قراءة في الاتفاق الأمني المزمع بين اسرائيل والسلطة الانتقالية في سوريا

بقلم الزميل غير المقيم الدكتور غياث الصفدي
دكتور القانون الجنائي الدولي، محامٍ، وباحث في الشؤون القانونية والسياسية
الرئيس السابق لقسم البحوث والدراسات في منظمة IHOPE-INTERNATIONAL HOPE- لبنان،
مدير استشاري في أكاديمية ADICA- بريطانيا.

باستقراء معطيات الفترة الزمنية الممتدة منذ منتصف يوليو 2025 وحتى الوقت الراهن، يتبين أنّ اسرائيل اعتمدت أدوات سياسية مرتبطة بعملها العسكري في الجنوب السوري؛ الأمر الذي يشير إلى نمطين متكاملين تعمل إسرائيل على توظيفهما معاً في هذا السياق، الأول يتمثّل في التدخل العسكري عبر الغارات الجوية التي ضغطت على بنية قوات السلطة الانتقالية، وحدّت من قدرتها على إنشاء تنظيم هيكلي عسكري. أما الثاني، فهو يتمثّل في الضغط سياسياً على السلطة الانتقالية للموافقة على ترتيبات أمنية من شأنها خلق أمر واقع لصالحها يصعب تجاوزه.
يُظهر تحليل السياق الجيوسياسي الراهن لمنطقة الجنوب السوري ارتباطاً عضوياً بين التحركات الاسرائيلية على المستوى السياسي الخارجي، والأحداث العسكرية الأخيرة التي شهدتها هذه المنطقة عموماً، ومنطقة السويداء على وجه الخصوص. هذا الارتباط يمكن قراءته كعمل استراتيجي متكامل يهدف إلى ضبط الديناميكيات الميدانية المتغيّرة بالاستناد إلى الوضع السياسي والأمني في الداخل السوري، وبما يرتبط بمتطلبات الأمن الاستراتيجي الاسرائيلي. فمن الجانب العملي، ساهمت الاشتباكات المسلحة بين الفصائل العسكرية الدرزية وقوات السلطة الانتقالية في السويداء بخلق تحولات جذرية في السياسة الاسرائيلية تجاه سوريا، مرتبطة بنظرة اسرائيل تجاه السلطة الانتقالية، التي لم تتخلَّ عن عقيدتها الجهادية السابقة؛ الأمر الذي تعتبره إسرائيل خطراً استراتيجياً على أمنها، وهو ما يفسّر تحوّل العمل السياسي باتجاه ترتيبات أمنية فقط، وليس اتفاقية تطبيع أو سلام بين البلدين.
حالياً، يجري العمل على ضبط المشهد الأمني في الجنوب السوري من خلال اتفاق أمني جرى الحديث عن نية اسرائيلية لإبرامه مع السلطة الانتقالية في سوريا بوساطة أمريكية؛ حيث صرّح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن أي اتفاق في هذا الشأن لا بد وأن يلبّي مصالح إسرائيل ويضمن أمن الدروز، ما يعني أن الطبيعة الخاصة بهذا الاتفاق تتمحور حول منطق الردع حصراً، وهو ما يرتبط بمخاوف إسرائيل تجاه تكرار هجوم السابع من أكتوبر لعام 2023 التي دفعت إسرائيل لتبنّي نهج الوقاية، فالأوساط الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى “أحمد الشرع” كفاعل مؤقت لا يمكن الرهان عليه بشكل دائم.
قابلية الاتفاق الأمني للإبرام والتنفيذ
في 17 سبتمبر من العام الحالي، نشر معهد دراسات الحرب خريطة توضّح تقسيم الجنوب السوري لثلاثة مناطق تدخل ضمن بنود الاتفاق الأمني بين اسرائيل والسلطة الانتقالية، والتي تلتزم بها هذه الأخيرة بعدم نشر أي أسلحة ثقيلة مع إبقاء الوجود العسكري مقتصراً على وحدات خفيفة التسليح وأجهزة أمن داخلي. بالإضافة لتوسيع نطاق المنطقة العازلة لمسافة 2 كيلو متر في العمق السوري. تشكل هذه الترتيبات الجزء الأهم من الاتفاق الأمني المشار إليه، فيما يتضمن أيضاً التزام السلطة الانتقالية بمنع تواجد لأي منظمات فلسطينية مسلحة في هذه المنطقة، وتمسك إسرائيل بوجودها العسكري في قمة جبل الشيخ. بالمقابل، تلتزم إسرائيل بالانسحاب من المناطق السورية التي دخلت إليها بعد الثامن من ديسمبر عام 2024. يتضمن هذا الاتفاق أيضاً وفق ما تمّ الإعلان عنه جزئياً في الأوساط السياسية تأجيل النقاشات والمفاوضات حول مرتفعات الجولان لمرحلة لاحقة، والتركيز على إجراء ترتيبات أمنية بموجب محددات اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
على الرغم من أنّ جميع بنود الاتفاق الأمني المزمع إبرامه لا تزال غير واضحة حتى الآن، إلا أن ما جرى التصريح عنه بخصوص بعض تلك البنود يشكل ثوابت أساسية ترتبط بالمصلحة الاستراتيجية لإسرائيل، إلا أنها لا تخضع تماماً لحسابات التوازن الاستراتيجي بين دولتين. فمن الناحية العملية، يشكل عنصر التوازن المصلحي المعيار الأبرز فيما يتعلق بإبرام الاتفاقات بين الدول بغض النظر عن طبيعتها. لكن المسألة في هذا الصدد مختلفة إلى حدّ كبير، حيث يشير تحليل سياق العلاقات السورية – الاسرائيلية منذ سقوط نظام الأسد، وسياق المتغيرات الحالية إلى خلل في التوازن، يظهر بشكل واضح من خلال فحص عوامل القوة لكل طرف.
فعلياً، لا يمكن إجراء مقارنة بين القدرات العسكرية الإسرائيلية والقدرات العسكرية للسلطة الانتقالية في سوريا، فالتفوّق العسكري الاسرائيلي يشكل في هذا الصدد أبرز ملامح القدرة الاسرائيلية للضغط على السلطة الانتقالية في سوريا للقبول بهذا الاتفاق. بالإضافة لوجودها الميداني على الأرض في الجنوب السوري بشكل مباشر ضمن منطقة جبل الشيخ والمنطقة العازلة، وبشكل غير مباشر من خلال دعمها العسكري للفصائل الدرزية في السويداء؛ ما يعني أنها تمتلك سيطرة ميدانية شبه كاملة على الجنوب السوري. ويضاف إلى ذلك أنماط التفاعل الاسرائيلي مع الأطراف الدولية الفاعلة في الملف السوري كالولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يعزّز قدرتها على إلزام السلطة الانتقالية في سوريا بإبرام هذا الاتفاق.
في المقابل، تدرك اسرائيل بأن “أحمد الشرع” كرئيس مؤقت للسلطة الانتقالية في سوريا يفتقر إلى الشرعية الداخلية والدولية الكاملة، وهذا الأمر مرتبط بانتمائه السابق لجبهة النصرة التي لا تزال مدرجة على لوائح الإرهاب الدولي، وبالتالي؛ يشكل ما سبق ورقة ضغط سياسية تستخدمها اسرائيل تجاه سلطة ناشئة لا تحظى بقبول داخلي سوري من كافة المكونات، لا سيما بعد الانتهاكات الجسيمة التي جرى ارتكابها من قبلها في الساحل السوري والسويداء. ويضاف إلى ذلك ضعف القدرات العسكرية للسلطة الانتقالية في الجنوب السوري وفقدان سيطرتها الميدانية.
من خلال هذه الثنائية التي توضح انعدام التوازن، تتحدد طبيعة آلية تنفيذ الاتفاق الأمني، بحيث تمارس إسرائيل ضبطاً ميدانياً فاعلاً من خلال التواجد العسكري والتعاون مع القوات الأممية، في حين يقتصر دور السلطة الانتقالية على التمثيل الرسمي للاتفاق تحت إشراف الأطراف الدولية الضامنة؛ الأمر الذي يحول هذا الاتفاق إلى إطار استراتيجي مرن يضمن المصالح الاسرائيلية ويمتد تأثيره لضبط الأوضاع الميدانية جنوب سوريا دون الرهان على مصداقية السلطة الانتقالية. وبهذا السياق، تتحول آلية تنفيذ الاتفاق الأمني لنموذج للسياسة الواقعية، يجعلها ممارسة استراتيجية لسياسة ردع ووقاية وليس شراكة سياسية أو التزام متبادل طويل الأمد.
لكن وعلى الرغم من أنّ اتفاقًا أمنيًّا كهذا يصبّ في المصلحة الآنية لاسرائيل، إلا أن المستويات السياسية الاسرائيلية لم تؤكد حتى الوقت الراهن اتخاذها القرار النهائي حياله، وهذا الأمر مرتبط بعدة عوامل أبرزها الرغبة الاسرائيلية في تحقيق مكاسب جيوسياسية وأمنية إضافية تصب في مصلحتها الاستراتيجية على المدى الطويل؛ ففي خضم الحديث عن التوصل إلى تفاهمات مشتركة بخصوص إبرام هذا الاتفاق بوساطة أمريكية، أعلن وزير الدفاع الاسرائيلي عن نية اسرائيل بالبقاء في قمة جبل الشيخ، ما يعني أنّ إسرائيل تحاول الضغط باتجاه توسيع نفوذها وتجاوز اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 التي أعلنت انهيارها عقب سقوط نظام الأسد مباشرة، لا سيما وأن رئيس الحكومة الاسرائيلية أشار في تصريح سابق له إلى دور اسرائيل في اسقاطه وإخراج الفصائل الشيعية من سوريا، ما قد يشير إلى تأكيد هذا التوجّه ضمن المستوى السياسي الإسرائيلي.
الاتفاق الأمني كأداة مؤقتة للضبط في ظل متغيرات محتملة
ترتبط الطبيعة المؤقتة لأي اتفاق يمكن إبرامه بين إسرائيل والسلطة الانتقالية في سوريا بالقرارات الصادرة عن المستويات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية التي تظهر في تصريحات المستويات السياسية، سواء من رئيس الحكومة أو وزير الخارجية. حيث جرى التأكيد مراراً على أن اسرائيل تدرك عدم قدرة السلطة الانتقالية على ضبط المشهد السياسي والأمني في سوريا، خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة في السويداء جنوب سوريا؛ الأمر الذي يعني تغيّر هذا المشهد في أي لحظة وعودة التوترات الأمنية.
قد تتمّ قراءة الموقف الاسرائيلي تجاه السلطة الانتقالية في سوريا على أنها براغماتية، يمكن لها من خلالها تحقيق مكاسب جيوسياسية وأمنية. إلا أن التحليل الاستقرائي لنمط التفاعل الاسرائيلي مع المعطيات الحالية في المشهد السياسي السوري، والتفاعل مع الأطراف الدولية الفاعلة في الملف السوري، يبين أن اسرائيل تقوم بإعادة صياغة لمفهوم العدو. حيث يمكن لها استيعاب التهديد الذي تشكله الجهادية في سوريا تجاه الأمن الاسرائيلي، مقابل الاحتفاظ بحرية العمل العسكري تجاهه بأي وقت من الأوقات. هذا الأمر يمكن تأكيده من خلال تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك الذي أكد عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على إلزام اسرائيل بأية بنود اتفاقية في حال اتخاذ المستوى العسكري والأمني الخاص بها قراراً بالتحرك تجاه ما يراه تهديداً للأمن.
من الناحية العملية، لا يمكن تحليل مثل هذا الاتفاق على أنه ترتيب ثنائي محصور باسرائيل والسلطة الانتقالية في سوريا وحسب، في وقت باتت فيه سوريا ميداناً لتضارب المصالح الإقليمية. فإسرائيل التي تحاول فرض وضع آمن في الجنوب السوري، تدرك تماماً طبيعة المصالح التركية في سوريا، وطبيعة العلاقة التي تربط الأتراك بالسلطة الانتقالية. يشكل هذا الأمر محوراً رئيسياً في سياسة اسرائيل في المنطقة ككل، وليس في الجنوب السوري فقط، فإخراج إيران من سوريا لن يقابله أي رضى اسرائيلي عن تواجد تركي فيها، ما يعني أن آلية تنفيذ هذا الاتفاق أو استدامته مرتبطة بتغير المشهد في الشمال السوري أيضاً، وهو ما يرتبط بأية إجراءات قد تتخذها تركيا في هذا الصدد، أو ما ستقوم بفرضه على السلطة الانتقالية لتحقيق توازن مقابل اسرائيل.
انعكاسات الاتفاق على المشهد السياسي السوري الداخلي
يتضمن الاتفاق الأمني بين اسرائيل والسلطة الانتقالية في سوريا التزام هذه الأخيرة بأمن الدروز في الجنوب السوري، وهو ما شدد عليه المستوى السياسي الاسرائيلي في أكثر من مناسبة فيما بعد اشتباكات تموز الفائت، حيث يطالب الدروز بحكم ذاتي في السويداء بعيداً عن سلطة دمشق. من الناحية العملية، قد يساهم إبرام الاتفاق الأمني بين اسرائيل والسلطة الانتقالية بتكريس نموذج الحكم السياسي الفيديرالي بعيداً عن نموذج الدولة المركزية. حيث لا تزال الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا متمسكة بموقفها حيال الاعتراف باللامركزية السياسية وعدم الاندماج الكامل مع سلطة دمشق؛ بالتوازي مع إنشاء المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا الذي يمثل المطالب السياسية للمكوّن العلوي. لذلك فقد يكون هذا الاتفاق نواة لتغيير الهوية الجيوسياسية لسوريا مستقبلاً. بالمقابل، فقد يكون لإبرام هذا الاتفاق تداعيات أمنية داخلية تعزز العنف، “فأحمد الشرع” الذي يحاول تثبيت سلطته السياسية، لا يمكنه عملياً السيطرة على التيارات الجهادية الموجودة في سوريا، والتي قد ترفض اتفاقه مع اسرائيل من منظور عقائدي.
بالمحصلة النهائية، تبقى عملية تنفيذ بنود مثل هذا الاتفاق هي النقطة الجوهرية التي تحتاج إلى خطة عمل إجرائية، قد يصعب بلورتها في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية ضمن الجنوب السوري أولاً، وضمن المستوى السياسي السوري ثانياً، وفي ظل معايير الأمن الاستراتيجي الاسرائيلي ثالثاً.
المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط.
