"طريق ترامب" في جنوب القوقاز.. طوق لإيران وتهديد للنفوذ الروسي

بقلم الزميل غير المقيم، جو حمورة
باحث لبناني، متخصص في شؤون الشرق الأوسط وتركيا

في أغسطس/آب الحالي، تحوّلت العاصمة الأميركية واشنطن إلى مسرح دبلوماسي بارز، شهد توقيع اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان، وجاء برعاية مباشرة وحضور رفيع المستوى من الولايات المتحدة الأميركية. وصف هذا الحدث بـ”التاريخي” لأنه وضع حداً لنزاع ناغورنو كاراباخ، الذي استمر لأكثر من 36 سنة، تاركاً خلفه إرثاً من الحروب الدامية، النزوح، والتوترات العميقة بين البلدين.
هذا الاتفاق، الذي حظي بإشادة دولية واسعة باعتباره خطوة جريئة نحو تحقيق الاستقرار الدائم في جنوب القوقاز، لم يكن مجرد صيغة دبلوماسية تُنهى بها عقود من الصراع، بل مثّل نقطة تحوّل جيوسياسية دقيقة. ففي الوقت الذي تفتح فيه أرمينيا وأذربيجان صفحة جديدة من السلام والتعاون، فإن القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها إيران، تجد نفسها أمام واقع جديد يتحدى نفوذها التقليدي ويهدد مصالحها الاستراتيجية.
ما يجعل هذا الاتفاق استثنائياً أيضاً هو الدور الحاسم الذي لعبته الولايات المتحدة، والتي لم تكتف بدور الوسيط، بل انتقلت إلى مرحلة التأثير المباشر عبر استحواذها على حقوق تطوير ممر ترانزيت استراتيجي يمتد عبر جنوب أرمينيا ويربط بين أذربيجان وجيب نخجوان. هذا المشروع، الذي أطلق عليه اسم “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين”، يُعد تجسيداً لهيمنة أميركية جغرافية وسياسية في منطقة كانت تقليدياً محط تنافس ونفوذ روسي وإيراني.
وبينما احتفت الأطراف المعنية بالاتفاق باعتباره فاتحة عهد جديد للتعاون والتنمية، رأت إيران في هذا المشروع تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومكانتها الإقليمية. فالواقع الجغرافي يجعل جنوب القوقاز جسراً حيوياً بين إيران وأوروبا عبر أرمينيا، وبالتالي فإن أي تغيير في معادلات السيطرة على هذا الممر يعني إضعاف قدرة طهران على النفوذ ومراقبة تحركات جيرانها.
اتفاق سلام… وممر استراتيجي
يتجاوز اتفاق السلام الموقع بين أرمينيا وأذربيجان مجرد الوثيقة المكتوبة لإنهاء النزاع القديم حول ناغورنو كاراباخ، ليصبح إطاراً جديداً لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في جنوب القوقاز، عبر تضمينه مشروعاً استراتيجياً محورياً. هذا المشروع يتمثل في إنشاء ممر بري حيوي، يربط الأراضي الرئيسية لأذربيجان مع جيب نخجوان الأذربيجاني المنفصل، ويمتد عبر جنوب أرمينيا ليصل إلى الحدود التركية.
في جوهر هذا الممر رؤية جيوسياسية معقدة تتجاوز مجرد تسهيل حركة التجارة والناس بين الدول الثلاث. فوفقاً لشروط الاتفاق، مَنحت أرمينيا الولايات المتحدة حقوقاً حصرية لتطوير هذا الممر لمدة 99 عاماً، وهو امتياز طويل الأمد يتيح لواشنطن التحكم في شريان حيوي للبنية التحتية تشمل خطوط سكك حديد، وأنابيب لنقل النفط والغاز، وكابلات ألياف بصرية متطورة، بالإضافة إلى إمكانية بناء شبكات لنقل الكهرباء. هذه البنية التحتية المتعددة الاستخدامات لا تعزز فقط من فرص التنمية الاقتصادية في المنطقة، بل تمنح الولايات المتحدة موقعاً استراتيجياً فريداً يسمح لها بالتأثير المباشر على تدفق الموارد والطاقة بين القوقاز وآسيا الوسطى، كما بين القوقاز وأوروبا.
ما يجعل هذا المشروع مثيراً للجدل ومهماً جداً من زاوية السياسة الدولية هو أنه يهدف إلى كسر الروابط الجغرافية التي تربط إيران وأرمينيا. قبل الاتفاق، كان الاتصال بين أرمينيا وإيران يشكل خطاً برياً حيوياً لاستراتيجيات طهران في القوقاز، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية، ما منح إيران نفوذاً لا يستهان به في المنطقة. بإنشاء هذا الممر الجديد، تُلغى هذه الارتباطات، ويُفتتح أمام تركيا وأذربيجان – الحليفتين في إطار أوسع مع الولايات المتحدة و”الناتو”- طريق بري جديد يعبر جنوب القوقاز وصولاً إلى آسيا الوسطى، دون الحاجة إلى المرور عبر الأراضي الإيرانية أو الروسية.
هذا التحوّل يهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ التقليدي في المنطقة. فبدلاً من الاعتماد على طرق تنقّل تمر عبر إيران أو روسيا، يعزز “طريق ترامب” نفوذ القوى الغربية وحلفائها الإقليميين، ما يمثل تهديداً واضحاً لمصالح إيران الجغرافية والسياسية، ويحد من قدرتها على أن تكون حلقة وصل حيوية بين أوروبا وآسيا عبر الجنوب القوقازي.
على المستوى الاقتصادي، يمكن للممر أن يصبح محوراً لتدفق الطاقة والتجارة، حيث تمر من خلاله صادرات النفط والغاز من بحر قزوين إلى الأسواق العالمية دون الاعتماد على البنى التحتية الروسية أو الإيرانية، وهو ما قد يعزز مكانة أذربيجان وتركيا كمحاور استراتيجية في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
أما على الصعيد الأمني والسياسي، يحمل المشروع في طياته تحديات كبيرة، فقد عبّرت إيران بوضوح عن رفضها للممر، معتبرة إياه محاولة لفرض نفوذ أجنبي على حدودها، مع ما يرافق ذلك من مخاطر عسكرية وأمنية. لذا، لا يقتصر الاتفاق على كونه سلاماً بين دولتين، بل هو فصل جديد في الصراع متعدد الأوجه بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى السيطرة على المفاصل الاستراتيجية في جنوب القوقاز.
الصفعة الجيوسياسية لطهران: تقويض نفوذ إيراني في القوقاز
يحمل الاتفاق صفعة جيوسياسية قوية لطهران، التي لطالما اعتبرت منطقة جنوب القوقاز بوابة حيوية لها نحو أوروبا وآسيا. فالحدود القصيرة التي تربط إيران بأرمينيا لم تكن فقط خطوطاً جغرافية بل كانت شرياناً استراتيجياً، يوفر لطهران منفذاً حيوياً يؤمن لها نفوذاً غير مباشر في القوقاز، ويسمح لها بالتحكم في تدفقات التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.
لكن مشروع “طريق ترامب” يقطع هذا الشريان ويقوّض بشكل مباشر مكانة إيران الإقليمية. فالممر الجديد لا يُتيح فقط لأذربيجان وتركيا إنشاء طريق برّي مباشر يربط بينهما مروراً بجنوب أرمينيا، بل يحول دون اعتماد هذه الدول على الأراضي الإيرانية أو الروسية كمعابر للتجارة والطاقة، مما يعني حرمان طهران من جزء مهم من النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
الحضور الأميركي الحصري في الممر يتجاوز البعد الاقتصادي ليصل إلى أبعاد أمنية واستراتيجية بالغة الحساسية، إذ يشكّل تعزيزاً مباشراً لنفوذ واشنطن، وحلف “الناتو”، على خط تماس جغرافي حاسم بين إيران وروسيا. هذا التطور يعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة، ويضع إيران في مواجهة مباشرة مع تدفقات النفوذ الغربي التي تتسرب إلى ما كانت تعتبره مناطق نفوذها التقليدية.
وقد عبر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، عن هذا الموقف بشكل صريح وحاد، واصفًا المشروع بـ”المؤامرة السياسية” التي تستهدف أمن إيران القومي. استخدامه لتعبير “بوابة للناتو” عند التعبير عن امتعاضه من الاتفاق يكشف مخاوف إيران من دخول تأثيرات الحلف الأطلسي إلى حدودها الشمالية، وهو ما يمثل تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراع الذي لم يعد بين الدولتين المتحاربتين فحسب، بل أصبح ساحة لتنافس جيوسياسي أوسع بين القوى العالمية.
اللغة التهديدية التي اتخذها ولايتي، حين هدد بأن الممر “سيكون مقبرة لمرتزقة ترامب”، لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل تعكس استعداد إيران لاتخاذ خطوات قد تشمل التصعيد العسكري أو التحالف مع روسيا لمحاولة إفشال المشروع. هذه التصريحات تحمل رسائل واضحة بأن طهران لن تقبل بسهولة بفرض هذا الواقع الجديد الذي يعيد رسم خرائط النفوذ في القوقاز ويضعها في موقع الضعف الاستراتيجي.
وبالفعل، فإن التهديدات الإيرانية تكشف عن حالة توتر عميقة ليست فقط سياسية أو اقتصادية، بل هي تعبير عن صراع وجودي لإيران في مواجهة محاولات تقليص دورها الإقليمي، لا سيما في منطقة تعتبرها جوهر أمنها القومي. ويبدو أن المعركة المقبلة لن تكون محصورة في التفاوض الدبلوماسي بل قد تمتد إلى ساحة مواجهة جيوسياسية أوسع تشمل تحالفات جديدة وتفاعلات معقدة بين القوى الكبرى في المنطقة.
التداخل الروسي – الإيراني… وتحفّظ موسكو
على الرغم من استبعاد روسيا، الوسيط التقليدي والفاعل الأساسي في منطقة جنوب القوقاز، من المفاوضات المباشرة التي أدت إلى توقيع اتفاق السلام في واشنطن، لم تتخلَ موسكو عن لعب دورها الدبلوماسي، حيث حرصت على الترحيب الرسمي بالاتفاق واعتبرته خطوة نحو تعزيز الاستقرار في المنطقة. غير أن هذا الترحيب لم يكن خالياً من التحفّظات، إذ تخلّله تحذير مبطّن من “التجارب الغربية الفاشلة” في إدارة وتسوية النزاعات الدولية، في إشارة واضحة إلى عدم رضاها عن الدور الأميركي المتزايد في القوقاز.
فعلى أرض الواقع، يمكن قراءة الموقف الروسي باعتباره رفضاً ضمنياً أو تحفظاً قوياً على مشروع الممر الاستراتيجي الذي يضع واشنطن في قلب البنية التحتية الإقليمية عبر جنوب القوقاز. هذا المشروع، الذي يمنح الولايات المتحدة حقوق تطوير حصرية وطويلة الأمد، يهدد بشكل مباشر ما تعتبره روسيا مجال نفوذها التقليدي والأمني في المنطقة، حيث كانت تسيطر على الأجواء السياسية والاقتصادية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. فروسيا لا ترى في الممر مجرد طريق نقل بل أداة لتغيير المعادلات الجيوسياسية التي تعزز النفوذ الغربي، وتقلّص من هامش مناوراتها في مواجهة الولايات المتحدة والناتو.
التقارب في الموقف الإيراني الروسي في هذا الملف ليس بجديد، فهو مبني على تفاهم مشترك حول ضرورة المحافظة على استقرار المنطقة من منظورهما الأمني الاستراتيجي. إذ تعتبر كل من طهران وموسكو القوقاز جزءًا لا يتجزأ من محيطهما الأمني، ولا تقبلان بأي مخططات قد تؤدي إلى تفكيك النفوذ الإقليمي الذي تمتلكانه هناك. وقد تجلى هذا التقارب مؤخراً في مناورات عسكرية مشتركة في بحر قزوين، كانت بمثابة رسالة تحذير واضحة للغرب وللقوى الإقليمية الأخرى.
مع ذلك، يبقى السؤال الأبرز حول مدى قدرة التحالف الإيراني – الروسي على تعطيل المشروع الأميركي، خصوصاً في ظل عوامل معقدة تزيد من صعوبة ذلك. فتركيا، الحليف الاستراتيجي لأذربيجان والعضو الحيوي في حلف شمال الأطلسي، تلعب دوراً فاعلاً في دعم الممر، مع رؤيتها لجعله جسراً حيوياً يربط أوروبا بآسيا، ويعزز مكانتها كلاعب إقليمي أساسي قادر على التأثير في التوازنات السياسية والاقتصادية في القوقاز وما بعده.
وهكذا، تجد كل من روسيا وإيران نفسيهما أمام تحديات جمّة، تتطلب موازنة دقيقة بين دعم السلام والاستقرار في المنطقة من جهة، وبين مقاومة النفوذ الغربي المتصاعد الذي تهدد به المشاريع الجديدة من جهة أخرى. هذه الديناميكية المعقدة تعكس تحوّلات جيوسياسية أوسع في القوقاز، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع الطموحات الإقليمية، ما يجعل من جنوب القوقاز مسرحاً لصراعات متشابكة تتجاوز الحدود الوطنية لتشمل المنافسة العالمية على النفوذ.
الحسابات الأميركية والأهداف الكبرى
لم تُخفِ واشنطن نواياها الاستراتيجية العميقة خلف مشروع الممر، إذ نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول أميركي بارز قوله بصراحة غير مسبوقة: “الخاسرون هنا هم الصين وروسيا وإيران”. تعكس هذه العبارة جوهر السياسة الأميركية التي تستهدف في الوقت ذاته تطويق النفوذ المتنامي لكل من طهران وموسكو، وكذلك عرقلة التوسع الاقتصادي والجيوسياسي لبكين، التي تسعى من خلال مبادرة “الحزام والطريق” إلى تعزيز شبكة المواصلات والطرق التجارية العابرة للقارات.
يشكّل الممر عبر جنوب القوقاز جزءًا لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية الشاملة، فهو ليس مجرد مشروع بنية تحتية عابر، بل أداة جيوسياسية حيوية تهدف إلى تقليص الحضور الإيراني والروسي في منطقة حساسة جغرافياً وسياسياً، وفتح قنوات بديلة تربط تركيا وأذربيجان بآسيا الوسطى، وتتيح للغرب نفوذاً مباشراً ومراقبة مشددة على حركة البضائع والطاقة.
وفي ظل تصاعد التوترات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وتداعيات الضربات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة على منشآت إيران النووية الحيوية في نطنز وفوردو وأصفهان، يأتي هذا المشروع ليشكل ضغطاً مضاعفاً على طهران، التي تجد نفسها محاصرة ليس فقط سياسياً وعسكرياً، بل أيضاً على الصعيد الاقتصادي والاستراتيجي.
تمتد خسائر إيران إلى ما هو أبعد من مجرد تراجع النفوذ الجيوسياسي، لتصل إلى أبعاد اقتصادية وأمنية تشكل تهديدًا مزدوجاً:
- البعد الاقتصادي: فقدان عوائد عبور ضخمة كانت إيران تأمل في تحصيلها من حركة التجارة والطاقة العابرة لأراضيها، والتي كان من شأنها تعزيز اقتصادها الإقليمي. استبعاد إيران من شبكة نقل متنامية تشمل خطوط سكك حديد، وأنابيب نفط وغاز، وكابلات ألياف بصرية، يجعلها غير قادرة على استثمار مواردها الجغرافية بصورة كاملة، ويحد من فرصها في أن تصبح ممراً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب.
- البعد الأمني: تقليص العمق الاستراتيجي الإيراني شمالاً يمثل تهديداً حقيقياً لأمنها القومي، إذ يضعها تحت مراقبة أميركية مباشرة عند حدودها الشمالية. الممر الذي يشرف عليه الأميركيون، بالإضافة إلى الدعم التركي لأذربيجان، يخلق حالة من القلق من أن يتحوّل هذا الخط إلى نقطة انطلاق لضغوط عسكرية أو عمليات استخباراتية تستهدف المواقع الحيوية الإيرانية مستقبلاً، مما يرفع من حدة التوترات ويستدعي من طهران مراجعة حساباتها الأمنية بشكل عاجل.
ما هي خيارات إيران المستقبلية؟
عملياً، سيشهد جنوب القوقاز تحوّلات جيوسياسية معقدة تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي، حيث تبرز عدة محاور رئيسية تتقاطع وتتباين في طموحاتها وتحدياتها.
أولاً، تعزيز تركيا ونمو نفوذها الجيوسياسي يُعد من أبرز نتائج مشروع “طريق ترامب”، الذي يربط بشكل مباشر تركيا بأذربيجان عبر جيب نخجوان. هذا الممر الاستراتيجي يعزز موقع تركيا كجسر حيوي بين أوروبا وآسيا، ويمنحها مركزاً محورياً في شبكات الطاقة والنقل الإقليمية المتنامية. يسهم هذا الإنجاز في دعم طموحات تركيا لتأكيد مكانتها كلاعب إقليمي قوي وموثوق، قادر على تجاوز الاعتماد التاريخي على روسيا وإيران، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والأمني. كما أن التحالف التركي – الأذربيجاني سيمتد ليشمل أبعاداً أعمق من التعاون العسكري والسياسي إلى تحالفات اقتصادية واستراتيجية ترفع سقف تأثيرهما في صنع القرار الإقليمي، لا سيما في مواجهة المشاريع الإيرانية والروسية التي تعتمد على طرق بديلة.
في المقابل، تواجه روسيا وضعاً معقداً بين الضغط والتراجع، إذ بالرغم من موقفها الظاهري الداعم لاتفاق السلام، فقد قلّص المشروع من نفوذها التقليدي في جنوب القوقاز، المنطقة التي كانت تُعتبر “الفناء الخلفي” لأمنها القومي. إضافة إلى فقدان فرصتها في احتكار دور الوسيط الحصري، تواجه موسكو تحديات داخلية وخارجية متصاعدة مع تزايد النفوذ الأميركي وحلف شمال الأطلسي في المنطقة. في هذا الإطار، من المتوقع أن تحاول روسيا استغلال تحالفها مع إيران والضغط على الأطراف الإقليمية لضبط موازين القوى، لكنها في الوقت نفسه مضطرة إلى التكيف مع واقع النفوذ الأميركي المتزايد، مما قد يفرض عليها سياسة أكثر حذراً وتأنٍ.
أما إيران فتواجه تحديات وجودية وأفقاً محدوداً، إذ تمثل خسارتها في هذا الاتفاق تراجعاً كبيراً لموقعها كقوة إقليمية فاعلة في جنوب القوقاز. ويتعدى الأمر حدود الخسارة الجغرافية ليصل إلى أزمة استراتيجية حقيقية، حيث تجد نفسها محاصرة بحلف معادٍ يجمع بين تركيا والولايات المتحدة، ويهدف إلى تهميش نفوذها. كما أن الضغوط الداخلية المتزايدة، التي تشمل العقوبات الاقتصادية والتحديات المرتبطة ببرنامجها النووي، تحد من قدرتها على المناورة أو الرد الفعلي، مما قد يدفعها إلى تبني سياسات أكثر تشدداً أو البحث عن تحالفات عسكرية وأمنية لتعويض جزء من خسائرها المتراكمة.
من هذه المعطيات تجد طهران نفسها أمام احتمالين، الأول هو تصعيد مباشر ولجوء إلى فرض نوع من العقوبات على أرمينيا أو حتى شن عمليات عسكرية محدودة تستهدف الممر الحيوي، ما قد يؤدي إلى تصعيد نزاع إقليمي أوسع يهدد الاستقرار في المنطقة. هذا نظرياً، أما عملياً، فلا تبدو إيران، بعد ضربها بقسوة من قبل إسرائيل وأميركا في الأشهر الماضية، قادرة على فعل أي شيء جدّي يمس بمكانة أميركا ومصالحها بشكل مباشر.
أما الاحتمال الثاني، فهو تعاون روسي – إيراني متزايد، من خلال تنسيق أمني وعسكري مشترك يهدف إلى محاصرة النفوذ التركي – الأميركي المتزايد، واستغلال أذرع نفوذ محلية لضبط المشهد الإقليمي والسيطرة على تداعيات التوترات، ومنها محاولة زعزعة الحكم الأرمني من أجل محاولة إفشال الاتفاق.
تظل محاولة التصدي للجهود والمصالح الأميركية مغامرة عالية المخاطر، في وقت تفتقر فيه إيران إلى أدوات فعّالة لإحداث تأثير ملموس. ويزداد الموقف تعقيداً بعد اعتبار الرئيس الأميركي أن توقيع الاتفاق بين الجارتين القوقازيتين انتصاراً شخصياً له، ما يرسخ إرادته في المضي به قدماً. وهكذا تجد طهران نفسها، وللمرة الأولى منذ عقود، أمام تحدٍ استثنائي تحيط به تحوّلات جيوسياسية قد تهمش دورها بشكل جدي كمحور أساسي بين الشرق والغرب.
المقال يعبّر فقط عن رأي الكاتب
