بريطانيا وفرنسا وكندا... ما بين النفاق والارتزاق

لعلّ كثيرًا من الناس هلّلوا حين جاءت الاعترافات من الدول الغربية (كندا، فرنسا، بريطانيا، إسبانيا، أستراليا، البرتغال…) بالدولة الفلسطينية تترى وتتعاقب منذ بضعة أشهر إلى أن بلغ الأمر ذروته في انعقاد “مؤتمر تسوية قضية فلسطين وتحقيق حلِّ الدولتَيْن” في مقرّ الجمعية العامة للأمم المتّحدة في نيويورك في 22 سبتمبر 2025، حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ووزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير – (وهذا خللٌ بروتوكولي ظاهر في رئاسة المؤتمر) – الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتأكيد على حلّ الدولتَيْن على أساس حدود ما قبل 5 يونيو 1967.
ولعلّ الراصد السياسي الحصيف الذي ينظر في العلل التي ساقت هذه الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية في هذا التوقيت، يرى المسوّغات التي أوردها ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيس وزراء كندا مارك كارني، ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيز، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز… تقوم في المسؤولية الأخلاقية التاريخية التي تُلزمهم بإقرار حقّ الفلسطينيين في إنشاء دولتهم، وخاصة كير ستارمر الذي كانت دولته مُنتدَبةً على فلسطين من قِبلِ عصبة الأمم، فأغفلت إقامة دولة للفلسطينيين عند إنسحابها عام 1948، فأصبحت هذه المسؤولية التاريخية تؤرق ضمائر الساسة البريطانيين خاصة والغربيين عامّة، عن تقاعسهم حينها في إنشاء تلك الدولة، فيريدون استدراك ما فاتهم يومئذ بالاعتراف اليوم بدولة فلسطينية ولو على ورق.
وكان من باب أولى لأصحاب المسؤوليات الأخلاقية السياسية الذين أضجرتهم ضمائرهم أن تعترف بريطانيا بحقّ تقرير المصير لاسكتلندا بالاستقلال وهي تسعى إلى ذلك منذ عقود، وإيرلندا الشمالية التي خاضت حربًا من أجل استقلالها وأبت بريطانيا عليها ذلك وسفكت دماء الإيرلنديين وأزهقت أرواحهم رفضًا لتقرير مصيرهم، ودوقية ويلز التي تسعى إلى حكم ذاتي تأباه لندن عليهم، قبل أن تعترف بحقّ الشعب الفلسطيني في دولة.
وكان من باب أولى على إسبانيا أن تمنح كتالونيا حقّ تقرير المصير وإقامة دولة خاصّة بها وهي كانت لتوّها قد أقامت استفتاءً عام 2017 جاءت نتيجته أن وافقت نسبة 91% من الشعب الكتالوني على الانفصال عن إسبانيا وإقامة الدولة الكتالونية، فطاردت مدريد القادة الكتالونيين وشرّدتهم وتوعّدتهم وحكمت عليهم بالسجن، بَلْه مطالب إقليم الباسك بالانفصال عن مدريد أيضًا، فكان الأولى بمدريد أن تعترف باستقلال هذَيْن الإقليمَيْن قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وكان من باب أولى على ماكرون، أن يمنح جزيرة كورسيكا ومستعمرة كاليدونيا الجديدة ومستعمرات ما وراء البحار التي تحتلّها فرنسا منذ أكثر من قرن، حقّها في تقرير مصيرها وإنشاء دولها الخاصّة، قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
أما كندا، فكان من باب أولى أن تمنح مقاطعة كيبك الناطقة بالفرنسية والساعية إلى الانفصال منذ ستينيات القرن العشرين حقّها في الانفصال وإقامة دولتها، قبل أن تعترف أوتاوا بالدولة الفلسطينية.
إن كانت المسؤولية التاريخية عن غياب دولة للفلسطينيين قد أضجرت وآلمت ضمائر السياسيين الغربيين، أفلا يؤلمهم ويضجرهم ويؤرقهم غياب دولة تجمع شتات الأمازيغ في شمالي أفريقيا، وهم يشكّلون 60% من شعوب الجزائر والمغرب ومالي والنيجر…؟ أولا تلزم المسؤولية التاريخية فرنسا التي مزّقت وفرّقت الشعب الأمازيغي حين رسمت الحدود الفاصلة بين هذه الدول أثناء استعمارها لها، أن تقيم دولة تجمع شتات الأمازيغ وتلمّ شعثهم، وتعقد مؤتمرًا دوليًّا لمنح هذا الشعب حقّ تقرير المصير؟ بل بلغ الظلم بفرنسا حين أعلن السياسيون الأمازيغ قيام دولة أزواد في المنطقة التي تضمّ مدن غاو وكيدال وتمبكتو في شمالي مالي عام 2012، أن أرسلت حملة عسكرية (برخان) لقمع الأمازيغ وإسقاط هذه الدولة، من غير أن يؤنّبها ضميرها التاريخي.
وعلام لا تحمل المسؤولية التاريخية بريطانيا وفرنسا على الدعوة لمؤتمر دولي يدعو إلى حقّ تقرير المصير للشعب الكوردي وإقامة دولته (50 مليون نسمة)، علمًا أنّ الذي مزّق هذا الشعب بين إيران وتركيا والعراق وسوريا هم فرنسا وبريطانيا في اتفاقية سايكس – بيكو (1916)؟ فعلام تحضر المسؤولية التاريخية لفرنسا وبريطانيا وتؤرق السياسيين فيهما للدعوة إلى حلّ الدولتَيْن (إسرائيل وفلسطين)، وتغيب هذه المسؤولية التاريخية إزاء قضية الشعب الكوردي وهم المسؤولون عن أزمته وصانعوها ابتداءً؟ علمًا أنّه قد نزل على هذا الشعب من حكّام سوريا وإيران وتركيا والعراق منذ قرنٍ من القوارع والمصائب والطوام الكبرى ما يعجز القلم عن حصره.
وعلام تتخلّف بريطانيا عن الدعوة لحلّ قضية الشعب البلوشي (10 مليون نسمة) الذي قامت بتوزيعه وتقسيمه على إيران وباكستان أثناء وصايتها على الهند وإيران خلال القرن الماضي؟
أرأيْتَ لو أنّ الأمازيغ والكورد والبلوش كانوا يملكون مئات مليارات الدولارات لأسرعت فرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوربية إلى الدعوة إلى عقد مؤتمرات دولية للمطالبة بحقّ تقرير مصير هذه الأمم وإقامة دولها طمعًا في تلك المليارات، غير أنّ النفاق والارتزاق قد حمل ماكرون وستارمر وسانشيز وكارني على الدعوة إلى حقّ تقرير مصير الفلسطينيين نزولًا عند رغبات السعودية وقطر والإمارات التي تتسوّل باريس ولندن ومدريد على أبواب حكّام هذه البلدان التي أنشأتها منذ عقود خلت فقط.
إنّ الأزمات الاقتصادية والمالية التي تحيط بالاقتصاد الفرنسي والاقتصاد البريطاني وسائر اقتصادات أوربا وتعجزها رهقًا قد حملت ماكرون وستارمر وسانشيز على التسوّل والارتزاق عند بلدان الخليج، وإقرار المعايير المزدوجة قاعدة للسياسات الخارجية والداخلية، فتنظر في قضية وتغفل قضايا أخرى مثلها.
المقالة تعبّر فقط عن رأي كاتبها وليس عن سياسة المركز

تسلم اياديك وفكرك النير وامدك الله بالعون لتحقيق ما نصبو له من الحق والعدل والانصاف لشوعوبنا الكردية والدرزية واليهودية والعلوية والمسيحيية
وتقرير المصير