الشائع

خيارات ترامب تجاه تايوان.. بين مواجهة الصين و"أمريكا أولًا"

بقلم الباحثة المقيمة أمل حسين

حائزة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من الجامعة اللبنانية، وشهادة في

إدارة الموارد البشرية وإدارة المشاريع من جامعة هايكازيان

مع بداية القرن الحادي والعشرين، تحولت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين من الشراكة إلى المنافسة[1]، حتى باتت بكين تُعدُّ المنافس الأول لواشنطن على النفوذ العالمي.

يشير عالم السياسة الأمريكي ديفيد آيدلشتاين إلى أنّ القوة العظمى القائمة غالبًا ما تبدأ منافسة استراتيجية وقائية ضدّ قوة صاعدة إذا شعرت أن نواياها المستقبلية تشكل تهديدًا مباشرًا. وهذا يعني أن القوة العظمى قد تتخذ إجراءات استباقية لمنع قوة أخرى من الصعود نحو الهيمنة، خاصةً إذا كانت تعتقد أن هذه القوة الصاعدة لديها القدرة على تغيير ميزان القوى العالمي[2].

أي أن الولايات المتحدة لا تنتظر أن تصبح الصين أقوى منها، بل تعتبر أنّ مجرد نيّتها بالاتجاه نحو الصعود أو التوسع هو تهديد بحدّ ذاته. حيث طوّرت الولايات المتحدة استراتيجيتها لوقف أو عرقلة تمدّد الصين. 

وتشهد الصين نموًا اقتصاديًا وعسكريًا متسارعًا، حيث قامت بتعزيز نموّها عبر مبادرة “الحزام والطريق” التي تهدف إلى توسيع التجارة والاستثمار عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا[3] بالإضافة إلى تطوير استثماراتها في مراكز أبحاث الذكاء الاصطناعي والفضاء، كما قامت الولايات المتحدة باستبعاد الصين من محطة الفضاء الدولية بسبب مخاوف من هيمنة جيش التحرير الشعبي الصيني على المحطّة، وسط تنافس متزايد مع الولايات المتحدة ودول أخرى[4].

أما من الناحية العسكرية فتعمل الصين على توسيع أسطول غواصاتها النووية متعددة المهام بقدرات تخفٍّ وتسليح متطورة، تشمل صواريخ باليستية وكروز وطوربيدات، لتعزيز وجودها في المحيطين الهندي والهادئ. وتشكل هذه الغواصات ركيزة أساسية في استراتيجيتها للسيطرة على الممرات البحرية وتأمين مصالحها الاقتصادية والعسكرية، مع تطوير تقنيات تقلل إمكانية كشفها بأنظمة السونار[5].

ومع هذه التطورات السريعة، شعرت الولايات المتحدة الأمريكية بتنامي التهديد الصيني، خاصة في مناطق استراتيجية مثل بحر الصين الجنوبي، الذي تمرّ عبره ثلث التجارة البحرية العالمية ويحتوي على احتياطيات نفط وغاز ضخمة[6].

إلى ذلك، واصلت واشنطن توسيع حضورها في المنطقة عبر نشر حاملات الطائرات وإجراء مناورات مشتركة مع حلفائها وتعزيز قواعدها في المحيط الهادئ.

فقد قامت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في الفلبين مؤخرًا عبر نشر منصات إطلاق صواريخ تايفون )التي يمكنها إطلاق صواريخ متعددة الأغراض لمسافة تصل إلى ألف كيلومتر(، في الفلبين[7]، كما قامت الولايات المتحدة بتدريب قوات للعمل على خطوط المواجهة، بما في ذلك سلسلة الجزر الأولى (وهي سلسلة الجزر التي تمتدّ من ساحل شرق آسيا وتشمل جزر الكوريل، الأرخبيل الياباني، جزر ريوكيو، تايوان وشمال الفلبّين). وفي حال نشوب صراع، تتمثل الفكرة في انتشار هذه القوات، ومهاجمة الأهداف الصينية برًا، وجمع معلومات قيّمة عن منطقة المعركة، وإفساح المجال للقوات الجوية والبحرية الأمريكية للمناورة[8].

كما أنّ اليابان تضم 120 قاعدة عسكرية أمريكية، وتضم حوالي 50 ألف عسكري أمريكي، ما يجعلها الدولة التي تستضيف أكبر عدد من القواعد العسكرية الأمريكية[9]، أمّا كوريا الجنوبية ففيها أكبر قاعدة عسكرية لواشنطن في الخارج، ويوجد فيها 28500 جندي أمريكي[10]. بالإضافة إلى تنفيذ عمليات ردع عبر المناورات العسكرية، مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين.

وبالإضافة إلى الخلافات البحرية، تبقى تايوان أكثر القضايا حساسية في العلاقات الأمريكية – الصينية. فالجزيرة تتمتع بموقع جيوسياسي مهم وهي لاعب رئيسي في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة والرقائق الإلكترونية، ما يمنحها أهمية استراتيجية في الاقتصاد العالمي[11]. وبالتالي فإنّ إعادة الصين لتايوان إلى البرّ الرئيسي الصيني يعني حصول بكّين على منفذٍ بحريٍّ أوسع نحو المحيط الهادئ، ما يسهّل وصول قواتها البحرية إلى مناطق نفوذ أبعد ويحد من قدرة الولايات المتحدة على حصرها. وأيضًا، فإنّ نجاح الصين في السيطرة على تايوان يعني مكسبًا استراتيجيًّا، وانتصارًا جيوسياسيًّا مهمًّا، لكنّه في الوقت نفسه مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تشعل حربًا واسعة، إذ أنّ أيّ سيطرة صينية على تايوان تعني امتلاك بكّين لورقة ضغط اقتصادية مؤثّرة وذات أهمية.

والجدير بالذكر أنّ الولايات المتحدة – التي لا تعترف بتايوان كدولة وتعتمد سياسة ما يعرف بـ”الغموض الاستراتيجي” تجاهها مع تأكيدها على مبدأ “صين واحدة” – تتعهّد بشكل مستمرّ بحماية تايوان لكنّها لم تعقد أي اتفاق أو معاهدة رسمية للدفاع عنها، ما يترك الباب مفتوحًا أمام خيارات الردع غير المباشر، مثل تسليح الجزيرة وتقديم الدعم الاستخباراتي لها.

وتقدم واشنطن الدعم العسكري والاستخباراتي لتايوان، حيث قامت بتسليمها مؤخرًا منظومة الصواريخ الأمريكية “هيمارس”[12]، والطائرات المسيّرة الهجومية ALTIUS 600M [13]

إلى ذلك، برز اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كـ”صانع سلام” بعد وساطاته الناجحة في حروب دولية، خاصةً بعد نجاحه في وقف الحرب بين إسرائيل وإيران، وكذلك بين الهند وباكستان. إلا أنّ نهجه السياسي المتمثل في “أمريكا أولًا” يجعله مترددًا في خوض حروب خارجية مكلفة للغاية، خاصة ضد دولة ذات قوة نووية مثل الصين. ومن غير المرجح أن تخوض الولايات المتحدة حربًا شاملة للدفاع عن تايوان، وقد يقتصر دعمها عن طريق تسليحها عسكريًا، تماماً كما تفعل الولايات المتحدة الآن مع أوكرانيا في حربها مع روسيا.

كما أنّ الرئيس الأمريكي يدرك تمامًا أن أي تدخل مباشر في تايوان سيؤدّي إلى مواجهة نووية أو حرب عالمية ثالثة، وهو ما يتعارض مع مصالح قاعدته الانتخابية، خصوصًا حركة MAGA لنجعل أمريكا عظيمة من جديد، التي ترفض التدخلات العسكرية الواسعة خاصة بعد أن واجه معارضة شديدة من قاعدته الانتخابية[14] عندما قام بضرب المنشآت النووية الإيرانية خلال حرب إيران وإسرائيل في يونيو 2025.

حيث تؤمن هذه الحركة بتقليص أعباء السياسة الخارجية، خاصة من خلال تجنب الحروب، والتركيز على “أمريكا أولاً” وتعزيز القوة العسكرية للبلاد، على عكس المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري، الذين يدعمون التدخل العسكري المباشر بهدف المحافظة على النفوذ الأمريكي في العالم.

كما تدرك إدارة ترامب أن أي حرب غير مبرّرة كخوض حرب من أجل تايوان سوف يثير غضبًا شعبيًا واسعًا خاصة ضمن قاعدته الانتخابية، وبالتالي تهديد الأمن القومي الداخلي للبلاد. كما أن الموقع الجغرافي لمضيق تايوان يمنح الصين أفضلية استراتيجية، الأمر الذي  يصعّب على القوات الأمريكية تحقيق أهداف عسكرية سريعة.

وأظهرت استطلاعات الرأي تراجع التأييد الشعبي لترامب بين بعض ناخبيه، ما يجعله أكثر حذرًا في قراراته العسكرية[15].

كما أظهر استطلاع “نافيغيتور ريسيرش” في الفترة من 24 إلى 28 أبريل/نيسان 2025 على 1000 ناخب مسجل، ووجد أن حوالي 1 من كل 9 من المشاركين الذين صوتوا لترامب في عام 2024 يندمون على ذلك، بينما لا يندم 16% آخرون على التصويت له ولكنهم يشعرون بخيبة أمل[16].

وفي النهاية، يبقى مستقبل تايوان اختبارًا دقيقًا للسياسة الأمريكية في مواجهة الصين. فالصدام المباشر بين القوتين النوويتين سيحمل مخاطر غير قابلة للاحتواء، فتبدو استراتيجيات الردع غير المباشر أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية الحالية.

فبالنسبة لترامب، فإنّ الحفاظ على صورته كزعيم يضع “أمريكا أولًا” يظل أولوية، حتى لو كان الثمن ترك الملف التايواني دون تدخل عسكري مباشر.


[1] https://www.albayan.ae/opinions/1999-10-17-1.1094392

[2] Edelstein David, Over the Horizon: Time, Uncertainty, and the Rise of Great Powers, Cornell University Press, Ithaca and London, 2017.

[3] https://www.qnb.com/sites/qnb/qnbglobal/ar/areconomics12may19news

[4] https://www.npr.org/2024/10/30/g-s1-30873/china-launches-new-crew-to-its-space-station-as-it-seeks-to-expand-exploration.

[5] https://al-ain.com/article/country-military-strength-china-us

[6] https://arabicpost.net/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/2024/06/26/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A/

[7] https://arabic.rt.com/world/1639562

[8] https://arabic.rt.com/world/1670498

[9] https://www.skynewsarabia.com/world/1642331

[10] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/2018/06/29/

[11] https://www.csis.org/analysis/silicon-island-assessing-taiwans-importance-us-economic-growth-and-security#:~:text=Taiwan%20remains%20a%20critical%20partner,to%20maximize%20their%20productive%20efficiency.

[12] https://24.ae/article/906230/

[13] https://arabic.rt.com/world/1699469

[14] https://www.theguardian.com/us-news/2025/jun/22/iran-attack-maga-reaction-trump?utm

[15] https://www.newsweek.com/donald-trump-poll-voters-regret-voting-disappointed-approval-rating-2066120?utm

[16] https://www.newsweek.com/donald-trump-poll-voters-regret-voting-disappointed-approval-rating-2066120


فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى