ممر داوود: المعوّقات والأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية

بقلم الباحث الاقتصادي والسياسي الدكتور أيمن عمر

يُعتبر ممر داوود (David’s Corridor) مشروعًا جيو-استراتيجيًا إسرائيليًا غير مُعلن رسميًا، ويشكل جزءًا من رؤية توسعية لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الدول العربية عبر شبكة الطرق والنفوذ في الشرق الأوسط، وهو ممرّ بري يمتد من مرتفعات الجولان المحتلة عبر جنوب سوريا حتى الحدود مع العراق، مرورًا بمحافظة السويداء السورية ذات الغالبية الدرزية وبمناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية.
الجغرافيا السياسية للممر
الممرّ هو شريط جغرافي ضيق يبدأ من مرتفعات الجولان المحتلة في الجنوب الغربي لسوريا ويمر بالمحافظات الجنوبية المحاذية لـإسرائيل والأردن، وهي القنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقًا عبر السويداء في جبل العرب ويدخل البادية السورية باتجاه معبر التنف الاستراتيجي على الحدود السورية – العراقية – الأردنية، مستهدفًا الوصول إلى موانئ حيفا الإسرائيلية على البحر الأبيض المتوسط. هذا الامتداد يجعل منه ممرًا استراتيجيًا يصل آسيا بأوروبا عبر إسرائيل، كما يسعى إلى توسيع رقعة النفوذ الإسرائيلي، سواء من خلال الضم المباشر للأراضي أو بتحويلها إلى مناطق هيمنة غير معلنة.
معوّقات التنفيذ والمخاطر
الممر لم يبصر النور إلى الآن، ودونه عدة عقبات وهي:
- المعارضة الإقليمية للمشروع: إذ يواجه معارضة من سوريا والعراق وتركيا، التي تعتبر الخطوة تهديدًا لاستقلالها وسيادتها الإقليمية، وفي حالة تركيا، لأنها تشعر بقلق من توسع الأكراد في الداخل السوري وتداعيات ذلك على تركيا.
- التنوع الطائفي والمعارك المحلية: الممر يعبُر مناطق مختلطة ديموغرافيًا وإثنيًا من دمشق إلى دير الزور، وتشهد هذه المناطق توترات وصراعات داخلية لم تُحسم إلى الآن، مما يحول دون تنفيذه.
- غياب الاعتراف الدولي: الممر لا يحظى بأي اعتراف رسمي ولم يتم إدراجه ضمن اتفاقيات أو خرائط حكومية علنية.
- التهديدات من الجماعات المسلحة: احتمال استهداف خطوط النقل أو البنية التحتية، سواء من خلايا معادية لـإسرائيل أو من معارضي تطبيع العلاقات معها.
- تكاليف الإنشاء العالية: بناء ممر آمن وبنية تحتية حديثة (طرق، جسور، محطات لوجستية) في مناطق غير مستقرة سيكلف مليارات الدولارات.
- انعدام البنية التحتية في البادية الشرقية السورية وغرب العراق: يتطلب الأمر تمهيد طرق ومسارات جديدة كليًا.
- ضعف الجدوى الاقتصادية حالياً: في ظل عدم وجود اتفاقيات رسمية مع العراق أو سوريا، يصعب تبرير استثمار بهذا الحجم.
- الرفض الشعبي في العراق والأردن: تطبيع العلاقات مع إسرائيل ما زال مرفوضًا شعبيًا، ما قد يضغط على الحكومات المعنية لرفض المشاركة في المشروع.
- المخاوف من التهجير أو التغيير الديموغرافي: في حال تم ربط هذا المشروع بمخططات مستقبلية لتوطين الفلسطينيين، فقد يزيد الرفض الشعبي له.
الأبعاد الاقتصادية للمشروع
- تسهيل التبادل التجاري مع الداخل العربي: عبر هذا الممر، يمكن ربط الموانئ الإسرائيلية (حيفا، أشدود) بمناطق الداخل العربي، بما يسمح بنقل البضائع الأوروبية أو الآسيوية من البحر المتوسط إلى الخليج، مرورًا بالأردن والعراق. يطمح المشروع إلى أن يكون بديلًا بريًا أكثر أمنًا وسرعة من قناة السويس، يربط بين الخليج، العراق، وسوريا وصولًا إلى المتوسط، ويصبح الممر جزءًا من شبكة لوجستية عالمية منافسة لقناة السويس. مما قد يقلل التكاليف اللوجستية ويزيد من قدرة إسرائيل على التحكم بمسارات التبادل التجاري، كما يمنحها موقعًا متقدمًا كبوابة لوجستية تربط بين شرق آسيا وأوروبا، ويعزز دورها في سلاسل التوريد العالمية.
- الوصول إلى أسواق الخليج والعراق: تسعى إسرائيل للوصول إلى الأسواق الخليجية والعراقية لتصدير التكنولوجيا، الزراعة، والطاقة، دون الاعتماد على المسارات البحرية المكلفة والمعرضة للتوترات. وسيوفر الممر البري خط نقل أرخص وأسرع مقارنة بالشحن البحري.
- التحكم بمصادر الطاقة: يعبر الممر مناطق نفطية في دير الزور وشمال شرق سوريا، ويستهدف أيضًا تأمين خط بديل لنقل النفط والغاز من كردستان العراق إلى المرافئ الإسرائيلية، متجاوزًا النفوذ التركي والنفوذ الإيراني. ومن خلال هذا الخط، تسعى إسرائيل لتقليل اعتمادها على إمدادات الطاقة الخارجية، وربما تصبح مركزًا إقليميًا لإعادة تصدير النفط والغاز.
- تقليص التكاليف اللوجستية والنقل: يختصر في الوقت والكلفة بين الموانئ الإسرائيلية والخليج (عبر الأردن والعراق)، دون المرور عبر البحر الأحمر ثم قناة السويس. ويدعم مناطق التخزين والتوزيع على طول الطريق، مما يعزز الاستثمارات في البنى التحتية.
- تنمية اقتصادات الظل: قد يشكل الممر رافعة اقتصادية لبعض المناطق الحليفة لإسرائيل، ويخلق مناطق تجارية وصناعية حرة تحت غطاء إعادة الإعمار أو المشاريع اللوجستية. ومن شأن هذه المناطق أن تستقطب استثمارات أجنبية، وتُستخدم كمنصات إنتاج منخفضة الكلفة للصادرات الإسرائيلية الموجهة لأوروبا.
- استقطاب الاستثمارات والبنية التحتية: يمثل المشروع فرصة لإسرائيل لجذب استثمارات خارجية في مجالات البنى التحتية والنقل والطاقة. ويمكن أن تشارك شركات أمريكية وخليجية في تمويل المشروع، ما يعزز العلاقات الاقتصادية والتحالفات الإقليمية.
- دعم الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا: قد يترافق المشروع مع تعزيز الحضور الأمني والتقني الإسرائيلي على طول الممر، مما يفتح أسواقًا جديدة أمام الصناعات الأمنية والرقمية الإسرائيلية، مثل أنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي المستخدم في إدارة حركة التجارة.
الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية
- تقويض أهمية قناة السويس وباب المندب: تسعى إسرائيل إلى خلق بدائل للممرات البحرية التي تسيطر عليها مصر واليمن، المعرضة للتوترات السياسية والعسكرية، وبالتالي قد يتم نقل البضائع برًا من المتوسط إلى الخليج كطريق بديل عن قناة السويس.
- تعزيز النفوذ الإسرائيلي شرقًا: التمدد نحو شرق الأردن وغرب العراق يتيح لإسرائيل وجودًا جيوسياسيًا مؤثرًا على مسار التجارة والعبور البري في المنطقة، كما يفتح المجال أمامها لتلعب دورًا محورياً في إعادة الإعمار في العراق وسوريا.
- تعميق التطبيع مع دول عربية: المشروع يوفر منصة اقتصادية لدفع التطبيع بين إسرائيل والدول العربية قُدمًا، خصوصًا مع الأردن ودول الخليج. ويعزز فكرة “السلام الاقتصادي” الذي ترّوج له إسرائيل كبديل عن الحلول السياسية الكلاسيكية.
- مواجهة النفوذ الإيراني: فتح هذا الممر يشكل تحديًا للممر البري الإيراني من طهران إلى بيروت عبر العراق وسوريا. يسعى إلى تطويق المحور الإيراني عبر تحالفات إقليمية جديدة يربط إسرائيل بدول عربية سُنّية.
- الربط الاستراتيجي بين إسرائيل ومحيطها العربي: المشروع يُعزز فكرة إسرائيل كمركز عبور إقليمي للتجارة الدولية، قد يدعم مشاريع الطاقة، مثل خطوط الغاز والكهرباء العابرة للحدود.
خاتمة
يمثل ممر داوود جزءًا من رؤية إسرائيلية تسعى لتوسيع النفوذ الجغرافي والاقتصادي الإسرائيلي عبر ربط الأراضي الإسرائيلية بدول الجوار بطرق برية استراتيجية. يشكل هذا الممر خطوة عملية نحو تعميق التطبيع الاقتصادي والسياسي بين إسرائيل والدول العربية، من خلال خلق شبكة تعاون جديدة تعتمد على البنية التحتية والتجارة العابرة للحدود. رغم التحديات الكبيرة التي تواجه تنفيذ المشروع، إلا أن ممر داوود يعكس الطموح الإسرائيلي في إعادة صياغة خرائط المنطقة، ويبرز كرمز لمشروع إقليمي يسعى إلى تحقيق توازن جديد في العلاقات العربية – الإسرائيلية عبر بوابة الاقتصاد والسياسة.
