العلاقات الأمريكية مع الهند وباكستان.. دورات متعاقبة بين تقاربٍ وفتور

شهدت علاقات الولايات المتّحدة الأمريكية مع كلّ من الهند وباكستان منذ استقلالهما عقب تقسيم الهند البريطانية عام 1947، تحوّلات جذرية تعكس أولويات واشنطن الاستراتيجية وتفضي إلى تغيّر موازين القوى في منطقة جنوب آسيا، إذ تأرجحت بين التحالف الوثيق مع طرف وفتور العلاقة مع الآخر في فترة والعكس في فترة أخرى.
فكانت واشنطن تعيد تموضعها مرارًا بين نيودلهي وإسلام آباد، وفق ما تقتضيه مصالحها الأمنية والاقتصادية وما تفرضه موازين القوى الإقليمية والدولية. فمالت في فترات معينة إلى التحالف الوثيق مع إسلام آباد لمقارعة الاتحاد السوفياتي مقابل فتور في علاقاتها مع نيودلهي، وفي فترات أخرى تصبح الشراكة مع الهند كقوة صاعدة في مواجهة منافسين جدد كالصين، أكثر متانة على حساب باكستان.
التحالف الأمريكي – الباكستاني (1947 – 1991)
خلال حقبة الحرب الباردة ما بين المعسكرَيْن الغربي والشرقي، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في تحالف عسكري استراتيجي وثيق مع باكستان التي كانت منضوية في حلفَيْ “SEATO” و”CENTO” المناهضين للمعسكر الاشتراكي الشيوعي، كما كانت حليفة واشنطن في دعم “المجاهدين الأفغان” عام 1979 ضد غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، في الوقت الذي كانت فيه الهند تجنح إلى الاتحاد السوفياتي بعد أن وقّعت معه عام 1971 معاهدة صداقة وتعاون لدعم موقفها في حربها مع باكستان التي كانت تدعمها الولايات المتّحدة، وقد أسفرت هذه الحرب عن انفصال باكستان الشرقية لتتحوّل إلى دولة بنغلادش.
ولكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 وانتهاء الحرب الباردة، انقلبت المعادلة وبدأت تظهر ملامح إعادة التموضع الأمريكي في المنطقة.
تحوّل التحالف الأمريكي من باكستان إلى الهند (1991–2025)
أزال تفكك الاتحاد السوفياتي العامل الأيديولوجي الإشتراكي الذي كان يجمع بين الهند والاتحاد السوفياتي، فبدأت نيودلهي بتنفيذ إصلاحات اقتصادية ليبرالية انسجمت مع التوجهات الرأسمالية الليبرالية لواشنطن التي كانت حينها تدعم إسلام آباد حليفتها في المعسكر الغربي.
في هذه المرحلة بدأت العلاقات الأمريكية – الباكستانية في التراجع، بدءًا من استئناف واشنطن عقوباتها على إسلام آباد بسبب برنامجها النووي بموجب قانون “بريسلر” عام 1990، مرورًا باتهامها عام 2010 – رغم دورها وتعاونها معها في “الحرب على الإرهاب” – بدعم حركة “طالبان” الأفغانية ضد القوات الأمريكية التي دخلت كابل بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك، إضافة إلى قيام واشنطن باغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 2011 على أراضي باكستان دون إبلاغ الأخيرة، ثم إدراجها على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) عام 2018 بدعوى إخفاقها في مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال[1].
في المقابل، تعززت الشراكة الأمريكية – الهندية بتوقيعهما اتفاقية التعاون النووي المدني عام 2005، ثم بضم واشنطن نيودلهي إلى تحالف “كواد” (QUAD) الرباعي الذي يضمّ الولايات المتّحدة وأستراليا واليابان والهند عام 2017، ودعم واشنطن لنيودلهي في موقفها المعارض لمشاريع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية لا سيما “الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني” الذي أُطلق عام 2015، ودعمها العسكري والاستخباراتي لها في صراعها الحدودي مع الصين الذي برز بوضوح أثناء اشتباكاتهما في وادي جالوان عام 2020. كما وقعت الدولتان سلسلة اتفاقيات دفاعية وأمنية أبرزها اتفاقية التبادل والتعاون الأساسية (BECA) عام 2020[2].
مؤشرات على إعادة التوازن نحو باكستان
مع اقتراب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأت علامات جديدة تشير إلى تحولات محتملة في العلاقات الأمريكية مع الجارتين الآسيويتين النوويّتَيْن.
ففي في أغسطس 2025 فرضت واشنطن رسومًا جمركية بنسبة 50% على الواردات الهندية بسبب استمرار شراء نيودلهي منتجات الطاقة والنفط الروسي، واتهمتها أنها بذلك تمول القوات الروسية في حربها مع الأوكران[3]، ولوّحت بعقوبات إضافية عليها بسبب عضويتها في مجموعة “بريكس” مع الصين وروسيا[4]. وردت الهند بتعليق خطط شراء الأسلحة والطائرات الأمريكية[5]، والدعوة إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية وتطوير الصناعات المحلية[6].
وقد أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في 7 أغسطس 2025 بأن الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة على الواردات الهندية تهدد بتقويض العلاقات مع نيودلهي، وقد تدفعها نحو تعميق تقاربها مع موسكو وبكين. وفي مؤشر واضح على هذا التوجه، أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تمسكه بالشراكة الاستراتيجية مع روسيا واستعداده لاستضافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الهند قريبًا[7].
وكان قد ظهر التباعد الأمريكي – الهندي في مايو 2025، حين لم تنصر واشنطن الهند في صراعها مع باكستان بل تبنت موقفًا محايدًا وكانت وسيطًا لوقف إطلاق النار بينهما دون التشاور مع الجانب الهندي، بل واستضافت قائد الجيش الباكستاني عاصم منير على مأدبة غداء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض[8]. كما أعلنت باكستان أنها ستزكي ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام لمساعدته في إنهاء الصراع[9]، وجرى توقيع اتفاق تجاري بينهما في يوليو 2025 لخفض الرسوم الجمركية، وأبدت واشنطن استعدادها لمساعدة إسلام آباد في تطوير احتياطات النفط الباكستانية[10].
من الواضح أن العلاقات الأمريكية مع الهند وباكستان تتحرك ضمن إطار ديناميكي متغيّر، تحكمه اعتبارات المصالح الاستراتيجية والاقتصادية وتوازن القوى العالمي. وكما كان التحالف الأمريكي – الباكستاني خلال الحرب الباردة موجهًا لمقارعة الاتحاد السوفياتي (القطب الدولي المكافئ والمعادل للقطب الأمريكي حينها)، وكما كان التحالف الأمريكي – الهندي في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي موجهًا لمقارعة الصين (القطب الصاعد الذي يسعى لتبوّؤ منزلة القطبية في النظام الدولي)، يبدو أن المرحلة الحالية تشهد بداية تقارب أمريكي جديد مع باكستان وربما عودة التحالف الأمريكي – الباكستاني لضمان عدم تقارب إسلام آباد بشكل مفرط مع الصين – التي كان لأسلحتها دور كبير في تعزيز توازن الردع العسكري لباكستان في صراعها الأخير مع الهند – ما قد يثير مخاوف واشنطن من احتمال اصطفاف خصومها التقليديين (روسيا والصين) مع حليفين إقليميين رئيسيين (الهند وباكستان).
ختامًا، يمكن القول إن مراحل العلاقات الأمريكية مع الهند وباكستان منذ نشأتهما، ربما تخضع لـ”قانون الدورات التاريخية”، الذي وفقًا له يتعاقب التحالف مع طرف على فتور العلاقة مع الطرف الآخر.
وعلى ذلك، فإنّ المؤشرات الراهنة تشير إلى انتهاء “الدورة الثانية” التي كانت فيها الولايات المتحدة الأمريكية حليفة الهند مقابل فتور العلاقات مع باكستان، لتبدأ بذلك “الدورة الثالثة” التي تجنح فيها الولايات المتحدة نحو باكستان مقابل فتور العلاقات مع الهند التي تعود أيضًا لتنجح نحو روسيا كما كان في زمن الحرب الباردة أي “الدورة الأولى”.
[1] eurasiaar.org, 17-11-2024, https://eurasiaar.org/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9 %82%D8%A7%D8%AA-%
[2] eurasiaar.org, 17-11-2024, https://eurasiaar.org/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9 %82%D8%A7%D8%AA-%
[3] arabi21.com, 07-08-2025, https://arabi21.com/story/1699178/
[4] carnegieendowment.org, 04-08-2025, https://carnegieendowment.org/emissary/2025/08/trump-tariffs-risk-us-india-relations?lang=en
[5] arabic.rt.com, 08-08-2025, https://ar.rt.com/10fwz
[6] arabic.rt.com, 2025-08-11, https://ar.rt.com/10gnm
[7] arabic.rt.com, 08-08-2025, https://ar.rt.com/10fyv
[8] arabic.rt.com, 08-08-2025, https://ar.rt.com/10fwz
[9] skynewsarabia.com, 21-06-2025, https://www.skynewsarabia.com/world/1804417
[10] dawn.com, 31-07-2025, https://www.dawn.com/news/1927783/pakistan-says-deal-concluded-with-us-on-tariffs-trump-cites-oil-reserves-agreement
