الشائع

من وحدة الساحات إلى الاستفراد بكل ساحة... قراءة في استراتيجية التفكيك الإسرائيلي لـ"محور الممانعة"

منذ انطلاقة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، بدا أنّ لحظة تاريخية تتشكل في الإقليم، وأن معادلة “وحدة الساحات” التي طالما ردّدها ما يُعرف بـ”محور المقاومة” تقترب من أن تتحوّل إلى واقع عملي. لكن ما لبثت هذه المقولة أن تبخّرت مع تتابُع الضربات وتكشُّف الاستراتيجية التي اعتمدتها إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة: تفكيك المحور وضربه ساحة تلو الأخرى، من دون أن يتمكّن من الرد بصف واحد كما خطط وكما توعد في أدبياته وخطاباته.

لقد قامت إسرائيل، مدفوعة بدعم غربي غير محدود، بخداع “محور المقاومة” عبر استراتيجية مزدوجة: الإغراق في الحسابات الإقليمية، وتكثيف الضغط العسكري والسياسي المنفصل على كل مكوّن من مكوّناته. فحركة “حماس”، التي خاضت المواجهة الأعنف منذ عقود، تُركت تواجه آلة الحرب وحدها في قطاع غزة، وسط صمت نسبي من الجبهات الأخرى، فيما جرى استنزاف “حزب الله” تدريجيًا على جبهة الجنوب اللبناني بضربات مدروسة لا تصل إلى حد إشعال حرب شاملة، ولكنها تدفع نحو التآكل البطيء والاستنزاف المميت، وصولًا إلى تجريد إسرائيل حملة عسكرية كبيرة ضد الحزب مدفوعة بتفوق تكنولوجي وهيمنة جوية وتقدم استخباراتي أربك الحزب، وأدى إلى اغتيال أمينه العام حسن نصرالله، وتدمير معظم ترسانته الصاروخية في مخازنها التي تمكنت إسرائيل من الوصول إليها، كما تمكنت إسرائيل من تحييد قياديي النخبة لدى الحزب في “قوة الرضوان” من خلال استهداف اجتماع لهم، إضافة إلى تنفيذ عملية أجهزة “البيجر” واللاسلكي الشهيرة، واليوم يبدو الحزب عاجزًا عن المشاركة في الدفاع عن إيران في معركتها، لا بل يبدو عاجزًا عن الرد عن استهداف عناصره ومقاتليه وقادة قطاعاته العسكرية شبه اليومي من قبل إسرائيل.

ولا يفوتنا أن الضربات التي وجهتها إسرائيل إلى النظام السوري السابق والقوات الإيرانية المتواجدة على أراضي سوريا سرّع في عملية سقوطه، وشكل ذلك ضربة قوية جدًا لمحور الممانعة، وقطع طرق الإمداد العسكري التي كانت تستعملها إيران لإيصال السلاح والعتاد العسكري والذخائر إلى حلفائها في المنطقة.

أما إيران، قطب المحور، فتمت مواجهتها بحصار اقتصادي مشدّد وضربات استخباراتية دقيقة في الداخل والخارج، مع الحفاظ على خط عودة سياسي يسمح بتجنب الانفجار المباشر معها، لكنها – في الوقت ذاته – ظلّت عاجزة عن تحويل خطابها الثوري إلى فعل حاسم يربك الحسابات الإسرائيلية ويغيّر قواعد اللعبة، وظلت فكرة وحدة الساحات من دون تطبيق، فمنذ عشرة أيام تتلقى إيران الضربات الإسرائيلية وحيدة منفردة وترد بنفسها باستهداف المدن الإسرائيلية، بعد أن باتت أذرعها مشلولة في المنطقة، فـ”حماس” تعاني من الضربات التي تلقتها ومن اغتيال قادتها ومن الحصار الإسرائيلي المتزايد بعد تدمير قطاع غزة بشكل كامل، أما “حزب الله” فلو سلمنا جدلًا أنه ما زال يملك بعد الصواريخ وشيئًا من القوات العسكرية يستطيع استخدامها في الهجوم على إسرائيل.

اللحظة الضائعة: لماذا لم يضرب المحور ضربة رجل واحد؟

إن الحدث المفصلي المتمثل بـ”طوفان الأقصى” كان يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لتحوّل استراتيجي في المنطقة لو أن “محور المقاومة” استغل التوقيت الفريد وشنّ هجومًا متزامنًا على مختلف الجبهات. فلو شاهدنا مع اندلاع “طوفان الأقصى” هذه الضربات التي تقوم إيران بتوجيهها إلى المدن الإسرائيلية الآن بعد ضربها وضرب برنامجها النووي كمجرد ردّ فعل على استهداف أراضيها وسيادتها، ولو قامت إيران في حينها بإغلاق مضيق هرمز وقطع إمدادات الطاقة عن العالم، للضغط عليه للتدخل ولجم رد الفعل الإسرائيلي، وتزامنت تلك الضربات مع هجوم برّي – صاروخي، وضرب منصات استخراج النفط الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط من قبل “حزب الله”، قبل أن يتلقى ضربات شبه مميتة من إسرائيل، ولو تحرك في تلك اللحظة كل حلفاء إيران في المنطقة أو ما يسمى بأذرع إيران ودخل النظام السوري قبل سقوطه في الحرب، لتمكن المحور من صناعة فارق وتغيير الوقائع الجيوسياسية في المنطقة والشرق الأوسط ولكن لصالحه.

التوافق الزماني والعوامل المادية في صناعة الحدث التاريخي

ذلك ما يسميه رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف بـ”التوافق الزماني” وقد تحدث عنه في كتابه الأخير “السياسة: القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية”؛ وهو التقاء عاملين حاسمين أو أكثر في لحظة زمنية معينة تؤدي إلى أحداث جيوسياسية تفرضها العوامل المادية التي تصنع الحدث التاريخي ولا يستطيع الحدث أن يشذّ عنها، فوجود حكومة إسرائيلية يمينية متشددة برئاسة بنيامين نتنياهو، واندلاع حدث عسكري كبير يعصف بالوضع القائم والذي هو “طوفان الأقصى”، تزامنا معًا ما أدى إلى هذه النتيجة الحتمية، لأن نتنياهو، الذي يقود أكثر الحكومات تشدّدًا في تاريخ إسرائيل، ليس مستعدًا لأي تسوية لا تنتهي بالقضاء على خصوم إسرائيل تمامًا، ويؤمن بالعنف كوسيلة وحيدة لضبط الجبهات.

وهكذا وجد نتنياهو بعد السابع من أكتوبر 2023 الفرصة سانحة لينفذ مخططاته في ضرب كل الدول والمنظمات والجماعات المسلحة التي يرى فيها خطرًا على وجود إسرائيل، لا سيما “حزب الله” اللبناني، والبرنامج النووي الإيراني.

وفي الحقيقة لو كانت أي حكومة أخرى تحكم إسرائيل غير حكومة نتنياهو لكانت استجابتها مختلفة أمام أحداث السابع من أكتوبر ولكانت النتائج الجيوسياسية مختلفة كليًا، ولكن هذه النتائج التي وصلنا إليها اليوم تبقى محكومة بالقوانين المادية الموضوعية.

خداع المقاومة: بين الشعارات والوقائع

لقد بدا واضحًا أن إسرائيل نجحت، عبر أدواتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية، في فصل الساحات بعضها عن بعض، وجرّ كل طرف إلى معركة تخصه وحده، في توقيت تتحكم هي به لا المحور. فشعار “وحدة الساحات” تحوّل في واقع الأمر إلى وحدة خطاب فقط، فيما بقيت الجبهات الأخرى – من اليمن إلى العراق إلى لبنان – رهينة الحسابات، مترددة بين الدعم الخطابي والتدخل المحدود، ما جعل إسرائيل تتفرد بكل ساحة ضربًا وقصفًا واغتيالًا وتصفية للقادة من دون تدخل الساحات الأخرى.

والأسوأ من ذلك، أن هذا التفكك الواضح جاء في ظل تزايد القناعة الشعبية بأن “الممانعة” هي مجرد عنوان فارغ إن لم يُترجم إلى فعل منسّق ومؤثر. وبهذا، لا يعود تفكيك المحور مجرد نصر إسرائيلي عسكري، بل نجاح في تقويض مصداقية مشروع المقاومة ككل.

ما بعد خداع الساحات

لقد أظهرت الشهور التي تلت “طوفان الأقصى” أن الخطورة لا تكمن في قوة إسرائيل العسكرية وحدها، بل في قدرتها على تفكيك خصومها نفسيًا واستراتيجيًا، وضربهم فرادى، وإذا لم يُعد النظر في منطق التنسيق، وفي معادلة الردع، وفي ضرورة استثمار اللحظات التاريخية الفارقة، فإن ما تبقى من “وحدة الساحات” سيتحول إلى سردية مهزومة تُستحضر في المهرجانات فقط.


الدكتور عماد غنوم

أستاذ جامعي وباحث أكاديمي ومُشرف على الندوات والمؤتمرات التي يُقيمها المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، بيروت - لبنان. يعمل محاضرًا في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية وآدابها. شارك في عدد من المؤتمرات الدولية في لبنان والعالم العربي وفرنسا. له عدد من الأبحاث المحكمة المنشورة في مجلات عربية ودولية. له عدد من المقالات المنشورة في الصحف المحلية والعربية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى