الشائع

اتفاق أرمينيا وأذربيجان: الولايات المتحدة وسيطًا وروسيا خارج المعادلة

في الثامن من أغسطس 2025، جلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متوسطًا الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان معلنًا “وضع حد نهائي للنزاع الدائر بينهما منذ عقود”، وحلول نفوذ الولايات المتحدة في منطقة جنوب القوقاز ليملأ الفراغ الذي خلفته روسيا بعد خروجها من المنطقة[1] نتيجة إخفاقاتها المتراكمة، وقال ترامب “حاولت روسيا والاتحاد الأوروبي وجو بايدن جميعاً وقف الحرب لكن دون نجاح. وإدارتنا فقط هي التي تمكنت من تحقيق السلام”[2]. كما تضمن الاتفاق إنشاء ممر زنغزور باسم ممر “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP) ومنح الولايات المتحدة حقوق تطوير حصرية للممر لمدة 99 عامًا، بالإضافة إلى رفع القيود المفروضة على التعاون الدفاعي بين أذربيجان والولايات المتحدة الأمريكية[3].

ولم يبدأ الحديث عن عملية السلام في أعقاب حرب عام 2020 بين أذربيجان وأرمينيا التي استعادت فيها باكو السيطرة على أراضٍ واسعة في إقليم ناغورنو كاراباخ (آرتساخ) وجميع المناطق المحيطة بالإقليم التي كانت تسيطر عليها أرمينيا منذ عام 1994، بوجود قوات حفظ سلام روسية في المنطقة واحتكار موسكو دور الوساطة بين الجانبين حينها، بل بدأت المفاوضات الجدية بعد غزو روسيا لأوكرانيا في 2022 في الوقت الذي ضعف فيه حضور موسكو الإقليمي، ما دفع أرمينيا إلى إعادة تقييم توجهها الاستراتيجي، فسرّعت من جهودها لتنويع شراكاتها الخارجية بعيدًا عن موسكو، في حين وضعت أذربيجان نفسها كشريك استراتيجي لأوروبا في مجال الطاقة.

وتحصد روسيا اليوم نتائج سياساتها الخاطئة في جنوب القوقاز، فمنذ غزو أوكرانيا في فبراير 2022، باتت روسيا تواجه عجزًا متزايدًا عن تأدية دور القوة الضامنة في محيطها، ما أدى إلى دخول قوى مختلفة الى المنطقة التي أصبحت ساحة متعددة الأقطاب تشارك فيها تركيا بعد تحالفها مع أذربيجان في حربها ضد أرمينيا الأخيرة على إقليم ناغورنو كاراباخ (آرتساخ) في سبتمبر 2023، والصين التي تزيد استثماراتها في المنطقة في إطار مبادرة الحزام والطريق، وإسرائيل التي تتعاون مع أذربيجان بشكل خاص في مجالي الطاقة والدفاع.

وفي مقال سابق نشره المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية في سبتمبر 2023، تحت عنوان: “روسيا تخرج من جنوب القوقاز”، أشار رئيس المركز الدكتور محمد وليد يوسف إلى مؤشرات مبكرة تدل على تضاؤل النفوذ الروسي في هذه المنطقة بسبب تراكم أخطاء روسيا الاستراتيجية وانشغالها في الحرب مع أوكرانيا. وتأتي اليوم الوساطة الأمريكية الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان لتشكل دليلًا إضافيًا على هذا المسار، ولتؤكد أن الفراغ الجيوسياسي الذي خلّفته موسكو بدأ يُملأ من قِبل واشنطن.

بالإضافة الى اتفاق السلام بين البلدين، كثُر الحديث عن إكمال مشروع ممر زنغزور الذي سيسمح بمرور الأشخاص والبضائع من أوروبا إلى أذربيجان وآسيا الوسطى دون الحاجة إلى المرور عبر روسيا أو إيران. ورغم أن هذا الممر يظل مشروعًا دونه عقبات لتنفيذه على أرض الواقع، إلا أن رمزيته السياسية في هذا التوقيت تكشف عن إعادة رسم خريطة النفوذ في جنوب القوقاز، بعيدًا عن النفوذ الروسي التقليدي وتأثير  إيران حليفة روسيا المعارضة للمشروع أيضًا، والتي ترى في انشاء هذا الممر تهديدًا مباشرًا لمصالحها الجيوسياسية وخطوطها التجارية.

كما أن دخول الولايات المتحدة لملء الفراغ في منطقة جنوب القوقاز لا يعود الى الإخفاق الروسي فقط، بل إنه يأتي بعد سلسلة من الأحداث في الشرق الأوسط التي أدت الى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة وتعزيز إسرائيل لقوتها العسكرية في المنطقة، وهو ما يمتد الى دول جنوب القوقاز، حيث أُجبرت دول المنطقة على إعادة تقييم استراتيجيتها الأمنية وتحالفاتها الإقليمية.

وبعد الحرب الأخيرة بين ايران وإسرائيل في يونيو 2025 وغياب الدعم الروسي لإيران، بدأ يظهر لطهران ضعف حليفتها روسيا، وقد عبّر عن ذلك بوضوح مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي الذي قال في أغسطس 2025: “إن تنفيذ هذه الفكرة سيهدد أمن جنوب القوقاز، لذلك تؤكد إيران أنها ستسير في طريق ضمان أمن القوقاز الجنوبي سواء مع روسيا أو بدونها”[4]، وذلك بعد توقيع اتفاقية السلام بين باكو ويريفان بوساطة أمريكية.

كما ساهم فتور علاقات روسيا مع كل من أرمينيا وأذربيجان بتوفير فرصة للولايات المتحدة للتدخل، وذلك مع تزايد التوترات بين روسيا وأذربيجان منذ ديسمبر 2024 في أعقاب إسقاط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية في كازاخستان كانت متجهة من باكو إلى غروزني في روسيا، بصاروخ دفاع جوي روسي. وازداد الوضع سوءًا بعد احتجاز 50 مواطنًا أذريًّا في يكاترينبورغ في يونيو 2025 على خلفية قضية جنائية تعود إلى عام 2001، أصيب العديد منهم بجروح وتوفي اثنان منهم في الحجز، ما أثار غضب باكو. وردًا على ذلك اعتقلت أذربيجان العديد من المواطنين الروس، بمن فيهم أفراد يُزعم أنهم مرتبطون بوسائل الإعلام التابعة للدولة الروسية، واتهمتهم بالتجسس.

وفي أعقاب عدم استجابة روسيا لمطالب أرمينيا للحصول على الدعم العسكري خلال حرب ناغورنو كاراباخ الثانية في سبتمبر 2023، حاولت يريفان ابعاد نفسها عن موسكو وقامت بتجميد مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي والسعي وراء شراكات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وتكمن أهمية اتفاق السلام في أنه تم بوساطة أمريكية بعيداً عن أي دور روسي يُذكر، رغم أن روسيا كانت لعقود اللاعب المهيمن في جنوب القوقاز من خلال حضور عسكري مباشر وانخراطها في صراعات المنطقة.

وهذه الوساطة الأمريكية ليست الاولى، بل تأتي في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن بين كمبوديا وتايلاند في يونيو 2025، كما وقّع قادة رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية على اتفاق سلام بوساطة الولايات المتحدة لإنهاء الصراع الذي استمر لعقود من الزمن في الشهر نفسه. وفي يونيو، رعت الولايات المتحدة كذلك اتفاق وقف اطلاق نار بين إيران وإسرائيل بعد حرب مباشرة استمرت 12 يومًا. وأعلن ترامب في مايو عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان بعد حرب حول كشمير في أبريل من هذا العام.

ويبدو أن القاعدة السائدة التي تحكم العلاقة الأذرية – الأرمنية مع روسيا أنه كلما اقتربت أرمينيا وأذربيجان من بعضهما البعض، كلما ابتعدتا عن روسيا، التي أدى انشغالها في أوكرانيا والخلافات الدبلوماسية الأخيرة مع كل من باكو ويريفان الى  تقليل مكانتها الإقليمية في تلك المنطقة، حتى أن أرمينيا وأذربيجان طالبتا منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بحل مجموعة مينسك الخاصة بتسوية النزاع في إقليم ناغورنو كاراباخ (آرتساخ) التي كانت تضم روسيا بعد يومين من توقيع اتفاقية السلام[5].

وقد أغرى تراجع الدور الجيوسياسي الروسي الولايات المتحدة لمحاولة ملء الفراغ في جنوب القوقاز، لأن تحقيق سلام دائم في تلك المنطقة يسهم في تحقيق مصالح الولايات المتحدة من خلال تأمين ممر استراتيجي مهم يربط بين أوروبا وآسيا الوسطى، ويغذي استمرار نفوذ الولايات المتحدة وتركيا، ما يمنحهما أفضلية على الصين وروسيا.


[1] المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية (ICGER). (22 – 09 – 2023). روسيا تخرج من جنوب القوقاز.

[2] RT Arabic، (08 – 08 – 2025)، الرئيس الأمريكي يؤكد تغيير اسم ممر زنغزور في أرمينيا إلى “طريق ترامب”.

[3] رويترز، (09 – 08 – 2025)، ترامب يُعلن اتفاق سلام بين أذربيجان وأرمينيا.

[4] العربية.نت، (09 – 08 – 2025)، ممر “زنغزور”.. لهذه الأسباب إيران تعارض بشدة سيطرة أميركا عليه.

[5]  RT Arabic، 11 – 08 – 2025))، أرمينيا وأذربيجان تطلبان من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا حل مجموعة مينسك.


حسنية الجبيلي

رئيسة القسم الجيوسياسي ومسؤولة دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباحثة ميقمة في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى