نهاية عصر الفاعلين المسلحين من غير الدول: تحولات الشرعية والأمن في الشرق الأوسط

بقلم الزميل غير المقيم، جو حمورة
باحث لبناني، متخصص في شؤون الشرق الأوسط وتركيا

في المشهد الجيوسياسي الراهن للشرق الأوسط، تلوح في الأفق ملامح تحوّل بنيوي يتجاوز إطار الأحداث الظرفية نحو إعادة صياغة عميقة لمعادلة القوة والشرعية في الإقليم. هذا التحوّل يتمثل في أفول النماذج التقليدية للمنظمات المقاتلة غير الحكومية، من قبيل “حزب الله” في لبنان و”حزب العمال الكردستاني” في تركيا والعراق وسوريا، بما يعكس انتقال المنطقة إلى مدى جديد، حيث تصبح فكرة احتكار الدولة لأدوات العنف المنظم أكثر رسوخاً.
يتيح هذا التحوّل فرصة النظر إليه من منظور نظريات الدولة الحديثة، التي ترى أن احتكار العنف المشروع هو جوهر الدولة، كما حدده ماكس فيبر. في التجربة الشرق أوسطية، شكّلت التنظيمات المسلحة غير الحكومية حالة وسطى بين الدولة واللادولة، حيث امتلكت شرعية شعبية أو سياسية في مراحل معينة، لكنها مع مرور الوقت وجدت نفسها أمام مأزق بنيوي: إما التحوّل إلى ذراع رسمية ضمن بنية الدولة، أو الدخول في صدام طويل الأمد معها، وهو صدام لا يمكن حسمه إلا لصالح الدولة في نهاية المطاف، بفعل عوامل تراكمية داخلية وخارجية.
ورغم أن هذه الظاهرة تبدو في ظاهرها محصورة في سياقات محلية، فإنها تمثل في جوهرها انعكاساً لتحول هيكلي في بنية الصراع الإقليمي، حيث تتراجع فعالية الفاعلين المسلحين من غير الدول لصالح عودة مركزية الدولة القومية بوصفها الإطار المرجعي الحاكم للشرعية والاحتكار المشروع للقوة. هذا التحوّل يتزامن مع ضغوط داخلية وإقليمية ودولية، ومع تبدّل في حسابات القوى الكبرى، التي باتت ترى في ازدواجية مراكز القوة تهديداً لبنية الاستقرار المطلوب لإدارة الملفات الإقليمية الأكثر تعقيداً، سواء في الطاقة أو الأمن أو إدارة الصراعات.
حزب الله: من رصيد المقاومة إلى معضلة السيادة
في لبنان، يمثل مسار نزع سلاح “حزب الله” لحظة مفصلية في تاريخ النظام السياسي، إذ يتجاوز النقاش حول السلاح حدود الاصطفافات التقليدية، ليمس جوهر الدولة نفسها: احتكار القوة وسطوة المؤسسة العسكرية الرسمية عليها. منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، اكتسب الحزب شرعية نضالية واسعة في سياق “مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”، وتمكن من بناء شبكة معقدة من التحالفات الداخلية والإقليمية مكنته من التحول إلى فاعل سياسي – عسكري مركزي في لبنان.
لكن هذه الشرعية بدأت تواجه تحديات كبرى في العقدين الأخيرين. أولاً، لأن البيئة الإقليمية التي سمحت للحزب بالعمل كقوة عسكرية موازية بدأت تتغير، مع اتجاه القوى الكبرى إلى تسويات تتطلب إغلاق ملفات “الدولة ضمن الدولة”. وثانياً، لأن الأزمات الداخلية اللبنانية، وعلى رأسها الانهيار الاقتصادي والمالي منذ 2019، جعلت المجتمع اللبناني أكثر حساسية تجاه أي مظاهر ازدواجية في السلطة والسيادة، خاصة حين ترتبط هذه الازدواجية بعقوبات أو عزلة دولية.
من منظور العلاقات الدولية، فإن حالة “حزب الله” تعكس ما يسميه الباحثون “معضلة الفاعل المزدوج”: أي الكيان الذي يسعى لأن يكون في آن واحد جزءاً من الدولة وكياناً مستقلاً عنها. هذه المعضلة تضع الحزب أمام خيارين: إما دمج كامل بنيته العسكرية ضمن الجيش اللبناني بما يحافظ على بعض نفوذه السياسي، أو التمسك باستقلاله العسكري بما قد يعرّضه، على المدى المتوسط، لضغوط غير مسبوقة تهدد حتى بنيته الاجتماعية والاقتصادية. إلا أن ما قامت به الحكومة اللبنانية في الثامن من آب/أغسطس الحالي، كان خياراً ثالثاً، وإن كان خطيراً، في مسار التعامل مع سلاح الحزب، وهو تسليمه سلاحه للقوة الشرعية، وتحديداً الجيش اللبناني، وذلك تطبيقاً للمبادرة الأميركية التي تقترح حصرية السلاح في يد السلطات الرسمية اللبنانية قبل إقرار أي مساعدات أو إعادة إعمار لما خلفته الحرب الإسرائيلية على “حزب الله” ولبنان في آن من دمار.
قبل ذلك، وفّر الدور الإقليمي للحزب، خاصة في سوريا، مساحة مناورة استراتيجية له لسنوات، لكنه في الوقت نفسه رسّخ صورته كذراع عسكرية عابرة للحدود، وهو ما لم يعد متوافقاً مع المزاج الدولي الحالي، الذي يفضّل التعامل مع دول مركزية مسؤولة، لا مع كيانات مسلحة متعددة الولاءات. صحيح أن الحكومة اللبنانية أخذت قراراً مهماً في الزمن الحالي، إلا أن تطبيقه يبقى الفيصل في الحكم على نجاح السلطات في حصر السلاح في يدها وجعل القوة الشرعية وحدها الضامن لأمن اللبنانيين من أخطار الخارج والداخل.
حزب العمال الكردستاني: أفول نموذج الكفاح المسلح
في الحالة التركية – الكردية، مثّلت خطوة “إلقاء السلاح” التي قام بها مقاتلو “حزب العمال الكردستاني” في إقليم كردستان العراق حدثاً ذا دلالات استراتيجية عميقة، فهي لم تكن مجرد إشارة رمزية أو لفتة تكتيكية في إطار التفاوض، بل بدت أقرب إلى تتويج مسار طويل من التآكل العملياتي للتنظيم، بفعل مجموعة متشابكة من العوامل: الضربات العسكرية المركّزة التي شنّتها القوات التركية داخل وخارج حدودها، التغير البنيوي في البيئة الإقليمية بعد عام 2011، التراجع التدريجي للحاضنة الدولية التي كانت تمنح الحركة غطاءً سياسياً أو دعماً لوجستياً، وأخيراً التحولات الفكرية داخل القيادة التاريخية للتنظيم.
على مدى أكثر من أربعة عقود، جسّد “العمال الكردستاني” نموذجاً كلاسيكياً للكفاح المسلح ذي الطابع الانفصالي، متكئاً على سردية متينة حول المظلومية الكردية، التي تمتد جذورها إلى الحقبة العثمانية وما تلاها من ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا سيما “اتفاقية لوزان” (1923) التي تجاهلت الطموحات القومية الكردية. هذه السردية، بما تحمله من بُعد هوياتي وحقوقي، منحت الحركة قاعدة تعبئة اجتماعية داخل مناطق الأكراد في تركيا، ووفّرت لها شرعية نضالية لدى قطاعات واسعة من المجتمع الكردي في المشرق.
غير أن مرحلة ما بعد “الربيع العربي” حملت معها متغيرات جذرية في أولويات الفاعلين الدوليين والإقليميين. فظهور تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) بين 2014 و2017 دفع الغرب إلى إعادة صياغة علاقاته مع القوى الكردية المسلحة، خصوصاً في سوريا والعراق، على قاعدة “الشريك الميداني المؤقت” لمكافحة الإرهاب الجهادي. وقد استفادت بعض الكيانات الكردية، لا سيما “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، من هذا الظرف الاستثنائي، لكنّ “حزب العمال الكردستاني” نفسه وجد أن هذه اللحظة تحمل بذور نهايته كتنظيم مسلح، إذ كان الدعم الدولي مشروطاً ومحدود الأمد، ومرتبطاً بسياقات محلية لا تتجاوز الحرب على “داعش”.
الأهم من ذلك أن التحوّل الأيديولوجي الذي عبّر عنه عبدالله أوجلان منذ مطلع الألفية، وتبلور لاحقاً في الدعوة إلى التخلي عن هدف إقامة دولة كردية قومية أو حتى نظام فيدرالي، لصالح ما سمّاه “الكونفدرالية الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية المجتمعية”، شكّل نقطة انعطاف كبرى في المسار الفكري للتنظيم. هذا التحوّل لم يكن فقط استجابة لضغوط سياسية وعسكرية، بل عكس إدراكاً عميقاً بأن مشروع الكفاح المسلح قد استنفد طاقته التعبوية، وأن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد تتسامح مع وجود كيانات مسلحة مستقلة عن الدول الوطنية، خصوصاً بعد تصاعد خطاب “محاربة الإرهاب” كإطار جامع للتوافق الدولي.
مع ذلك، فإن إعادة تموضع الحركة نحو العمل السياسي – المدني لا يخلو من تحديات بنيوية. إذ يواجه الحزب إرثاً طويلاً من الاعتماد على البنية العسكرية والهيكل الهرمي الصارم، وهو ما خلق ثقافة تنظيمية مغلقة، تجعل الانتقال إلى فضاء السياسة المدنية مهمة شاقة. كما أن غياب أفق سياسي واقعي، سواء في ظل تصلب الموقف التركي الرسمي أو الانقسامات الكردية الداخلية، يهدد بإبقاء الحزب في حالة “لا سلم ولا حرب”، ما يعرضه لمزيد من التآكل وفقدان المبادرة الاستراتيجية.
التجربة الكردية مع “حزب العمال الكردستاني” تقدِّم، من منظور علم السياسة، مثالاً واضحاً على المعضلة الكلاسيكية للكفاح المسلح طويل الأمد: حين يتحول التنظيم من أداة لتحقيق هدف سياسي إلى غاية بحد ذاته، تنشأ بنية ذات مصالح مستقلة، تميل إلى إعادة إنتاج الصراع بدلاً من حلّه. وفي غياب دعم خارجي ثابت أو قاعدة اقتصادية ذاتية قوية، يصبح التنظيم عرضة للعزلة، والانقسامات الفئوية، والابتعاد عن أولويات القاعدة الاجتماعية التي يفترض أنه يمثلها.
وإذا ما قورن مسار “العمال الكردستاني” بالحالات الأخرى في المنطقة – كحزب الله في لبنان أو الفصائل المسلحة الفلسطينية – يتضح أن القاسم المشترك في أفول هذه النماذج هو تراجع “قابلية الصراع للاستمرار” حين تتغير البيئة الحاضنة، وتتغير أدوات إدارة القوة في النظام الدولي. وفي حالة “العمال الكردستاني” تحديداً، يبدو أن لحظة إلقاء السلاح لم تكن مجرد تنازل ظرفي، بل بداية النهاية لمرحلة تاريخية في الحركة الكردية المسلحة، وبداية تحد جديد يتمثل في إعادة تعريف الذات ضمن قواعد الدولة الواحدة والشرعية المركزية.
المنطق الجديد: الدولة الواحدة، الجيش الواحد
ما يجمع بين التجربتين، اللبنانية والكردية، هو الانتقال التدريجي، وأحياناً القسري، من منطق “المقاومة المستمرة” أو “الكفاح المسلح” إلى منطق الدولة الواحدة، الجيش الواحد، والشرعية الواحدة. هذا التحوّل لم يكن مجرد استجابة ميكانيكية لإملاءات خارجية أو ضغوط دولية، بل يعكس إدراكاً تراكمياً لدى الفاعلين المحليين بأن الأنظمة السياسية في المنطقة لم تعد قادرة على الاستمرار في ظل ازدواجية مراكز القوة، أو في ظل وجود سلطتين عسكريتين متنافستين تتقاسمان الجغرافيا والسيادة.
فالدولة القومية، رغم كل ما يعتريها من أزمات بنيوية، وانقسامات مجتمعية، وضعف مؤسساتي، ما زالت الإطار الأكثر رسوخاً في النظام الدولي. فحتى في عصر العولمة، ومع تراجع الحدود التقليدية بفعل التكنولوجيا والتجارة العابرة للقارات وتدفق المعلومات، تبقى السيادة العسكرية والأمنية محدداً أساسياً لشرعية أي نظام سياسي. الدول الكبرى نفسها، على اختلاف نماذجها، لا تزال تتعامل مع “احتكار العنف المنظم” باعتباره المعيار الأخير لوجود الدولة، وهو المبدأ الذي رسخته “المدرسة الفيبيرية” في علم الاجتماع السياسي منذ أكثر من قرن.
هذه القناعة لم تعد محصورة بدوائر النخب السياسية أو العسكرية، بل بدأت تتسرب إلى وعي المجتمعات المحلية التي دفعت الثمن الباهظ للحروب المفتوحة. ففي لبنان، ورغم استمرار الجدل حول “سلاح المقاومة”، هناك إدراك متزايد لدى قطاعات واسعة من الرأي العام أن ازدواجية السلاح تعيق بناء الدولة وتشلّ مؤسساتها. وفي تركيا، ورغم الحساسيات العرقية والتاريخية المعقدة، فإن المجتمع الكردي نفسه، أو شرائح مؤثرة منه، بدأ يرى أن استمرار الصراع المسلح لم يعد وسيلة مجدية لتحقيق الحقوق السياسية أو الثقافية، بل أصبح عبئاً على فرص التنمية والاستقرار.
ومع تعاظم الحاجة إلى استقرار اقتصادي وأمني في عالم يتسم بالتقلبات، من الأزمات المالية العالمية إلى الصراعات الإقليمية المشتعلة، بات احتكار الدولة للقوة ليس خياراً سياسياً فحسب، بل شرطاً لبقاء المجتمع نفسه. فالتجارب الميدانية في العراق، وسوريا، واليمن، أظهرت أن انقسام القوة العسكرية بين أطراف متعددة يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويضعف مناعة الدولة، ويحوّلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.
لذلك، يمكن القول إن “منطق الدولة الواحدة، الجيش الواحد” لم يعد مجرد شعار إصلاحي أو مطلب من مطالب المجتمع الدولي، بل أصبح، بحكم التجربة التاريخية والواقعية الميدانية، شرطاً موضوعياً لاستمرار الكيانات السياسية في الشرق الأوسط، مهما كانت طبيعة نظامها أو تركيبتها الاجتماعية.
إعادة تعريف الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: من الحرب بالوكالة إلى الأمن التعاقدي
مع هذا التحوّل النوعي في انحسار نموذج الفاعلين المسلحين من غير الدول، وصعود مركزية الدولة كمرجعية وحيدة للاحتكار المشروع للقوة، لم يعد بوسع النظام الإقليمي والدولي الحالي أن يتجاهل هذا التحول العميق، حيث تتجه معايير الشرعية الأمنية تدريجياً نحو مبدأ “الأمن المنظم” الذي تديره الدول عبر أجهزتها الرسمية، ويُستبعد منطق الاعتماد على وكلاء مسلحين وتنظيمات عابرة للحدود.
في العقود الماضية، كانت المنظمات المقاتلة غير الحكومية تشكل ركناً أساسياً في “الاقتصاد السياسي للصراع” الإقليمي. فقد استُخدمت هذه التنظيمات من قبل قوى إقليمية متعددة كأذرع غير رسمية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي، أو كأدوات لضرب خصومها من خلال ما عرف بحروب الوكالة. كان هذا النموذج يجد تبريره في ظل البيئة الدولية لما بعد الحرب الباردة، حيث هيمنت الفوضى الإقليمية وغياب آليات فعالة للتعاون الأمني، إلى جانب الفراغات السلطوية الواسعة في دول ومناطق عربية وإقليمية هشة. في تلك الفترة، كانت هذه التنظيمات تشكل قوة غير رسمية قادرة على تغيير معادلات القوة دون تحمّل الدولة أعباء المواجهة المباشرة.
لكن مع بروز تحديات جديدة ذات طبيعة معقدة ومتداخلة، مثل الإرهاب العابر للقارات، والهجرة غير المنظمة، وتغير المناخ وتأثيره على الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى تداخل الاقتصاد الرقمي مع الأمن السيبراني، بدأت مقاربات الأمن التقليدية التي تستند إلى “إدارة الفوضى” تفقد فاعليتها. أدركت العواصم المؤثرة، سواء في الشرق الأوسط أو على المستوى الدولي، أن استمرار وجود تنظيمات مسلحة خارج سيطرة الدول لم يعد ورقة ضغط يمكن استخدامها بفعالية، بل أصبح يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار النظام الدولي ذاته، وحتى لحلفاء تلك القوى في السابق.
هذا التغيير العميق في الموقف الدولي من تنظيمات الفاعلين غير الحكوميين هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحول الحالي. ففي تسعينيات القرن الماضي، كان المجتمع الدولي يتعامل مع هذه التنظيمات ببراغماتية، أحياناً باعتبارها ممثلين لقضايا شعبية أو شركاء تكتيكيين في صراعات محددة. أما اليوم، فالمعايير الدولية تغيرت بشكل جوهري تحت ضغط الحرب على الإرهاب، وتجارب انهيار الدول في العراق وسوريا واليمن وليبيا. أصبح المبدأ الحاكم هو “صفر تسامح” مع ازدواجية مراكز القوة العسكرية، وأي محاولة لإبقاء كيانات مسلحة مستقلة عن الدولة تواجه رفضاً دولياً واضحاً.
وقد انعكس هذا التحوّل في سياسات الأمم المتحدة، وفي الآليات التمويلية، فضلاً عن شكل العلاقات الدبلوماسية بين الدول. القوى الكبرى، بما في ذلك تلك التي كانت تدعم أو تستثمر في هذه التنظيمات، لم تعد قادرة على تبرير دعمها في ظل التزاماتها الأمنية الدولية، لا سيما في بيئة إعلامية معلوماتية شفافة نوعاً ما وقابلة للتدقيق. كما أثبتت التجارب الميدانية أن هذه التنظيمات، مع مرور الزمن، تميل إلى تنمية مصالحها الذاتية التي قد تنفصل كلياً عن الأجندات الأصلية التي أنشئت من أجلها، وهو ما يفضي إلى حالة من “توحش الأداة” التي قد تنقلب ضد صانعيها أنفسهم.
في هذا السياق، بدأت ملامح نموذج جديد للأمن الإقليمي تظهر تدريجياً، يمكن تسميته بـ”الأمن التعاقدي”. هذا النموذج يقوم على بناء منظومات أمنية إقليمية قائمة على اتفاقات مكتوبة أو تفاهمات صلبة بين الدول، بعيدة عن شبكات العلاقات غير الرسمية أو الاعتماد على وكلاء مسلحين. وعلى الرغم من أن هذا النموذج لا يزال في طور التشكّل، إلا أن علامات ظهوره واضحة في ملفات عدة، مثل مساعي تطبيع العلاقات بين دول متخاصمة، والحوار الأمني الخليجي – الإيراني، فضلاً عن محاولات إدماج بعض القوى المحلية المسلحة ضمن الأطر الرسمية للدولة، كحال “الحشد الشعبي” في العراق.
في إطار هذا الأمن التعاقدي، تصبح أولويات ضبط الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، من الركائز الأساسية لإعادة هندسة الأمن الإقليمي. كما يعيد هذا النموذج ترتيب أولويات الإنفاق العسكري ليحوّل الموارد من تمويل الحروب بالوكالة والتنظيمات المسلحة إلى الاستثمار في القدرات الدفاعية للدولة نفسها، مع التركيز على التحديات الأمنية غير التقليدية مثل الأمن السيبراني، حماية البنى التحتية الحيوية، ومواجهة تهديدات التغير المناخي والهجرة غير النظامية.
عملياً، يعكس هذا التحوّل في مفهوم الأمن الإقليمي، من نموذج يعتمد على أدوات غير رسمية وتحالفات متقلبة، إلى نظام يتسم بالاستقرار والتنظيم من خلال آليات التعاقد والتنسيق بين الدول، مؤشراً إيجابياً لمستقبل من الاستقرار في الشرق الأوسط. هذا الاستقرار المفترض، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدول على استعادة سيادتها الأمنية، وإعادة بناء الثقة المتبادلة مع جيرانها، ضمن إطار مؤسساتي رسمي يدير مصالحها الأمنية بشكل منسجم ومتوافق مع المعايير الدولية الراهنة.
ما بعد نهاية الفاعلين المسلحين
إن الاتجاه العام في الشرق الأوسط يوحي بأننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”عصر ما بعد الفاعلين المسلحين من غير الدول”. هذا لا يعني اختفاء هذه التنظيمات تماماً، لكنها ستفقد تدريجياً قدرتها على تشكيل توازنات كبرى أو فرض شروطها على المعادلات السياسية، كما كان الحال في العقود الماضية. ستكون هناك جيوب مقاومة لهذا التحوّل، وقد تشهد بعض المناطق ارتدادات أو محاولات للعودة إلى منطق “السلاح مقابل النفوذ”، لكن الدينامية الكبرى تدفع نحو إعادة تركيز السلطة في يد الدولة.
التحوّلات في حالة “حزب الله” في لبنان و”حزب العمال الكردستاني” في تركيا والعراق وسوريا ليست سوى نماذج أولية لهذا المسار. ففي كلتا الحالتين، كان التغيير نتاجاً لتفاعل عوامل داخلية، مثل الضغط الشعبي والأزمات الاقتصادية، مع عوامل خارجية، كتحوّلات التحالفات الإقليمية، وتغير الأولويات الدولية. هذه التفاعلات، إذا استمرت على وتيرتها الحالية، قد تجعل من ظاهرة “الجيش خارج الدولة” حالة استثنائية، لا القاعدة التي حكمت الإقليم لعقود.
يبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل الدول نفسها مع هذا الامتياز الجديد المتمثل في احتكار القوة؟ فالتجارب التاريخية تشير إلى أن مجرد غياب التنظيمات المسلحة لا يضمن تلقائياً بناء دولة قوية أو نظام سياسي عادل. بل إن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة هذه الدول على تحويل قوتها المحتكرة إلى أداة لبناء الثقة، وتحقيق التنمية، وضمان الأمن الجماعي، لا إلى وسيلة لتعميق الانقسام أو إعادة إنتاج الاستبداد.
هنا، تتقاطع مسارات الأمن والسياسة والاقتصاد. إذ إن نجاح أي صيغة جديدة للأمن الإقليمي مرهون بقدرة الدول على إصلاح مؤسساتها، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإدارة مواردها بكفاءة، وبناء شبكات تعاون مع جيرانها على أساس المصلحة المتبادلة. وبدون ذلك، فإن خطر عودة التنظيمات المسلحة أو ولادة أشكال جديدة منها أكثر تعقيداً سيظل قائماً.
في المحصلة، يمكن القول إن نهاية مرحلة الفاعلين المسلحين من غير الدول تفتح نافذة تاريخية أمام الشرق الأوسط للانتقال من منطق الصراع المستدام إلى منطق الدولة المستدامة. لكن هذه النافذة، ككل الفرص التاريخية، ليست مضمونة؛ فهي تتطلب وعياً سياسياً، وإرادة إصلاحية، واستعداداً لبناء منظومات أمنية واقتصادية تعكس توازن المصالح لا مجرد توازن القوى.
المقال يعبّر فقط عن رأي الكاتب
