الشائع

تفكيك الترسانات النووية السوفياتية... حين تفرض الدول الكبرى قواعد النظام الدولي

عقب انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، ظهرت أوكرانيا، بيلاروسيا، وكازاخستان كجمهوريات مستقلة، وورثت منه أجزاءً من الترسانة النووية السوفياتية التي بقيت على أراضيها بعد سقوطه.

لكن سرعان ما قررت هذه الدول الثلاث، في خطوة حاسمة، الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية العائدة لعام 1991، وتفكيك برامجها النووية، والتخلي عن ترساناتها لصالح روسيا بوصفها “وريثة الاتحاد السوفياتي”، حيث ورثت مكانته كقوة عظمى ومقعده الدائم في مجلس الأمن الدولي وحق النقض (الفيتو).

وقد تم ذلك بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر برنامج “Nunn–Lugar” أو “برنامج الحد من التهديد التعاوني”، الذي أطلق عام 1991 لتقديم الدعم المالي والتقني لدول الاتحاد السوفياتي السابق بهدف تفكيك أسلحتها النووية ومخزوناتها من المواد الانشطارية[1].

في المقابل، حصلت أوكرانيا وبيلاروسيا على ضمانات أمنية بموجب “مذكرة بودابست” 1994، والتي تعهدت فيها روسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، باحترام سيادة واستقلال الدولتين، مقابل تخليهما عن السلاح النووي.  

فقد قامت أوكرانيا التي ورثت ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم عن الاتحاد السوفياتي، وكذلك كازاخستان التي كانت موقعًا لمئات التجارب النووية السوفياتية بين عامي 1949 و1989، وأيضًا بيلاروسيا التي كانت تخطط لبناء محطة للطاقة النووية في ثمانينيات القرن العشرين وتملك 81 صاروخًا نوويًا أحادي الرأس، بتفكيك برامجها النووية وأفرغت أراضيها من الترسانة النووية السوفياتية طواعيةً لروسيا حتى أصبحت السيطرة عليه بالكامل بيد موسكو[2].

وفي هذا الإطار، قال مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في يوليو 2025: “لو لم تتخلّ أوكرانيا عن السلاح النووي بعد استقلالها في عام 1991، لما سمح المجتمع الدولي بوجودها كدولة مستقلة”. موضحًا أن “أوكرانيا لم تكن تملك السيطرة التشغيلية على هذه الترسانة، بل كانت تحت سلطة موسكو”[3].

فهل كان قرار أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان بالتخلي عن ترساناتها النووية خيارًا سياديًا حرًا؟ أم أن طبيعة النظام الدولي فرضت هذا القرار كشرط  لوجودها واستقلالها كدولة؟

يكشف تصريح غروسي بوضوح حجم الضغوط غير المباشرة التي أُحيطت بهذه الجمهوريات الناشئة، ذات القدرات السياسية والاقتصادية المحدودة. وأن التخلي عن السلاح النووي كان شرطًا أساسيًا للاعتراف الدولي والاستمرار كدولة مستقلة ضمن النظام الدولي الذي تقوده القوى الكبرى أو الأقطاب حينها: الولايات المتحدة وروسيا “وريثة القطب السوفياتي”.

وهذا ما يتطابق بدقة مع قواعد النظام الدولي التي وضعها رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، في كتابه “جوهر النظام الدولي”، الذي يكشف فيه أنّ النظام الدولي يخضع لدورات تاريخية تنقسم إلى 3 عهود هي:

  • عهد الصراع.
  • عهد التوازن والتنافس.
  • عهد التعايش والاستقرار.

ويوضح الدكتور يوسف في كتابه أن من خصائص “عهد التعايش والاستقرار” الذي يمهد لنهاية الدورة التاريخية القائمة من النظام الدولي وبدء دورة لاحقة تبدأ بعهد صراعٍ جديد، تراجع دور الأطراف الصغيرة والمتوسطة حيث تعود الأقطاب الدولية للقيام بدورها الوظيفي الذي كانت تقوم به الدول الأصغر والأضعف لينقلب دور هذه الدول إلى دور ثانوي وتفقد الكثير من أهميتها بالنسبة للأقطاب كما تضعف أدوارها الاستراتيجية.

وهذا ما ينطبق على وضع أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان بعد عام 1991، حين لم تعد روسيا بحاجة الدور الوظيفي الذي كانت تقوم به في عهد التوازن والتنافس، والذي كان يحقق التوازن بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، في حين أصبحت موسكو قادرة على تحقيق هذا التوازن بنفسها من خلال التواصل مع واشنطن مباشرة.

وقد أفضى التواصل المباشر بينهما إلى الاتفاق على نزع الترسانات النووية من الدول الأصغر (أوكرانيا، بيلاروسيا، كازاخستان) ونقلها إلى سيطرة موسكو المباشرة، حيث لم تعد روسيا بحاجة للدور الوظيفي لهذه الدول الذي كان قد منحها إياه الاتحاد السوفياتي في زمن الحرب الباردة (عهد التوازن والتنافس) كأداة ردع نووية، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى الاحتفاظ بالترسانات النووية السوفياتية على أراضي حلفائها “الأطراف الأصغر”، لذلك قررت ضمها إلى ترسانتها النووية الأساسية والاحتفاظ بها على أراضيها لتكون تحت سيطرتها المباشرة، ما يضمن مصالحها ويحقق التوازن المطلوب في عهد التعايش والاستقرار.

وعليه، وجدت الجمهوريات الثلاث نفسها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في مواجهة أولويات القطبين الدوليين الأمريكي والروسي، وهي مواجهة تتجاوز قدراتها كدول صغيرة أو متوسطة في النظام الدولي، ما جعل استمرار امتلاكها للأسلحة النووية أمرًا صعبًا لا بد من التنازل عنه في سبيل بقائها كدول مستقلة، وهو ما يمكن استنتاجه من كلام غروسي عن وجود أوكرانيا كدولة.

وعليه، لم يكن قرار كييف أو مينسك أو أستانا قرارًا حرًا مبنيًا على إرادتهم السيادية الكاملة رغم استقلالهم، بل تقدّمت الإرادة الدولية على قراراتهم خضوعًا لقواعد النظام الدولي الذي يفرض شروطًا في كل عهد من العهود في كل دورة تاريخية من النظام الدولي.


[1] independentarabia.com, 07-08-2020, https://www.independentarabia.com/node/141196/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B7%D9%88%D9%8

[2] timesofindia.indiatimes.com, 07-03-2025, https://timesofindia.indiatimes.com/world/countries-that-gave-up-nuclear-weapons-a-complete-list-and-their-reasons-why/articleshow/118769772.cms

[3] arabic.rt.com. 09-07-2025. https://ar.rt.com/108ox


حنين جركس

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. .حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى