سوريا ولبنان.. تبادل دور "الخاصرة الرخوة" بعد انقلابات الجغرافيا والسياسة

على امتداد عقود، تعاملت دمشق مع لبنان بوصفه خاصرتها الرخوة التي قد تُستَخدم ممرًّا لإيذائها أو للاقتراب من دمشق عبر البقاع وقمم السلسلة الشرقية. لذلك رسخت سوريا حضورًا عسكريًا كثيفًا في لبنان، ونشرت دفاعات مضادّة للطيران على المرتفعات وأقامت تموضعًا دائمًا في البقاع لردع أي تقدّم إسرائيلي وتحويل دون فتح طريقٍ نحو العاصمة السورية. لكن التحوّلات الكبرى منذ 2011، وما تلاها من تآكل السلطة المركزية في سوريا ثمّ الوقائع الميدانية الجديدة على جبهة جبل الشيخ/الجولان، نقلت مركز الهشاشة: باتت سوريا نفسها هي الخاصرة الرخوة للبنان وحزب الله، إذ تستطيع إسرائيل في أي حربٍ مقبلة أن تضرب الحزب من ظهره عبر محور حرمون القنيطرة البقاع، بالتوازي مع الجبهة الجنوبية. هذا الانقلاب يبدّل هندسة الردع واللوجستيات والخيارات العملياتية لكل الأطراف.
منذ سبعينيات القرن الماضي، بَنت دمشق تبرير تدخلها في لبنان على تداخل الجغرافيا/الديموغرافيا ووحدة المصير، وعلى منع تقسيم لبنان وتحويله منصة تطويق لسوريا. في مقابلة شهيرة عام 1983، لخّص الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد هذا التصوّر بقوله: “لبنان وسوريا شعب واحد، أمّة واحدة… وإن انقسمنا إلى دولتين مستقلتين فذلك لا يعني أنّنا أمتان مختلفتان”.
وفي خطابٍ مفصلي في 20 تموز/يوليو 1976 يشرح الأسد مبررات التدخل: “عبر التاريخ، كانت سوريا ولبنان بلدًا واحدًا وشعبًا واحدًا… ونشأت عن ذلك مصالح مشتركة وأمنٌ مشترك”.
عمليًا، ترجمت دمشق هذه الرؤية تموضعًا دفاعيًا على جبال لبنان الغربية والشرقية وتمركزًا في البقاع، مع نشر منظومات صواريخ سام ورادارات في مطالع الثمانينيات، قبل أن تتعرّض هذه الشبكات لضربة إسرائيلية كاسحة في معركة معلّقة الخلد/مونا كرِكت (SEAD) عام 1982 (اندلعت بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي المتقدّم). كان الهدف السوري واضحًا: سدّ ثغرة لبنان ومنع أي اندفاع عبره نحو دمشق.
في مقابل ذلك وفي العقيدة الإسرائيلية، يُعدّ جبل الشيخ منظومة إنذار مبكر وموقع سيطرة استشرافية على لبنان والجولان وريف دمشق. لا عجب أن يُوصَف بأنه “عيون دولة إسرائيل” نظرًا لامتداده الاستطلاعي ونُظُم الاتصالات/الرادار المثبتة عليه؛ توصيفٌ أعاد المسؤولون الإسرائيليون تأكيده في تصريحات علنية حديثًا.
هذه الحقيقة الطبوغرافية تجعل أي تغيّر في خرائط السيطرة على القمم والهدّابات المحيطة بالشيخ مُضاعِفًا استراتيجيًا: فمن يمسك بالقمم يملك نافذة استخبارية وممرًا عملياتيًا نحو البقاع، ومن هناك نحو خاصرة لبنان الشرقية.
لكن ما حدث بعد 2011 غيّر كل شيء، إذ تآكلت قدرة الدولة السورية على فرض ضبطٍ محكم لحدودها الجنوبية والشرقية. ومع التطوّرات الأحدث على جبهة الجولان وجبل الشيخ بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودخول قواتٍ إسرائيلية وتمركزها في مواقع استراتيجية على الجانب السوري من القمة ضمن منطقة الفصل برز مسار جديد: فتحولت سوريا إلى خاصرة رخوة للبنان يمكن عبرها الالتفاف على منظومة حزب الله من الشرق (البقاع) بالتزامن مع ضغطٍ من الجنوب (الحدود اللبنانية – الإسرائيلية). وهذا يخلق معضلة “جبهتين” للحزب ويضع خطوط إمداده عبر القلمون–حمص–دير عطية تحت تهديدٍ مباشر وقابل للقطع، طبعًا في حال كان ذلك الطريق لا يزال يعمل بعد سقوط نظام الأسد، ووصول أحمد الشرع إلى السلطة.
التداعي اللوجستي: خطوط الإمداد التقليدية للحزب عبر سوريا كانت عمقًا استراتيجيًا ثم تحوّلت “ممرًا مكشوفًا”—يمكن تعطيله بعمليات جويّة/برية محدودة النطاق من جهة حرمون القنيطرة أو بعمليات ما بين الحربين على عقدٍ لوجستية داخل سوريا. هذا يضغط على مخازن البقاع ويجبر الحزب على تفكيك التجمعات، وزيادة الاعتماد على شبكات توزيع أصغر وأكثر حركة.
التداعي الاستخباري: أفضلية الارتفاع تمنح إسرائيل طبقة استشعار إضافية فوق البقاع مع قدرة على دمجها مع التفوق الجوي – ما يُسرّع حلقة الاستشعار – الضرب، ويُصعّب على الحزب إبقاء مفاجآتٍ عملياتية.
تاريخيًا، كان تثبيت منظومات الدفاع الجوي السورية في الوسط اللبناني مطلع الثمانينيات محاولةً لتشييد “مظلّة” تُعطل التفوق الجوي الإسرائيلي على محور البقاع – دمشق. لكن عملية “مونا كريكت 19” عام 1982 دمّرت 29 بطارية سام في ساعاتٍ قليلة وبيّنت أن المظلّات الثابتة في مسرحٍ مكشوف كالشق البقاعي قابلة للاختراق/التدمير السريع عندما يفقد صاحبها المبادأة. المغزى اليوم: أي دفاعٍ ثابت أو مبني على قطاعات نيرانية معروفة فوق البقاع لن يصمد إذا كانت القمم الحاكمة مكشوفة لصالح الخصم.
يبقى جوهر التحوّل أنّ حزب الله لم يعد يواجه تهديدًا أحادي الجبهة، فقد صارت خاصرته الشرقية مكشوفة بفعل تموضعٍ إسرائيلي على القمم أو في مناطق الفصل، ما يمنح إسرائيل القدرة على:
- خنق الإمداد نحو البقاع.
- فتح محور تهديد نحو ظَهر الجبهة الجنوبية.
- تعزيز الاستطلاع وتسريع الحلقة النيرانية داخل عمقٍ كان يُعدّ سابقًا عمقًا آمنًا للحزب.
وهكذا تصبح سيناريوهات الحرب المقبلة من زاوية الخاصرة السورية وفق الاحتمالات التالية:
- سيناريو الضغط المتدرّج (Containment by Fires): تكثيف ضربات جوية/صاروخية على عقد لوجستية في القلمون – القصير – تدمر، مع تمركز مراقبة وسيطرة على قمم الشيخ دون توغّلٍ بري واسع. الأثر: تقويض إمداد البقاع وإبقاء تكلفة الاحتكاك منخفضة.
- سيناريو الفتّاح الشرقي (Eastern Thrust): اندفاع تكتيكي محدود من محاور Hermon- خان أرنبة – وادي بردى بهدف تحريك الجبهة، إشغال قوات الحزب، وتهديد الظهر البقاعي. الأثر: تفكيك “وحدة الجبهتين” لدى الحزب وإرباك منظومة قيادته وسيطرته.
- سيناريو التطويق المزدوج (Dual Envelopment): ضغط متزامن من الجنوب ومن الخاصرة السورية، مع عمليات عزل للنقاط الحضرية في الجنوب اللبناني. هذا السيناريو أكثر كلفة، لكنه يمنح خصم الحزب مناورة على عمقٍ عملياتي غير مسبوق.
يبقى لدى الحزب القيام باستراتيجيات مضادة، أبرزها:
- تفكيك الكتلة وإعادة توزيعها: تحويل البقاع إلى شبكة عقدٍ صغيرة متنقلة تربطها مسارات لوجستية مرنة/متعدّدة بدل الأعمدة الثقيلة.
- تدريع القلمون كساترٍ مرن: إنشاء دفاعٍ طبقي من (موانع/نيران/مضادات دروع) لكسر اندفاعٍ محتمل من حرمون وريف دمشق.
- طبقة دفاع جوي قصيرة المدى متنقلة: لمواجهة الذخائر الانزلاقية وغيرها.
- هندسة العمق البديل: زيادة الاعتماد على المسارات البحرية/البرية غير الخطية، ورفع نسبة الاكتفاء المحلي في الذخائر الخفيفة والتصنيع الريفي المموّه.
- حرب الاستطلاع المضاد: تشويش/خداع بصري ورقمي، وستائر انبعاث، وتكتيكات الضوضاء العملياتية لإفقاد قمم الشيخ ميزتها الاستشعارية.
خلاصة القول إن تحوّل الخاصرة الرخوة من لبنان إلى سوريا ثمّ ارتدادها على لبنان، ليس تغييرًا لغويًا في الوصف بقدر ما هو انقلاب في هندسة المسرح: فالقمم الاستراتيجية لجبل الشيخ، واديي العاصي–البقاع، وخطوط القلمون، كلّها باتت تشكّل مثلّثًا سيقرّر—في أي مواجهة قادمة—سرعة الدورة النيرانية وقدرة أحد الطرفين على المفاجأة. بالنسبة لحزب الله، التحدّي أن يُدار هذا الواقع بأقل كلفة ممكنة: تحصينٌ مدني شرقي وتحوّل لوجستي/عملياتي يبدّد نقاط التماس المتوقعة في البقاع.
