ممرّ ترامب وطريق الحرير الصيني: صراع الاقتصاد والجيو-استراتيجيا في القوقاز

بقلم الباحث الاقتصادي الدكتور أيمن عمر

“ممرّ ترامب” هو ممرّ تجاري واستراتيجي برّي يربط أذربيجان الرئيسية بجيبها المعزول نخجوان عبر جنوب أرمينيا، دون المساس بسيادة الأخيرة. فقد وقّعت أرمينيا وأذربيجان اتفاق سلام بوساطة أميركية، يتضمن تطوير ممر “زنغزور”، وتغيير مسماه إلى “ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليَيْن” (Trump Route for International Peace and Prosperity – TRIPP). يمنح الاتفاق الولايات المتحدة حقوق تطوير حصرية لمدة تصل إلى 99 عامًا لبناء وتشغيل البنية التحتية بما في ذلك السكك الحديدية، الطرق، خطوط الطاقة، والاتصالات، عبر أرمينيا وتسليمها لاحقًا إلى تحالف شركات خاصة.
البُعد الجيو– استراتيجي
يُنظر إلى “ممر ترامب” باعتباره مشروعًا جيوسياسيًا واقتصاديًا محوريًا في جنوب القوقاز، إذ يتجاوز كونه مجرد مبادرة للبنية التحتية ليشكّل أداة استراتيجية ضمن سياسة أميركية – أوروبية أوسع، تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجيو–اقتصادية في أوراسيا. يقوم جوهر المشروع على خلق ممرٍّ جديد يربط الهند والشرق الأوسط بأوروبا عبر القوقاز وتركيا، بما يساهم في تقليص اعتماد القارة الأوروبية على سلاسل الإمداد القادمة من الصين وروسيا، ويمنحها خيارات أكثر مرونة في مجال الأمن الطاقوي واللوجستي. يطرح هذا الممرّ نفسه أيضًا كآلية لإعادة توزيع النفوذ في منطقة لطالما شكّلت ساحة تنافس بين القوى الكبرى، إذ يسعى إلى إعادة موازنة الأدوار بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا. وهو يتجاوز النفوذ التقليدي لموسكو وطهران، ويفتح الباب أمام أرمينيا للانخراط في شبكات اقتصادية وإقليمية جديدة كانت مغلقة أمامها لعقود.
يحمل المشروع أبعادًا تتجاوز الاقتصاد ليصبح أداة لتثبيت الاستقرار بين الخصوم التاريخيين، لا سيما أرمينيا وأذربيجان. ولكن الأصوات المعارضة داخل أرمينيا ترى أن المشروع قد يفتح ثغرات أمنية حساسة، خصوصًا أنه سيمرّ بمناطق متنازع عليها قرب إقليم ناغورنو–كاراباخ الذي أعادته باكو إلى سيادتها إثر عملية عسكرية في سبتمبر 2023، ما قد يفاقم خطر التوترات المسلحة بدلاً من تخفيفها. وهذا يجعل الممر مشروعًا مزدوج الوجه: فهو من جهة أداة لتعزيز التجارة والاستقرار، ومن جهة أخرى قد يتحوّل إلى ساحة جديدة لتنافس عسكري – أمني بين القوى الكبرى والإقليمية. فإمكانية فتح طرقات جديدة قد تعطي يريفان، عاصمة أرمينيا، شعورًا بآفاق انفتاح طال انتظاره نحو الأسواق الإقليمية والدولية، بما يعزز فرص التنمية الاقتصادية ويخفف من عزلتها الجغرافية.
رحّبت تركيا بالصفقة، معتبرة أنها تندرج ضمن مشروع “الطورانية الأكبر” الذي يعزز موقعها كصلة وصل حيوية بين آسيا وأوروبا، ويمنحها دورًا محوريًا في التجارة واللوجستيات الدولية. في المقابل، أبدت إيران اعتراضًا شديدًا على الممر، ورأت فيه تهديدًا مباشرًا لدورها التقليدي كطريق عبور رئيسي في المنطقة، بل وذهبت إلى اعتباره محاولة لحصارها بريًا واستبعادها من معادلات التجارة العابرة للقارات، وأنّه يثير مخاوف من تطويقها استراتيجيًا، حيث يمكن أن يتحول إلى ممر بريّ – أمني يربط بين حلفاء واشنطن في الخليج، وأذربيجان، وتركيا، بما يقلّص من هامش مناورتها العسكري.
روسيا بدورها أبدت تحفظات رسمية، إذ اعتبرت أنّ المبادرة تُهمّش نفوذها التاريخي في جنوب القوقاز، لكنها لم تغلق الباب تمامًا، محتفظة بخيارات دبلوماسية ووسائل ضغط خلف الكواليس. فهو يمثّل تهديدًا مبطنًا لمعادلة الردع التي بنتها موسكو في جنوب القوقاز من خلال وجودها العسكري في أرمينيا وقاعدتها في غيومري. فإعادة توجيه طرق التجارة والطاقة بعيدًا عن النفوذ الروسي، تعني في المدى البعيد تراجع أهمية الدور العسكري لروسيا في حماية خطوط الإمداد. كما أن واشنطن وحلف شمال الأطلسي (الناتو) قد يستغلان الممر لتعزيز حضور أمني غير مباشر في منطقة تعتبرها موسكو جزءًا من مجالها الحيوي.
“ممر ترامب” في مواجهة طريق الحرير
هذه المنافسة لا تقتصر على حجم الاستثمار فقط، بل تشمل عدة أبعاد، وهي:
1- نطاق المشروع
يقتصر “ممرّ ترامب” على القوقاز وتركيا بمسار محدد يربط أذربيجان بأوروبا عبر أرمينيا، بينما تمتد مبادرة الحزام والطريق الصينية لتشمل أكثر من 140 دولة عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يجعلها شبكة عالمية متكاملة.
2- حجم التجارة والنفوذ الاقتصادي
طريق الحرير يسعى إلى خلق شبكة لوجستية عالمية تشمل موانئ بحرية، سكك حديدية، وخطوط طاقة، ما يزيد من التبعية الاقتصادية للدول المشاركة، ويؤمّن لها أسواقًا ضخمة لمنتجاتها. كما يربط المبادرة الصين مباشرة بأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، مؤثرًا بشكل مباشر على مسارات التجارة العالمية.
بينما “ممر ترامب” يركّز على مسارات محددة تمر عبر القوقاز وتركيا، ويستهدف توفير 20–30 مليار دولار سنويًا في تكاليف النقل واللوجستية. ورغم أن حجم التجارة المتوقع عبره تقدّر بحوالي 50–100 مليار دولار وهي أقل بكثير من طريق الحرير، إلا أنه يقدم مسارًا سريعًا وفعّالًا من منظور كفاءة التكلفة، مما يجعله منافسًا استراتيجيًا لتقليص هيمنة الصين على الممرات التجارية.
3- الاستثمارات والبنية التحتية
طريق الحرير يشمل استثمارات هائلة تفوق التريليون دولار تشمل مشاريع ضخمة في الموانئ، السكك الحديدية، المطارات، والطاقة، مع تركيز على المدى الطويل لتشكيل شبكات اقتصادية وسياسية مترابطة. في حين أن استثمارات “ممر ترامب” تقدَّر بحوالي 3 إلى 5 مليارات دولار في البنية التحتية، إضافة إلى 10 مليارات دولار في قطاع الطاقة المتجددة وعقود إضافية بقيمة 2 مليار دولار. استثماراته أصغر نسبيًا من استثمارات طريق الحرير، لكنها مركزة على مناطق محددة بهدف تحقيق نتائج سريعة، خصوصًا في تعزيز صادرات أذربيجان والنقل الغازي لأوروبا.
4- البعد الجيو-استراتيجي
تستخدم الصين الاقتصاد كأداة للنفوذ الجيوسياسي، مستفيدة من القروض والبنية التحتية لخلق تبعية طويلة الأمد للدول المشاركة. بينما يمثل “ممر ترامب” الرد الأميركي والأوروبي لمحاولة الصين الهيمنة على طرق التجارة، إذ يربط المشروع بين أوروبا وآسيا عبر دول محورية، مع تأمين الطاقة الأوروبية (10% من الغاز) وخلق بدائل لوجستية تقلل النفوذ الصيني الروسي.
5- الابتكار والكفاءة مقابل الحجم
يبرز “ممر ترامب” الابتكار في السرعة والكفاءة والتكلفة، مع تركيز على استثمارات مستهدفة وعمليات تشغيل محددة، في حين أن طريق الحرير يعتمد على الحجم الشامل واستراتيجيات طويلة الأمد لبناء شبكة متكاملة، ما يعطي الصين نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا هائلًا، لكنه أبطأ في تحقيق العوائد الاقتصادية المباشرة.
6- البعد الإقليمي والدولي
إن المنافسة بينهما لا تقتصر على آسيا وأوروبا، بل تمتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، إذ تؤثر هذه المشاريع على سياسات الاستثمار، تأمين الطاقة، وتدفقات التجارة العالمية. إن نجاح “ممر ترامب” يعني تحديًا مباشرًا لاحتكار الصين للممرات التجارية، بينما فشل المشروع قد يعزز من نفوذ طريق الحرير ويترك المنطقة تحت هيمنة اقتصادية أطول مدى.
7- مدة النقل القدرة الترانزيتية بين آسيا وأوروبا
يساهم “ممر ترامب” في تقليص زمن النقل بمعدل 10 إلى 15 يومًا، أي أسرع بنسبة 40% من المسارات التقليدية، ويستهدف نقل نحو 50 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، انطلاقًا من 15 مليون طن في مراحله الأولى. بينما يظل المسار عبر طريق الحرير أبطأ نسبيًا في تحقيق عوائد مباشرة، وتعتمد قدرته الترانزيتية على حجم الشبكة الإجمالية في كل دولة، ما يمنحها طاقة أكبر على المدى الطويل.
الخاتمة
باختصار، المنافسة بين” ممر ترامب” وطريق الحرير هي منافسة استراتيجية على السيطرة على ممرات التجارة العالمية، تجمع بين أبعاد اقتصادية مثل التجارة والطاقة والبنية التحتية، وأبعاد جيو-سياسية مثل النفوذ والتحالفات والأمن الإقليمي. ويمكن النظر إلى “ممر ترامب” على أنه فرصة استراتيجية لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وربط أسواق أوراسيا ببعضها، مع فتح آفاق جديدة لأرمينيا وأذربيجان وتركيا في مجالات التجارة والطاقة والنقل. فهو يقدم نموذجًا يُظهر كيف يمكن للمشاريع الاقتصادية الكبرى أن تكون أداة لتحقيق الاستقرار والسلم بين الدول المتنازعة، من خلال خلق مصالح مشتركة وتشجيع الاعتماد المتبادل على الممر. مع ذلك، يبقى المشروع محفوفًا بالمخاطر الجيو–أمنية. فالتنافس بين القوى الإقليمية الكبرى – روسيا وإيران وتركيا – جنبًا إلى جنب مع النفوذ الأميركي، قد يخلق متغيرات غير متوقعة على الأرض. المخاوف المتعلقة بالسيادة الوطنية لأرمينيا، والضغط الإيراني على طرق العبور، والتحفظات الروسية بشأن تراجع نفوذها التقليدي، جميعها عناصر قد تحول الممر إلى نقطة توتر محتملة إذا لم تتم إدارته بعناية سياسية وديبلوماسية عالية المستوى.
في هذا السياق، يصبح نجاح “ممر ترامب” مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، بحيث يتحول من مجرد مشروع لوجستي إلى منصة للتكامل الإقليمي، مع الحد من المخاطر العسكرية والاحتكاكات بين القوى الكبرى والإقليمية. ويمكن القول إن الممر، إذا ما أُدير بذكاء، قد يمثل نموذجًا مبتكرًا للتعاون الإقليمي المستدام، لكنه في الوقت نفسه يظل ورقة استراتيجية حساسة في يد الأطراف الفاعلة على المسرح الأوراسي.
