الشائع

بوتين و"شبكة العنكبوت" الأوكرانية... من مأمَنِهِ يُؤتَى الحَذِرُ

لقد سال مدادٌ غزير في تفسير وتأويل الهجوم الأوكراني بالمسيّرات في العمق الروسي في يوم 1 يونيو 2025، فذهبت طائفة من مجتمع التحليل السياسي إلى قياس هذه العملية على هجوم الجيش الياباني على القواعد العسكرية الأمريكية في بيرل هاربر في ديسمبر 1941، فاستدرج ذلك الهجوم الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية، وذهبت طائفة أخرى من هذا المجتمع إلى قياس هذا الهجوم بعملية “البيجرز” وأجهزة اللاسلكي التي نفّذتها إسرائيل على “حزب الله” في سبتمبر 2024 فكان بذلك بداية هزيمة “حزب الله”.

غير أنّ القياس في الحالتَيْن باطلٌ، فأمّا في الحالة الأولى فإن لم تكن اليابان قطبًا أقوى وأعظم من الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الدورة التاريخية من النظام الدولي، فإنّها كانت المكافئ الاستراتيجي والمعادل الموضوعي لها على الأقل، فلذلك لا يصحّ قياس عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية على عملية بيرل هاربر.

وأمّا في الحالة الثانية، فالقياس أيضًا باطل، لأنّ إسرائيل هي الطرف الأقوى بينما “حزب الله” منظّمةٌ غير دولتية وإن كانت قوية، إلّا أنّها كانت تقارع دولة أقوى منها بكثير، وبذلك بَطلَ القياس في هذه الحالة أيضًا.

وأشبه ما تكون عملية “شبكة العنكبوت” في التاريخ بهجوم تنظيم “القاعدة” على الولايات المتّحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001 (غزوتا نيويورك وواشنطن على برجَيْ التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأمريكية)، ولذلك يصحّ القياس بين هاتَيْن الحالتَيْن.

ولننظر في العواقب التي ستقع بعد هذه العملية، إن كانت ستشابه عواقب أحداث 11 سبتمبر 2001.

ومن نافلة القول أنّنا لا نشبّه أوكرانيا بتنظيم “القاعدة”، فأوكرانيا دولة متكاملة الأركان، بينما تنظيم “القاعدة” منظّمة جهادية إسلامية عالمية مصنّفة “إرهابية”، ووجه القياس بين الطرفَيْن أنّ كليهما هاجما دولتَيْن نوويَّتيْن عظميَيْن في عقرَيْ دارَيْهما.

ولنتأوّل عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية كلاسيكيًّا وكوانتيًّا وفق مذهبنا في التحليل السياسي:

  • في الوقائع

استهدفت الهجمات الأوكرانية 4 مطارات في عمق روسيا، وكان أبعدها قاعدة بيلايا في منطقة إيركوتسك، على بعد حوالي 4500 كيلومتر من حدود أوكرانيا مع روسيا. وشملت الأهداف الأخرى قاعدة أولينيا بالقرب من مورمانسك في الدائرة القطبية الشمالية، على بعد أكثر من 2000 كيلومتر من أوكرانيا، وقاعدة دياجليف الجوية في منطقة ريازان، على بعد حوالي 520 كيلومترًا من أوكرانيا، وقاعدة إيفانوفو الجوية لطائرات النقل العسكرية الروسية، على بُعد حوالي 800 كيلومتر من الحدود.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية في بيان لها أن الهجمات – التي وصفتها بـ”الإرهابية” – شُنّت من محيط المطارات، فيما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استخدام 117 طائرة مُسيّرة في العملية، التي تسببت في أضرار تُقدر بـ 7 مليارات دولار، وأصابت 34% من حاملات صواريخ كروز الاستراتيجية الروسية في قواعدها الجوية الرئيسية، وفقًا للاستخبارات الأوكرانية.

ونقلت شبكة “CNN” عن مصدر مطّلع إشارته إلى إصابة 27 طائرة من طراز Tu-95، و4 طائرات من طراز Tu-160، وطائرتين من طراز Tu-22M3، و”على الأرجح” طائرة من طراز A-50، حيث كان لدى روسيا 55 طائرة من طراز Tu-22M3 و57 طائرة من طراز Tu-95 ضمن أسطولها في بداية العام، وفقًا لتقرير “التوازن العسكري 2025” الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وانضمت طائرة Tu-95 إلى القوات الجوية السوفياتية في خمسينيات القرن الماضي، وقد عدّلتها روسيا لإطلاق صواريخ كروز مثل TU-22. [i]

  • في التحليل والنتائج

يقتضي التحليل الكلاسيكي لهذا الهجوم الأوكراني على روسيا أن تجرّد روسيا حملة عسكرية صاعقة على أوكرانيا تستخدم فيها صواريخ Kalibr/NK (3M-54) وهي تشبه صواريخ كروز توماهوك الأمريكية، من سفنها وغواصاتها في بحر قزوين، وصواريخ إسكندر- M وصواريخ إسكندر – SS بالإضافة إلى منظومة أوريشنيك ومنظومتَيْ أفانغارد وكينجال فرط الصوتية. وكذلك استخدام القاذفات الاستراتيجية TU-160 وTU-95 لإثبات عدم تضرّر منظومتها الاستراتيجيّة أمام خصومها ونشر السكينة والطمأنينة لدى الشعب الروسي الذي بُهت من هذا الاختراق الأمني والعسكري وذلك لحفظ هيبة المؤسسة العسكرية الروسية عند الخصوم والحلفاء.

ويقتضي التحليل الكلاسيكي أيضًا أن يكون الهجوم العسكري الروسي ساحقًا (تقليديًّا – نوويًّا تكتيكيًّا) يدمّر مراكز السيطرة والتحكّم والاتصال وقيادة أركان الجيش الأوكراني ووزارة الدفاع ومقرّ الرئاسة والاستخبارات العسكرية الأوكرانية التي قامت بتنفيذ العملية وصولًا إلى إسقاط النظام، قياسًا على ما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان عندما جرّدت حملتها على حركة “طالبان” في نهاية عام 2001 وأزالتها عن الحكم حينئذ.

ويفضي هذا التغيير الجيواستراتيجي إلى تغيير التوازن الجيوسياسي في أوربا.

وفيما دون ذلك، فإنّ الهيبة العسكرية التاريخية للجيش الروسي وهيبة مجتمع المخابرات الروسية في خطر، ممّا يصنع سابقة قد تتكرّر في المستقبل من أوكرانيا بأن تتجرّأ على ضرب السلاح النووي الاستراتيجي الروسي، كما أنّ ذلك سيفضي إلى جُرأة خصوم موسكو عليها، ويثير الهواجس العظيمة عند حلفاء بوتين في الصين وكوريا الشمالية وإيران وبيلاروسيا التي ستنظر بعَيْن الريبة في قدرات المؤسستَيْن العسكرية والأمنية في روسيا، كما أنّه يزيد في طمع الدول الأوربية في إطالة الحرب واستنزاف روسيا أكثر وأكثر، وربّما يحرّض الهمم لدى تيّار في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة إمداد أوكرانيا بالسلاح والتكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية إذا رأوا تعنّتًا من بوتين في مفاوضات السلام مع أوكرانيا.

ولعلّ قائلًا يسأل: ما الذي منع روسيا من إخفاء هذه القاذفات الاستراتيجية وتركها عرِيَّةً عن أنظمة دفاع جويّة لحمايتها، فنقول: مع انتهاء مفاعيل اتفاقية ستارت الجديدة واتفاقية الأجواء المفتوحة، فإنّ روسيا غير ملزمة ببنودها في عدم إخفاء قاذفاتها الاستراتيجية في الحظائر المخصصة لها، غير أنّها أَمِنَتْ غائلة هجوم أوكراني على هذه القواعد ظنًّا منها أنّها عاجزة عن فعل ذلك بسبب بعدها الجغرافي، ولكن من مأمَنِهِ يُؤتَى الحَذِرُ.

أمّا التحليل الكوانتي، فإنّه لمّا كانت هذه الحرب منذ بدايتها يعجز التفسير الكلاسيكي عن تأويلها، فلعلّ في التحليل الكوانتي مخرجًا ومتّسعًا للتفسير.

ولمّا كان المسار الكوانتي يشتمل على الاحتمالات الممكنة كافّة، فإنّنا نعرض بعض الاحتمالات هنا بأن تفضي عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية إلى إقناع الروس بدخول مفاوضات جدّية مع أوكرانيا لبلوغ حلّ تاريخي لعقدة هذه الأزمة المستعصية منذ عام 1992.

كما أنّ التحليل الكوانتي يشتمل على اجتماع أسباب وعوامل حدوث انقلاب على الرئيس الروسي بوتين بحيث يتوافق جنرالات من الجيش مع بعض المنظّرين القوميين الروس يتمالأ بعض شخصيات الأوليغارشيا الروسية وبعض من رجال الكنيسة الأرثوذكسية تسوقهم حَمِيَّتُهُم وعصبيّتهم القومية لإنقاذ الهيبة الروسية التاريخية.

فقد كان الجيش الروسي بعد ملاحقة جيش نابليون بونابارت من موسكو إلى أبواب باريس ومعركة “واترلو” 1815 منقذ أوربا، وكان القيصر الروسي ألكسندر الأوّل الطرف الأقوى في مؤتمر فيينا 1815 الذي دعا إليه وزير خارجية النمسا كليمنس فون مترنيش.

ويعزُّ على القيادات الروسية أن ترى انحدار روسيا وجيشها الكبير إلى بلوغ هذا الدّرك من العجز. فبوتين أمام استخدام القوّة الساحقة وتغيير النظام في أوكرانيا كلاسيكيًّا، أو (معاهدة سلام تاريخية – انقلاب عسكري ثوري كوانتيًّا).


[i] CNN بالعربية. (03 – 06 – 2025). لماذا فشلت موسكو في إجهاض هجوم أوكرانيا “الجريء” داخل العمق الروسي؟.


الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى