل كبير على أي قوة نووية تمتلكها كوريا الشمالية أو قد تمتلكها كوريا الجنوبية حتى بعد عقود من شروعها بالعمل على برنامجها النووي.

وهذا ما حصل حين شكك ترامب في ولايته الأولى في يوليو 2018 في التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن الدولة العضو في “الناتو” مونتينيغرو في حال تعرضها لهجوم حين قال: “لماذا يذهب ابني إلى مونتينيغرو للدفاع عنها من أي هجوم؟”، ما اضطر حلف “الناتو” حينها إلى إعادة تأكيد بند الدفاع الجماعي وأن “الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع”[16].


[1] arabic.rt.com, 21-01-2025, https://ar.rt.com/z4j6

[2]elnashra.com, 08-04-2025, www.elnashra.com/news/show/1718005

[3]bloomberg.com, 16-10-2024, https://www.bloomberg.com/news/articles/2024-10-16/trump-says-money-machine-korea-should-pay-more-for-us-troops

[4] nknews.org/, 27-02-2025, https://www.nknews.org/2025/02/in-shift-south-koreas-top-diplomat-says-nuclear-armament-not-off-the-table/

[5]ar.rt.com, 24-03-2025, https://ar.rt.com/zjc9

[6] nationalinterest.org, 03-04-2025, https://nationalinterest.org/blog/korea-watch/why-its-time-for-a-south-korean-nuclear-deterrent

[7]  ar.yna.co.kr, 01-05-2025, https://ar.yna.co.kr/view/AAR20250501000500885 .

[8] english.hani.co.kr, 24-12-2024, https://english.hani.co.kr/arti/english_edition/e_international/1174713.html

[9] cbsnews.com, 29-03-2016, https://www.cbsnews.com/news/donald-trump-japan-south-korea-might-need-nuclear-weapons/

[10]world.kbs.co.kr, 23-01-2025,  http://world.kbs.co.kr/service/news_view.htm?lang=a&Seq_Code=80071

[11]donga.com, 06-02-2024, https://www.donga.com/en/article/all/20240206/4731163/1

[12]nationalinterest.org, 15-04-2025, https://nationalinterest.org/feature/south-korea-may-ally-closer-to-china-after-yoons-impeachment

[13] asia.nikkei.com, 25-04-2025, https://asia.nikkei.com/Spotlight/Policy-Asia/Trump-s-Ukraine-retreat-fuels-South-Korea-nuclear-arms-debate

[14] washingtonpost.com, 07-02-2023, https://www.washingtonpost.com/world/2023/02/07/south-north-korea-nuclear-weapons-security/

[15] skynewsarabia.com, 18-06-2023, https://www.skynewsarabia.com/world/1630506

[16] dw.com, 18-07-2018, https://p.dw.com/p/31hO2


حنين جركس

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. .حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى