الشائع

تحصين درع أوروبا.. نحو الاستقلالية الاستراتيجية في ظلّ تحول السياسة الدفاعية الأمريكية

في كتابهEpitoma Rei Militaris ، يذكر المؤلف الروماني Publius Flavius Vegetius ما يلي “Igitur quī dēsiderat pācem, praeparēt bellum“؛ بمعنى “لذلك، من يرغب في السلام، فليستعد للحرب”. تحافظ هذه المقولة على أهميتها الفريدة بالنسبة لأوروبا المعاصرة، حيث يجب على الدولة أن تمتلك قدرات عسكرية موثوقة لضمان “الستاتيكو” القائم وردع الأعداء المحتملين.

في الواقع، وفي خضم موازين القوى المتغيرة والتوترات الإقليمية المتصاعدة في القارة الأوروبية، فإن الاستعداد الدفاعي شرط لا غنى عنه. وفي أعقاب التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو منطقة المحيطين الهندي    والهادئ 1,2 في ظل إدارة ترامب الجديدة، تواجه أوروبا خيارًا حاسمًا. فإما تحصين دفاعاتها من أجل تحقيق الردع الموثوق والاستقلالية الاستراتيجية أو المخاطرة بالتأخر أكثر في ميزان القوى. لذلك، من أجل مواجهة التحديات الناشئة في بيئة جيوسياسية متغيرة، يجب على أوروبا معالجة أوجه القصور التكنولوجية والتقنية وإعادة بناء قدراتها العسكرية، بما يضمن لها الوقوف على قدم المساواة مع القوة العسكرية للصين وروسيا. وقد تردد صدى هذا الإلحاح في مارس 20251 على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي أكدت على ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية. وبما أنه لا توجد في الوقت الحاضر دولة أوروبية واحدة لديها القدرة على الظهور كقوة عظمى واحدة، يجب على الدول الأوروبية إعطاء الأولوية للدفاع الجماعي، مع القيام في الوقت نفسه بإجراء تحسينات منهجية وتدريجية لقدراتها الدفاعية الوطنية.

الجدول 1: مقارنة بين القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وأقوى 7 قوى عسكرية أوروبية متحالفة مع الولايات المتحدة (باستثناء أوكرانيا) وفقًا لمنشئ التحالفات في .Global Firepower3

وفقاً لتصنيف القوة العسكرية لعام 2025 الصادر عن4Global Firepower  أقوى 7 قوى عسكرية أوروبية متحالفة مع الولايات المتحدة (باستثناء أوكرانيا) هي المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وبولندا والسويد.

الولايات المتحدة الأمريكية أقوى 7 دول أوروبية من حيث التقييمالفئات
21275002908762إجمالي الإمكانيات البشرية المؤهلة للخدمة العسكرية
130434150القوة الجوية
46401976الدبابات
391963348459مركبات القتال المدرعة (AFVs)
6711167المدافع ذاتية الدفع (SPGs)
1212521المدفعية
641288مدفعية الصواريخ
4401134القوات البحرية
170549000183204000القوى العاملة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تراجعت الدول الأوروبية بشكل كبير من حيث القوة والقدرة العسكرية، واعتمدت بشكل متزايد على الولايات المتحدة لتوفير مظلة دفاعية ضد التهديدات المُتوقّعة5,6.

Table 1  يقدم تحليلًا مقارنًا للقدرات العسكرية بين الولايات المتحدة وأقوى 7 قوى عسكرية أوروبية حسب موقع “غلوبال فاير باور”4. وتكشف البيانات عن وجود فجوة واضحة في القدرات، حيث أنّه يجب أن تكون الدول السبع مجتمعةً لتوزان الولايات المتحدة عسكرياً، إلا أنها لا تستطيع أن تتفوق عليها في مجالات رئيسية مثل القوة الجوية والدبابات والمركبات والمدفعية. لا يمكن لأي من الدول السبع بمفردها أن تضاهي القوات البحرية الأمريكية، حيث سجلت السويد (308) وإيطاليا (313) أقرب مؤشرات القوة للولايات المتحدة، وفقاً لـ Global Firepower، حيث تمتلك الولايات المتحدة أفضلية حاسمة في الأصول البحرية الأساسية، حيث أنها تشغل 11 حاملة طائرات، بينما تمتلك القوى الأوروبية السبع الكبرى (باستثناء أوكرانيا) مجتمعة ست حاملات فقط؛ واحدة تملكها فرنسا، واثنتان تملكهما إيطاليا، وواحدة تملكها إسبانيا، واثنتان تملكهما المملكة المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تشغيل 70 غواصة، مقارنةً بمجموع الغواصات التي يمتلكها التحالف الأوروبي مجتمعًا والبالغ 39 غواصة، ولا تمتلك أي دولة أوروبية من السبع 10 غواصات أو أكثر. أما فيما يتعلق بالمدمرات، فإن فرنسا (11) وإيطاليا (3) والمملكة المتحدة (6) هي فقط من تمتلك مثل هذه المدمّرات، بمجموع تراكمي يبلغ 20 مدمّرة للتحالف الأوروبي، وهو أقل بكثير من 81 مدمّرة تمتلكها الولايات المتحدة

(أنظر إلى.(Annex 1 من حيث القوة الجوية، تحتفظ الولايات المتحدة بتقدم كبير على التحالف، حيث تشغل 13,043 طائرة مقارنة بإجمالي 4,150 طائرة للتحالف السباعي. وتجدر الإشارة إلى أن أياً من الدول الأوروبية التي شملتها العينة لا تمتلك القدرة على تشغيل 1000 طائرة أو أكثر بشكل منفرد، حيث تمتلك فرنسا أكبر قوة جوية أوروبية بـ 976 طائرة (أنظر إلىAnnex 2).

خلال القرن العشرين، برزت القوة البحرية والجوية كعاملين حاسمين في الحرب الحديثة، حيث لعبا دورًا جوهريًّا في حسم نتائج المعارك، ومكّنا من استعراض القوة العالمية. تاريخياً، كانت القوة البحرية أمراً لا غنى عنه لتحقيق الهيمنة العالمية7,8, في حين ازدادت أهمية الطيران العسكري خلال الحرب العالمية الأولى، ليضطلع بدور محوري في نهاية المطاف بحلول الحرب العالمية الثانية 9. وخلال ذلك الصراع، أصبح تكامل القدرات البحرية والجوية رأس الحربة العسكرية في حرب المحيط الهادئ بين الولايات المتحدة واليابان، مما أظهر مستقبل الحرب الحديثة10,11. أعادت الأساطيل المتمركزة على حاملة الطائرات تعريف الاستراتيجيات القتالية، حيث تطورت حاملة الطائرات لتصبح الأصل الهجومي الرئيسي؛ حيث تطلق مجموعة متنوعة من الطائرات من قاذفات القنابل إلى المقاتلات وطائرات الاستطلاع، مما يوسع نطاق العمليات ويحدث نقلة نوعية استراتيجية في الحرب الحديثة، ويزيد من مدى وقدرة ضرب أهداف العدو باستخدام القوة الجوية12.

بعد مرور ثمانين عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت الأهمية الدائمة للقوة البحرية والجوية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمع تحول التفوق الجغرافي إلى أحد أهم العوامل في الحرب الحديثة، فإن القدرة على نشر الطائرات في أي مكان في العالم عبر حاملات الطائرات تمنح مزايا استراتيجية كبيرة تتجاوز بكثير تلك التي توفرها عمليات التزود بالوقود أثناء الطيران وحدها. وتتجسد هذه الميزة بشكل فريد في الولايات المتحدة الأمريكية التي تشغل 11 حاملة طائرات (أنظر إلى (Annex 1 مما يتيح لها قدرات انتشار عالمية لا مثيل لها. وعلاوة على ذلك، فإن الأصول مثل الغواصات والمدمرات تكمل قدرات الإسقاط الهجومي البحري والقدرات الدفاعية البحرية، من خلال تمكينها من إطلاق الصواريخ ضد الأهداف البرية والسفن المعادية وحتى الطائرات العسكرية، وبالتالي فهي بمثابة حربة ودرع في الصراع الحديث. بالإضافة إلى ذلك، يتم تجهيز الغواصات ذات القدرة النووية لإطلاق الصواريخ الباليستية النووية، مما يزيد من توسيع نطاق الردع النووي، حيث لا تمتلك مثل هذه الغواصات في أوروبا سوى فرنسا والمملكة المتحدة .13 في حين أن الضربة الأوكرانية الأخيرة على القاعدة العسكرية الروسية في سيبيريا التي تضم قاذفات قنابل بعيدة المدى ذات قدرة نووية14 سلّطت الضوء على الأهمية المتزايدة لحرب الطائرات بدون طيار، وتظل المزايا الاستراتيجية التي توفرها الأساطيل المتمركزة على حاملات الطائرات والتفوق الجوي الذي تحققه الطائرات المقاتلة الحديثة عوامل حاسمة في الحرب الحديثة.

إن العجز الواضح في القدرات القتالية الجوية والبحرية لأوروبا في مجال القتال الجوي والبحري، بالإضافة إلى عدم تقدمها في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار والحرب يوضح ضعف قوتها العسكرية طوال القرن العشرين.

وعلى الرغم من بعض النجاحات العسكرية الوطنية مع مقاتلات الجيل الرابع، مثل الرافال الفرنسية، وميراج 2000 القديمة من داسو للطيران، وكذلك السويدية ساب غريبين، ومقاتلة يوروفايتر تايفون متعددة الجنسيات (التي صنعتها المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا)، لا تزال أوروبا تفتقر إلى طائرة مقاتلة من الجيل الخامس قادرة على التخفي، خاصة في ظل العمل التمهيدي الجاري على تطوير مقاتلات الجيل السادس. أما بالنسبة للمدرعات الحربية، فتعتبر الدبابة الألمانية ليوبارد 2A7 واحدة من أكثر الدبابات تقدماً على مستوى العالم، حتى أنها تتفوق على الدبابة الأمريكية الصنع M1 أبرامز وفقاً لبعض الخبراء العسكريين. وفي الوقت نفسه، لا تزال دبابة لوكلير الفرنسية قادرة على المنافسة، في حين أن دبابة تشالنجر 2 البريطانية، على الرغم من قدراتها الكامنة، تتطلب تحديثاً كبيراً لتلبية متطلبات الحرب المعاصرة. وعلى النقيض من ذلك، يتم تقييم الدبابة الإيطالية “أرييتي” بشكل عام على أنها أقل قدرة من نظيراتها الأوروبية 15.علاوة على ذلك، تكافح القوى العسكرية الأوروبية السبع الكبرى (باستثناء أوكرانيا) لمضاهاة مخزونات الدبابات الأمريكية من حيث العدد، والتي تزيد عن 4 أضعاف تقريبًا. وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا من قبل ألكسندر بوريلكوف وجونترام وولف، ستحتاج أوروبا إلى ما لا يقل عن 300,000 جندي إضافي وزيادة سنوية في ميزانية الدفاع بقيمة 250 مليار يورو (272.65 مليار دولار) لمضاهاة القدرات العسكرية الأمريكية16. وأخيراً، تتكون أوروبا من كيانات وطنية متمايزة ذات سياسات ومصالح مختلفة، مما يعقد الجهود الرامية إلى إنشاء إطار عسكري موحد. وبالتالي، ينبغي التركيز على تعزيز السياسات الدفاعية الوطنية وتعزيز المبادرات التعاونية متعددة الأطراف، للتخفيف من الفوارق التكنولوجية والمالية بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة والقوى العظمى العالمية الناشئة.

تقف أوروبا على مفترق طرق حاسم في بنيتها الدفاعية، وتتصرف بحزم لتظل قادرة على المنافسة في البيئة الدولية الحالية. فهل ينبغي لها أن تسعى إلى تشكيل جيش أوروبي متكامل تماماً، أو أن تركز بدلاً من ذلك على تعزيز قابلية التشغيل البيني لقواتها الوطنية القائمة من خلال تنظيمها في ألوية وطنية يقودها ضباط وطنيون، مع تنسيق استراتيجي يوفره ضباط عسكريون معينون من الاتحاد الأوروبي؟

تقرير دراغي 17 يعالج جزءًا من معضلة الدفاع في أوروبا، ويقترح تقليل الاعتماد على الأسلحة المصنوعة في الولايات المتحدة، ويوصي باستثمارات كبيرة في صناعة الدفاع الأوروبية؛ مع التركيز على توحيد المعدات وبروتوكولات التدريب لتحسين قابلية التشغيل البيني داخل الاتحاد الأوروبي وبين أوروبا وحلف الناتو. وفي حين أن الطموح إلى توحيد إنتاج الأسلحة الأوروبية بشكل كامل يبدو مثاليًا في الوقت الحالي، فإن البديل الأكثر واقعية يكمن في تعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية من خلال زيادة الاستثمارات وتعميق التعاون الأوروبي. مثل هذا النهج من شأنه أن يعزز القدرات الدفاعية لأوروبا، وبالتالي دفع القارة العجوز نحو موقف عسكري أكثر تنافسية. وبالمثل، على الرغم من الاستفادة من الحرب الروسية الأوكرانية والتهديد الروسي المحتمل الذي كان بمثابة حافز لإعادة تسليح الدول الأوروبية، فإن إنشاء جيش أوروبي موحد يبدو احتمالاً بعيد المنال. إن إنشاء جيش أوروبي ليس فقط غير واقعي في الوقت الحاضر، ولكنه أيضًا يتحدى بشكل مباشر جوهر هوية الدولة القومية الأوروبية، وهو مفهوم راسخ بقوة منذ صلح وستفاليا عام 164818. وعلاوة على ذلك، فإن ذلك من شأنه أيضًا أن يقوض مبادئ سيادة الدول وسلامة أراضيها، وهي المبادئ التي غالبًا ما يدعي منتقدو الاتحاد الأوروبي أنها تتآكل بالفعل. لذلك، فإن تعزيز الجيوش الوطنية مع تعزيز أطر التعاون الأعمق قد يكون الحل الأكثر قابلية للتطبيق. وعلى هذا النحو، سيقوم كبار القادة العسكريين من كل دولة بالمشاركة في انتخاب أو تعيين “جنرال أعلى” بشكل مشترك ليكون القائد الأعلى لجيش “التحالف” متعدد الجنسيات، مما يتيح التنسيق الموحد والنشر الأمثل للموارد العسكرية. في إطار هذا النموذج التعاوني، يمكن أن تشكل العمود الفقري للقوة العسكرية في أوروبا دول رئيسية مثل فرنسا بصناعتها الدفاعية القوية، والمملكة المتحدة التي تعطي الأولوية في ظل حكومة حزب العمال الجديدة للاستعداد للمعركة وتجديد قطاعها الدفاعي19, ألمانيا، التي أشارت إلى زيادة استثماراتها العسكرية لتعزيز مكانتها كأقوى قوة عسكرية في أوروبا 20,21وبولندا، التي تعمل بنشاط على بناء واحدة من أقوى القوات العسكرية في أوروبا 16,22. في شمال أوروبا، تُظهر فنلندا والسويد بالفعل قدرات عسكرية متطورة23,24 وتمتلكان القدرة على تحقيق المزيد من التطور. ومن بين هذه الدول، تمتلك فرنسا والمملكة المتحدة أكثر الأساطيل جاهزية للقتال )انظر إلى Annex 1) مع إمكانية تطويرها أكثر من ذلك. ومع ذلك، تظل قدراتها الحالية غير كافية لامتلاك حضور رادع موحد عبر المياه الأوروبية، أو حتى لإبراز قوتها على الصعيد العالمي؛ خاصة عند مقارنتها بالقوات البحرية للولايات المتحدة والصين وروسيا (أنظر إلى Annex 4 ) .بالإضافة إلى ذلك، في حين أن الصين قد تنشر عددًا أكبر من القطع البحرية مقارنة بالولايات المتحدة، إلا أن القوة الأساسية للأسطول الأمريكي، وخاصة قدرات حاملة الطائرات، لا تزال لا مثيل لها. وبالمثل، فإن روسيا تنافس إلى حد كبير القوة البحرية الأمريكية من خلال أسطولها البحري الواسع، الذي يسمح لها بالاقتراب من قوة الأسطول الأمريكي وقدراته الاستراتيجية، وإن لم تكن مساوية لها )أنظر إلى Annex 3) .تؤكد هذه التباينات على ضرورة قيام أوروبا، كمجموعة، بتعزيز قوتها البحرية الرادعة من أجل إبراز قوتها عبر البحار والمحيطات الأوروبية؛ في شمال المحيط الأطلسي، وبحر الشمال، وبحر النرويج، وبحر البلطيق، والبحر الأسود، والبحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، يجب على إسبانيا والبرتغال إعادة تنشيط وإعادة بناء أسطوليهما التاريخيين اللذين كانا عظيمين في السابق، في حين من المتوقع أن تضطلع السويد وفنلندا والنرويج والدنمارك بأدوار محورية في حماية بحار الشمال وبحر البلطيق.

علاوة على ذلك، من الضروري تعزيز قدرات النقل العسكري الداخلي في أوروبا من خلال تحسين البنية التحتية للنقل. وبالاستلهام من السوابق التاريخية مثل بناء روما لطريق “فيا أبيا” خلال حروب السامنيين، الذي كان ضرورياً للانتشار السريع للقوات، يجب أن تعطي استراتيجية الدفاع الأوروبية الحديثة الأولوية للشبكات اللوجستية الفعالة لضمان الاستجابة العسكرية السريعة والنقل الفعال للقوات عبر القارة.

ولمعالجة القيود التكنولوجية والاقتصادية التي تواجهها، يجب على أوروبا أن تكثف التزامها بمشاريع الدفاع متعددة الجنسيات، مثل نظام القتال الأرضي الرئيسي الفرنسي الألماني (MGCS)، وهو تعاون بين أربع شركات دفاع أوروبية كبرى هي: KNDS Deutschland، KNDS فرنسا، Rheinmetall Landsysteme، و25,26 Thales، بالإضافة إلى النظام الجوي القتالي المستقبلي (FCAS) بقيادة فرنسا وألمانيا وإسبانيا. يهدف المشروع الأخير إلى تطوير طائرة شبح مقاتلة من الجيل السادس مدعومة بمركبات جوية غير مأهولة (ناقلات جوية عن بُعد) ومدمجة في سحابة ذكاء اصطناعي لتمكين تبادل البيانات والتنسيق السلس؛ بمساهمات رئيسية من شركة داسو للطيران وإيرباص وإندرا سيستماس وتاليس وMBDA وMTU Aero Engines وغيرها.27 برنامج آخر للجهود المشتركة هو البرنامج الجوي القتالي العالمي، وهو مبادرة تعاونية بين المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان؛ حيث تشارك فيه شركة BAE Systems، وشركة ليوناردو، وشركة تعزيز صناعة الطائرات اليابانية28. ومع ذلك، فإن وجود مبادرتين مختلفتين للطائرات الشبح النفاثة يكشف عن وجود تحدٍ كبير في التعاون الدفاعي الأوروبي. تقوض هذه الاستراتيجية الكفاءة المحتملة من حيث التكلفة والتآزر التشغيلي الذي يمكن تحقيقه من خلال نهج أكثر تماسكًا، حيث إن كل مشروع من المشروعين[أ‌] يكبّد تكاليف كبيرة كلّ على حدة. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن المنافسة تحفز الابتكار، فإن أوروبا لا تستطيع تحمل تكاليف المبادرات المشتتة في الوقت الحالي. وبالفعل، على الرغم من نجاح شركتي داسو للطيران وساب في تطوير طائرات من الجيل الرابع عالية الفعالية، إلا أن التكاليف الكبيرة ومتطلبات الموارد اللازمة لتطوير طائرات الجيل الجديد تجعل التعاون أمراً لا غنى عنه للحفاظ على القدرة التنافسية.

ومن الناحية المثالية، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يبتعد عن فرض سياسات موحدة تنتهك السيادة الوطنية وبالتالي تقليل الاحتكاك الداخلي. ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يتطور إلى كتلة اقتصادية وعسكرية متكاملة تمامًا، وذلك باحتضان التنوع الثقافي لدوله، وإعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي والعلمي والعسكري. مثل هذا التحول لن يمكّن أوروبا من تعزيز قدراتها الدفاعية فحسب، بل سيؤسس أيضًا إطارًا قويًا يركز على الحفاظ على السلام من خلال الردع الفعال. ومن خلال الحد من اعتماد أوروبا على الضمانات الأمنية الأمريكية، فإن هذا التحول الاستراتيجي من شأنه أن يعزز موقفًا دفاعيًا أكثر استقلالية متحررًا من الحاجة إلى الالتزام بتوجيهات السياسة الأمريكية.

وأخيراً، يجب ألا يأتي الاستعداد للحرب على حساب الاستقرار الداخلي. يجب على الحكومات الأوروبية أن تحافظ على اقتصادات قوية وأنظمة رفاه اجتماعي قوية للحفاظ على الرضا العام ومنع عدم الاستقرار المدني. من المرجح أن تؤدي المصاعب الاقتصادية إلى جانب التركيز العسكري المتزايد إلى توليد السخط والقلق المجتمعي. وفي حين أنه من المهم الحفاظ على وضع دفاعي موثوق به، إلا أنه من الضروري أيضًا تعزيز بيئة من السلام، حيث يمكن للمواطنين متابعة التقدم العلمي والتقدم الاجتماعي دون الخوف المباشر من الصراع المسلح، ومع ذلك يظلون على استعداد للدفاع عن الحدود الوطنية إذا لزم الأمر. وفي هذا الصدد، يقدم نموذج سويسرا للحياد المسلح نمطًا مثاليًا في هذا الصدد، حيث التزمت بالحياد منذ القرن السادس عشر29 ، ولم تشترك في نزاع مسلح منذ عام 181529,مع الحفاظ على الاستعداد العسكري ضد أي تهديد محتمل.

لا يدعو هذا المقال، تحت أي ظرف من الظروف، إلى الحرب. بل يؤكد على ضرورة أن تتقدم أوروبا علميًا وعسكريًا على حد سواء، مع بقاء الصراع المسلح كملاذ أخير. في بيئة عالمية تتسم بتغير ديناميكيات القوة وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يجب على القارة العجوز أن تعطي الأولوية لتطوير قدرات عسكرية ذات مصداقية للحفاظ على الأهمية الاستراتيجية.

وبالتالي يجب على أوروبا أن تتبنى مقاربات أكثر براغماتية وأن تبتعد عن الأطر العاطفية والأيديولوجية الجامدة في السياسة الخارجية. وبالفعل، تجد الدول الأوروبية نفسها في مفترق طرق، حيث تعيد الولايات المتحدة توجيه تركيزها نحو الشرق، وتستمر الحرب الروسية الأوكرانية في تهديد الاستقرار في المنطقة. لذلك يجب على أوروبا سد الثغرات التكنولوجية والعسكرية، وتسخير البرامج العسكرية الجماعية لتأمين السلام من خلال الاستعداد للحرب. ويجب أن تكون هذه الجهود مصحوبة بدبلوماسية ذكية، باستخدام الردع كأداة للحفاظ على السلام، وليس كمبرر لفرض سياسات خاطئة واستفزازية. 

الببليوغرافيا

1.        Leyen, D., By, S. & Bravo, R. EU Needs Surge for Defense From Russia. Bloomberg https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-03-18/eu-needs-surge-for-defense-against-russia-von-der-leyen-says (2025).

2.        Dudik, A. & Hornak, D. US Won’t Quit NATO But May Pivot From Europe, NATO Admiral Says. Bloomberg https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-02-17/us-won-t-quit-nato-but-may-pivot-from-europe-nato-admiral-says (2025).

3.        Global Firepower. Global Firepower Coalitions Builder. Global Firepower https://www.globalfirepower.com/coalitions.php (2025).

4.        Global Firepower. 2025 Military Strength Ranking. Global Firepower https://www.globalfirepower.com/countries-listing.php (2025).

5.        Hasselbach, C. 80 years after WWII: Is the US turning its back on Europe? DW https://www.dw.com/en/80-years-after-the-end-of-world-war-two-is-the-us-turning-its-back-on-europe/a-72461499 (2025).

6.        Hitchcock, W. I. The Struggle for Europe: The Turbulent History of a Divided Continent, 1945-2002. (Doubleday, 2003).

7.        Flint, C. Near and Far Waters : The Geopolitics of Sea Power. (Stanford University press, 2024).

8.        Gilpin, R. War and Change in World Politics. (Cambridge University Press, Cambridge, 1981).

9.        Heuser, B. The Evolution of Strategy: Thinking War From Antiquity to the Present. (Cambridge University press, Cambridge, 2010).

10.      Morison, S. E. History of US Naval Operations in World War II – Victory in the Pacific. vol. 14 (Atlantic Monthly Press, 2002).

11.      Lundstrom, J. The First Team: Pacific Naval Air Combat from Pearl Harbor to Midway. (Naval Institute Press, Annapolis, 2005).

12.      Reynolds, C. G. The Fast Carriers : The Forging of an Air Navy. (Robert E. Krieger Publishing CO., Inc., New York, 1978).

13.      Higgins, M. In data: Could Britain and France’s nuclear weapons protect Europe? CHATHAM HOUSE https://www.chathamhouse.org/publications/the-world-today/2025-06/data-could-britain-and-frances-nuclear-weapons-protect-europe (2025).

14.      Reuters, Balmforth, T. & Faulconbridge, G. Ukraine attacks Russian nuclear-capable bombers in Siberia. Reuters https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/ukraine-attacks-russian-nuclear-capable-bombers-siberia-2025-06-01/ (2025).

15.      The Munich Eye. Ranking Europe’s Best Tanks: How the Bundeswehr’s Leopard Stands Out. The Munich Eye https://themunicheye.com/ranking-europes-best-tanks-leopard-bundeswehr-18333 (2025).

16.      EurAsian Times Desk. Europe Plans $872 Billion ‘Rearmament Package’ Amid U.S. Threats; Can It Step Up To Meet Russian Challenge? The EurAsian Times https://www.eurasiantimes.com/as-europe-braces-for-872-billion-rearmament/ (2025).

17.      Chevreuil, A. & Steinberg, F. Strengthening European Defense in an Era of US Retrenchment: Insights from the Draghi Report. Georgetown Journal of International Affairs https://gjia.georgetown.edu/2025/04/09/strengthening-european-defense-in-an-era-of-us-retrenchment-insights-from-the-draghi-report/ (2025).

18.      Phillips, A. The Peace of Westphalia. in The Oxford Handbook of History and International Relations 544–559 (Oxford University Press, Oxford, 2023). doi:https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780198873457.013.36.

19.      Stacey, K., Sabbagh, D. & Walker, P. Keir Starmer vows to make Britain ‘battle-ready’ as he unveils defence spending plans. The Guardian https://www.theguardian.com/politics/2025/jun/02/keir-starmer-refuses-date-uk-spend-3-gdp-defence (2025).

20.      Siebold, S. & Jones, G. Germany says it will step up military role in NATO amid increased uncertainty. Reurters https://www.reuters.com/world/europe/germany-says-it-will-step-up-military-role-nato-amid-increased-uncertainty-2025-04-28/ (2025).

21.      Inayatullah, S. D., AP, AFP, dpa & Reuters. Germany aims to have ‘strongest’ military in Europe — Merz. DW https://www.dw.com/en/germany-aims-to-have-strongest-military-in-europe-merz/a-72546478 (2025).

22.      Ryan, J. Europe’s race to rearm is pointless if its adversaries are waging war online. The Guardian https://www.theguardian.com/commentisfree/2025/apr/15/us-europe-military-spending-trump-ireland (2025).

23.      Drozdiak, N., Rolander, N. & Laikola, L. Sweden’s NATO Accession Unlocks Defense Options to Fend Off Russia. Bloomberg https://www.bloomberg.com/news/articles/2024-03-07/sweden-nato-accession-helps-alliance-plan-defenses-against-russia?srnd=europe-politics (2024).

24.      Kauranen, A. Factbox: What can Finland’s armed forces and arsenal offer NATO? Reuters https://www.reuters.com/world/europe/what-can-finlands-armed-forces-arsenal-offer-nato-2023-04-04/ (2023).

25.      Martin, T. Future European tank to be built by 4-party French and German industry venture. Breaking Defense https://breakingdefense.com/2024/04/future-european-tank-to-be-built-by-4-party-french-and-german-industry-venture/ (2025).

26.      Newdick, T. New Franco-German Tank Project Takes Shape With Industry Team Confirmed. The War Zone https://www.twz.com/land/new-franco-german-tank-project-takes-shape-with-industry-team-confirmed (2025).

27.      Swann, J. The FCAS Programme Explained-A Beginner’s Guide. Defense iQ https://www.defenceiq.com/air-forces-military-aircraft/articles/the-fcas-programme-explained-a-beginners-guide (2025).

28.      Martin, T. GCAP partners form joint venture to deliver next-gen fighter for UK, Japan and Italy. Breaking Defense https://breakingdefense.com/2024/12/gcap-partners-form-joint-venture-to-deliver-next-gen-fighter-for-uk-japan-and-italy/ (2024).

29.      Sherman, G. E. The Neutrality of Switzerland. Am J Int Law 12, 241–250 (1918).

 :Annex 1 الأصول البحرية الرئيسية للولايات المتحدة وأقوى حلفائها الأوروبيين (باستثناء أوكرانيا) Source: Global Firepower حاملات الطائرات الغواصات المدمرات  الملحق

 : Annex 2 مقارنة بين إجمالي عدد الطائرات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الرئيسيين (باستثناء أوكرانيا)
المدمرات
الغواصات
حاملات الطائرات
Annex 3 : مقارنة للأصول البحرية العسكرية الرئيسية للولايات المتحدة والصين وروسيا 
إجمالي أصول القوات البحرية
 :Annex 4 مقارنة لإجمالي الأصول البحرية للولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى العسكرية الأوروبية السبع الأقوى المتحالفة مع الولايات المتحدة (باستثناء أوكرانيا)

[أ‌] في هذه الحالة نحن نتحدث عن مشروعي FCAS وCGAP


ألبير بو خليل

باحث مقيم ومسؤول عن الدائرة الجيوسياسية الأوروبية في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حاصل على درجة البكالوريوس في التاريخ والعلاقات الدولية، والماجستير في الجغرافيا مع تخصص في البيئة وتخطيط/ تجهيز/تنمية الأراضي. طالب دكتوراه في الجغرافيا مع تخصص في البيئة وتخطيط/ تجهيز/تنمية الأراضي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى