الشائع

إسرائيل بين الصواريخ التقليدية لإيران والسلاح النووي للسعودية وباكستان

عجزت السعودية عن استدراج باكستان عام 2015 إلى الانضمام إلى “التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن” حين أعلنت السعودية والإمارات “عاصفة الحزم” في مارس 2015، وذلك حين قام البرلمان الباكستاني بالتصويت بالإجماع على الوقوف على الحياد في تلك الحرب، مع تأكيد إسلام آباد على سياستها ونهجها بوجوب الدفاع عن الحرمَيْن (مكّة، المدينة) خاصة، والمملكة العربية السعودية عامّة إذا داهمها خطب جسيم أو أحدق بالعائلة المالكة خطر عظيم.

فأغضب ذلك السعودية والإمارات ورمَوْا باكستان بالجحود وقلّة الوفاء، وأعرضتا عامَيْن عن تقديم المساعدات المالية، وطالبتا باكستان باسترداد ودائعهما في البنك المركزي الباكستاني حتّى أرهقتا كاهل الاقتصاد الباكستاني في ذلك، ومكث الأمر على هذه الحال إلى أن انقضى عهد حكومة نواز شريف الثالثة. ومع مجيء عمران خان إلى الحكم، عادت السعودية والإمارات إلى الاستثمار في باكستان وقدّمتا ودائع مالية بقيمة 5 مليار دولار للمصرف المركزي الباكستاني، كما وقّع وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتفاقيات استثمارية مع حكومة عمران خان بقيمة 20 مليار دولار في زيارته إلى باكستان في فبراير 2019، وهي أكبر استثمارات للسعودية في باكستان في تاريخها، وذلك في سعيٍ جديد من الرياض وأبو ظبي لاستدراج إسلام آباد إلى المشروع الاستراتيجي الذي كان يسعى وزير الخارجية الأمريكي حينها مايك بومبيو لإنشائه، وهو “ناتو سنّي” متحالف مع إسرائيل لاحتواء خطر إيران وحلفائها في المنطقة.

ورغم كثرة الحوادث في ذلك العام، من الاعتداء على السفن وناقلات النفط في مياه الخليج، وقصف منشأتَيْ شركة “أرامكو” السعودية في أبقيق وخربة خريص في سبتمبر 2019، إلّا أنّ باكستان أعرضت عن الدخول في هذا الحلف وذلك تفاديًا لنقل الفتنة السنية – الشيعية من الشرق الأوسط إلى الداخل الباكستاني المثقل أصلًا بالأزمات والفتن القومية والطائفية والقبلية.

وبسائق من أحداث ذلك العام، انتبهت القيادة السعودية من وهم دفاع الولايات المتحدة عن الرياض وسراب المظلة الأمنية الأمريكية لها، فذهبت تجري إلى البحث عن ضامن عالميٍّ لأمنها، فلمّا كانت العقبات كبيرة أمام استبدال الولايات المتّحدة بالصين لأسباب مالية ولوجستية وعسكرية وتقنية واستراتيجية ليس محلّ شرحها ههنا، لم تجد السعودية مندوحة وبدًّا من عقد “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك” مع باكستان والتي تنصّ في بند منها على أنّ “أي اعتداء على دولة هو اعتداء على كلتَيْهما”، ولا ريْبَ أنّ الراصد الاستراتيجي يدرك أنّ السعودية عاجزة عن مساعدة باكستان عسكريًّا وإنّما القصد من هذا البند إلزام باكستان بالدفاع عن السعودية وأمنها واستقرارها، ومدّ المظلّة النووية الباكستانية عليها لتكون بديلًا عن المعاهدة الأمنية التي سعت السعودية إلى إبرامها مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في آخر عهدها.

في الوقائع والتحليل:

  • لا ريب أنّ قصف الطائرات الإسرائيلية لقطر بصواريخ “سيلفر سبارو” (مداها 2000 كلم) قد حمل السعودية على عقد هذه الاتفاقية مع باكستان، لأنّ هذه الطائرات سواء قصفت من فوق البحر الأحمر أو من المجال الجوي السوري، فإنّ صواريخها عبرت الأجواء السعودية حتى بلغت أهدافها في العاصمة القطرية الدوحة. وقد أدركت الرياض عجزها الموضوعي عن عقد اتفاقية مع الصين وأدركت عجزها عن إبرام معاهدة أمنية مع واشنطن بسائق تكنولوجي، حيث عطّلت إسرائيل في قصفها على قطر أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في دول الخليج (ثاد، باتريوت،…)، فعلمت السعودية أنّ هذه المعاهدة لن تدفع عنها الخطر الإسرائيلي، وعليه فإنّها تصبح هي والبلدان الخليجية الأخرى عريّة مكشوفة أمام التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية المتطوّرة.

أرأيْتَ لو أنّ حركة “أنصار الله” اليمنية (الحوثيون) أو الإيرانيين قصفوا في تلك اللحظة التي تعطّلت فيها أنظمة الدفاع الجوي في بلدان الخليج، مواقع سيادية – سياسية وقواعد عسكرية ومواقع اقتصادية استراتيجية، لوقع ضررٌ عظيم لا يمكن استدراكه في تلك البلدان لانكشافها العسكري والتكنولوجي أمام خصومها. ولذلك سعى وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سعيًا حثيثًا لعقد هذه الاتفاقية مع باكستان، لحاجة كلّ دولة منهما إلى الأخرى واقتران ذلك بتحقّق مصلحتهما في هذه الاتفاقية.

  • سيكون هذا التحالف بين السعودية وباكستان نواة حلف “ناتو سنّي” يشمل الكثير من الدول الإسلامية التي ستنتظم فيه وتنضمّ إليه، مثل: مصر، تركيا، البحرين، قطر… غير أنّ هذا التحالف لن يكون في مقاصده وأهدافه الاستراتيجية مثلما كان سعي وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو، لأنّه تأسس لاحتواء الخطر الإسرائيلي الذي ظهر لهذه الدول بعد حملة إسرائيل الجوية على إيران في يونيو 2025 وقصفها للدوحة في سبتمبر 2025، فتخشى تركيا وقطر والسعودية ومصر أن تستهدفها إسرائيل إذا اقتضت مصلحتها الاستراتيجية ذلك.
  • إنّ هذا الحلف وإن كان في ظاهره لردّ غائلة إسرائيل عن الدول المنتظمة فيه، فإنّه في باطنه يستهدف احتواء خطر إيران وحلفائها (الحوثيون في اليمن، الحشد الشعبي في العراق، حزب الله في لبنان)، وعليه فإنّ إيران وحلفاءها يتوجّسون خيفة من ظهور هذا الحلف لأنّهم يدركون المقاصد النهائية له منذ الحديث عنه لأوّل مرة عام 2017، حين كان “الناتو السني” من مقصده محاربة إيران وحلفائها حينها.
  • إنّ من مقاصد هذه الاتفاقية بين السعودية وباكستان توطين الصناعات العسكرية الموجودة في باكستان ونقلها إلى السعودية، ومنها التكنولوجيا النووية التي تشمل تخصيب اليورانيوم، ونقل أدواتها، وإنشاء مرافق لذلك في السعودية.

كما تقتضي الاتفاقية نقل وحدات عسكرية باكستانية من كافة الاختصاصات إلى الأراضي السعودية، وبذلك تكون باكستان على حدود إسرائيل لأوّل مرة، بعد أن أعادت مصر جزيرتَيْ تيران وصنافير إلى السعودية، فأصبحت السعودية مطلّة بحريًّا على المياه الإقليمية الإسرائيلية.

وبهذا تصبح باكستان الدولة السنية النووية على حدود إسرائيل الدولة اليهودية النووية.

  • وإذا انضمّت تركيا وسوريا إلى هذا الحلف، فإنّ قواعد التحالفات العسكرية تقتضي نقل وحدات عسكرية من باكستان إلى تركيا وسوريا، وعليه يصبح الجيش الباكستاني على حدود إسرائيل برّيًا.
  • إذا تحقّقت إيران وتيقّنت أنّ هذا الحلف من مقصده احتواء الخطر الإسرائيلي فقط، فيمكن عندها أن تلتحق به وتنضمّ إليه، وعندها ستواجه إسرائيل خطر الصواريخ التقليدية لإيران مقترنًا بالسلاح النووي للسعودية وباكستان، خاصة وأنّ إسرائيل قد اختبرت المنظومة الصاروخية الإيرانية في حربهما الأخيرة في يونيو 2025.
  • ولعلّ من عواقب التحالف السعودي – الباكستاني أن يُعلن التحالف الاستراتيجي الإسرائيلي – الهندي القائم أصلًا منذ عام 2015 مع وصول حزب “بهاراتيا جاناتا” الهندوسي إلى السلطة، حيث ترسّخ التعاون التكنولوجي والأمني والاقتصادي بين إسرائيل والهند منذ عقد. كما أنّ عداوة الهند للجماعات الإسلامية تجمعها بإسرائيل التي أرهقتها الحروب مع “حزب الله” وحركَتيْ “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وحركة “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن وغيرها من الحركات الإسلامية في المنطقة.

وكما أنّ القدس والقضية الفلسطينية قضية مركزية للعرب والمسلمين في الشرق الأوسط، فإنّ كشمير هي “قدس باكستان”، وهو ما يحمل على نشأة حلفَيْن متوازيَيْن متناقضَيْن متنافرَيْن، أحدهما يضمّ الدول الإسلامية والآخر يضمّ إسرائيل والهند وكلّ دولة تحارب المجموعات الإسلامية المتشدّدة مثل ميانمار والفلبّين وغيرهما.

  • إذا تمّ وصل التحالف الباكستاني – التركي – الأذري الجديد عبر سوريا والأردن بالسعودية، فإنّ دائرة جيوسياسية محكمة الإغلاق تحيط بإيران وتكون على مشارف إسرائيل.
  • وإن نشأ تحالف تركي – روسي – صيني كما دعا إليه زعيم “الحركة القومية” التركية دولت بهجلي، فإنّه سيكون على توافق مع الحلف الباكستاني – السعودي بسائق من الشراكة الصينية – الباكستانية والخصومة الصينية – الهندية التاريخية، رغم بعض ما ظهر من حسن الجوار وطيب العلاقات بين الهند والصين في قمّة منظمة شنغهاي في تيانجين الصينية في سبتمبر 2025، بسائق من نفورهما من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليهما.
  • ولعلّ الإدارة الأمريكية ستتّخذ استراتيجية محدّدة بعينها في المستقبل لإدارة الأزمات الناجمة عن ظهور “الناتو السني” من غير توافق معها. 

الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية

3 تعليقات

  1. لعل أبرز ما جاء في السرد بعد الدراسة العميقة والموجزة بنفس الوقت هو أننا مقبلون على تحالفات جديدة كانت في الماضي حلم لتلك الدول وبالاخص ماتم ذكره بالتحالف السني والسؤال هل تقبل إسرائيل بوجود هكذا تحالفات على حدودها في ظل الحرب شبه البارده مع تركيا والتوتر مع باكستان من خلال تحالف إسرائيلي هندي ؟
    واخيرا وليس آخرا العالم كلمة قليلة بحقك دكتور يوسف ودعني اصف بمجرة العلوم دمت بخير ودام نبضل قلمك

  2. لعل أبرز ما جاء في السرد بعد الدراسة العميقة والموجزة بنفس الوقت هو أننا مقبلون على تحالفات جديدة كانت في الماضي حلم لتلك الدول وبالاخص ماتم ذكره بالتحالف السني والسؤال هل تقبل إسرائيل بوجود هكذا تحالفات على حدودها في ظل الحرب شبه البارده مع تركيا والتوتر مع باكستان من خلال تحالف إسرائيلي هندي ؟
    واخيرا وليس آخرا العالم كلمة قليلة بحقك دكتور يوسف ودعني اصفك بمجرة العلوم دمت بخير ودام نبض قلمك

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى