سد النهضة بعد التشغيل الكامل: تحوّل جيواستراتيجي يعيد صياغة توازنات القرن الأفريقي

في التاسع من أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت إثيوبيا رسميًا دخول سد النهضة مرحلة التشغيل الكامل، بعد أكثر من 14 عامًا على انطلاق أعمال البناء، وقرابة عقد ونصف من التجاذبات السياسية والمفاوضات المتعثرة. ورغم أن المشهد الرسمي اتّسم بالاحتفال والاحتفاء الوطني، إلا أن اللحظة تتجاوز الإنجاز الهندسي والتقني، لتفتح الباب على مرحلة جديدة من التفاعلات الإقليمية، عنوانها الأبرز: إعادة تشكيل توازنات القوة في حوض النيل، والتحول العميق في ديناميكيات النفوذ بمنطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم هشاشة مائية وتضاربًا في المصالح.
منذ لحظته الأولى، لم يكن مشروع سد النهضة مجرد مبادرة تنموية لإنتاج الكهرباء أو تطوير البنية التحتية. بل كان مشروعًا استراتيجيًا بأبعاد سياسية وأمنية واضحة، صُمّم ليكون أداة لإعادة صياغة المشهد الجيوسياسي في القرن الأفريقي، ولبناء موقع تفاوضي أقوى في علاقات إثيوبيا مع دول المصبّ، وفي مقدّمتها مصر والسودان. ومع التشغيل الكامل، تُدشّن إثيوبيا واقعًا مائيًا جديدًا، تمسك فيه بدفة التحكم بأكثر من 85% من مياه النيل التي تصل إلى أراضي دول المصبّ، ما يجعلها تمتلك أداة ضغط غير مسبوقة في تاريخ حوض النيل.
وعندما كانت مصر غارقة في تداعيات “ثورة يناير” 2011، والسودان يواجه تداعيات الانفصال وأزمات اقتصادية متشابكة، تمكّنت أديس أبابا من استغلال لحظة إقليمية بالغة الحساسية، لتبدأ بناء السد من دون التوصّل إلى اتفاق قانوني ملزم، وبمعزل عن قواعد إدارة الأنهار الدولية. وبدلًا من أن تكون المفاوضات مسارًا لإدارة الموارد المشتركة، تحوّلت إلى عملية سياسية مطوّلة، استخدمتها إثيوبيا كأداة لكسب الوقت، وفرض رؤيتها الأحادية في التخطيط والبناء والتشغيل. هذا الإطار القائم على “سياسة الأمر الواقع” سمح لها بترسيخ موازين جديدة، يصعب التراجع عنها، في ظل غياب الضغوط الفاعلة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
وفي السياق ذاته، لم تعد المياه مجرّد مورد مشترك، بل تحوّلت إلى سلاح استراتيجي، يُستخدم لتحديد قواعد الاشتباك السياسي، وللتأثير في منظومات الأمن القومي للدول المجاورة. وتُبرز الحالة الإثيوبية كيف يمكن لدولة منبع، في غياب اتفاقيات ملزمة، أن تستثمر موقعها الجغرافي لفرض هيمنة مائية، تُغيّر من طبيعة العلاقات الإقليمية، وتعيد رسم حدود السيادة الفعلية على الأرض. فسد النهضة، كما يتضح الآن، ليس مجرد سد لتوليد الطاقة، بل نقطة تحوّل في مفاهيم السيطرة والردع، في منطقة تُواجه تحديات متراكمة على مستوى إدارة الموارد، والاستقرار السياسي، والأمن الغذائي.
وتبدو تداعيات هذا التحوّل أكثر حدة في حالة مصر، التي تعتمد على نهر النيل في أكثر من 90% من احتياجاتها المائية. وأي خلل في كمية المياه أو توقيت تدفقها يُعرّض الأمن القومي المصري لاختلالات حادة، ليس فقط على المستوى الزراعي أو الصناعي، بل على مستوى التخطيط الاستراتيجي ككل. ما تواجهه القاهرة اليوم لا يتعلق بمجرد تقنيات ملء أو تشغيل، بل بفقدان السيطرة على مصدر حيوي تُبنى عليه بنية الدولة ذاتها. أما في السودان، فتبدو التحديات أكثر تعقيدًا، نظرًا لقرب السدود السودانية، وعلى رأسها الروصيرص، من موقع سد النهضة، ما يجعلها عرضة لتقلبات فورية في تدفق المياه. ومع استمرار الهشاشة السياسية والاقتصادية، تتراجع قدرة السودان على اتخاذ مواقف واضحة، أو الدخول في مفاوضات من موقع قوة، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بأي تحوّلات في السياسة المائية الإثيوبية.
في خلفية هذا المشهد، تظهر بوضوح ديناميكيات إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي. فبينما تنشغل دول المصبّ في إدارة أزماتها الداخلية، تسعى إثيوبيا لتكريس نفسها كقوة محورية في القرن الأفريقي، توظّف موقعها كمنبع للمياه، ومصدر محتمل للطاقة، لإعادة تعريف الشروط السياسية في الإقليم. وهذا الطموح لا ينفصل عن سلوكها الإقليمي الأوسع، من الانخراط في ملفات أمنية داخلية وخارجية، إلى السعي لربط مشاريع البنية التحتية بعلاقات نفوذ أوسع. وفي هذا السياق، يصبح سد النهضة أشبه بـ”نقطة ارتكاز استراتيجية”، تُستخدم لتوجيه العلاقات الإقليمية، وتوزيع المكاسب والخسائر، بما يتجاوز كثيرًا الطابع الإنمائي المعلن للمشروع.
وفي ظل غياب اتفاق ملزم بين الدول الثلاث يفتح المجال أمام مجموعة من السيناريوهات المتباينة. السيناريو الأول يقوم على احتمال استئناف المفاوضات من خلال إطار جديد أكثر فعالية، يضمّ أطرافًا دولية ضاغطة وخبرات فنية وقانونية مستقلة، ويُفضي إلى آلية رقابية دائمة تضمن التزام جميع الأطراف. أما السيناريو الثاني، فيتعلّق باستخدام أدوات غير مباشرة للردع، مثل الضغط الدبلوماسي، أو التحركات القانونية أمام المحاكم الدولية كما فعلت مصر في أول رد رسمي حيثُ “أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا شديد اللهجة، أعلنت خلاله توجيه خطاب إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيه رفضها “لأي إجراءات أحادية” من الجانب الإثيوبي، معتبرة أن تشغيل السد دون اتفاق قانوني يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والأعراف الحاكمة للأنهار الدولية، ويشكل تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة بأسرها”. [1] أو حتى بناء منشآت داخلية تسمح بالتحكم في التخزين والاستخدام، لتقليل الأثر الأحادي للتشغيل الإثيوبي. ويبقى السيناريو الثالث – وهو الأخطر – قائمًا على فرضية القبول التدريجي بالأمر الواقع، ما يعني تسليمًا ضمنيًا بإدارة إثيوبيا للتدفقات المائية، وفتح الباب أمام ابتزاز مائي مستمر، يُضعف القدرة على التخطيط، ويؤسس لصراع طويل الأمد يصعب احتواؤه.
ولأن القضية تتجاوز السدّ كمشروع هندسي، وتُلامس مفاهيم السيادة والعدالة المائية، فإن أي حلّ لا يمكن أن يقوم على المجاملة السياسية أو حسابات المصالح الآنية. بل إن المعالجة الحقيقية تتطلب إعادة بناء الإطار القانوني والسياسي الذي يحكم مياه النيل، وفق مبادئ التوازن والمنفعة المتبادلة، لا التفرد والاستحواذ. من هنا، يصبح من الضروري أن تبادر مصر والسودان إلى بلورة رؤية موحّدة، تُدرج الأمن المائي في صلب استراتيجيات الأمن القومي، وتُعيد الاعتبار للدبلوماسية المائية كأداة تفاوض لا تقل أهمية عن الوسائل التقليدية.
أمّا دوليًا، فلا يمكن إغفال دور القوى الكبرى في هذا التحوّل. فالصين، باعتبارها أحد أكبر الممولين لمشاريع البنية التحتية في أفريقيا، والولايات المتحدة، صاحبة التجربة السابقة في الوساطة، فضلًا عن الاتحاد الأوروبي، جميعها تمتلك أوراق ضغط يمكن – إن أُحسن استخدامها – أن تُسهم في بناء توازن جديد. لكن هذا لا يتحقق من دون إرادة واضحة من دول المصبّ، تقوم على المبادرة لا الانتظار، وعلى بناء أدوات استراتيجية متعددة، لا الاكتفاء بردود الأفعال الموسمية.
ختامًا، إن لحظة التشغيل الكامل لسد النهضة ليست نهاية مرحلة، بل بداية منعطف جيوسياسي جديد، يعيد تشكيل العلاقة بين دول المنبع والمصب، ويضع أمام الجميع سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن إدارة مورد مشترك في بيئة إقليمية مضطربة، من دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة؟
Bibliography
| [1] | رئيس الوزراء الإثيوبي يدشن سد النهضة, “قراءات افريقية,” ٩ ٩ ٢٠٢٥. [Online]. Available: https://qiraatafrican.com/31885/%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ab%d9%8a%d9%88%d8%a8%d9%8a-%d9%8a%d8%af%d8%b4%d9%86-%d8%b3%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/. |
