حصاد الهشيم ... عشر سنوات على التدخل الروسي في سوريا

أولًا، في الوقائع:
أطلقت روسيا حملتها العسكرية في سورية في 30 سبتمبر 2015 بقصف جوي على أرياف حمص وحماة وحلب والرقة، وذلك بعد أن طلبت سورية “نظام بشار الأسد”، من روسيا التدخل لمساعدتها في حربها مع فصائل المعارضة المسلحة.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وطأ لتبرير ذلك أن رمى المعارضة المسلحة بالإرهاب على منبر الأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة في 29 سبتمبر 2015، وقال إنَّه ليس هناك فرق بين المعارضة السورية وداعش،[1] فأقام الحجة السياسية لهذا التدخل، كما أن بطريرك موسكو وعموم روسيا للكنيسة الروسية الأرثوذكسية كيريل الأول، بارك دينيًا دخول القوات الروسية إلى سورية لحماية الشعب السوري عامة والمسيحيين الشرقيين خاصة، ووصف الحملة الروسية بـ”حربٍ مقدسة”،[2] فكان ذلك تبريرًا وتسويغًا دينيًا لدخول القوات الروسية إلى سورية.
وقد أرسلت روسيا عشرات الطائرات الروسية الحديثة “SU-25S” و”SU-24M2S” و”SU-30SMS” و”SU-34S” مع طائرات من نوع “MIG” بأنواعها المختلفة. كما أنها أطلقت لأول مرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي 26 صاروخ “كروز” من نوع “Kalibr” من بوارجها في بحر قزوين على أهداف لفصائل المعارضة السورية المسلحة في حلب وإدلب والرقة، وقد قطعت هذه الصواريخ مسافة 1500كلم وعبرت المجالَين الجويَين الإيراني والعراقي في أكتوبر 2015،[3] وكان ذلك أول إظهار روسي لقوتها وقدراتها البالستية منذ زمن الحرب الباردة.
وقد قامت روسيا باختبار قاذفاتها الاستراتيجية من نوع “TU-160″، “TU-95MS”، “TU-22M3” – القادرة على حمل أسلحة نووية – في ساحات القتال في سورية، حتى ذهب بوتين إلى القول بأن “الحرب في سورية أفادت الصناعة العسكرية الروسية بتصحيح أخطاء هذه الأسلحة”.[4]
كما بررت روسيا دخولها في سورية حينها بسائق من سببين:
أولهما: الحرب على الإرهاب وحماية الدولة السورية.
ثانيهما: وجود ثمانية آلاف مقاتل من روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى يقاتلون في صفوف المعارضة السورية، ويكتسبون الخبرة القتالية، وهم مظِنّةُ خطر على الأمن القومي الروسي، فكان خيرًا بروسيا أن تقاتلهم في سورية من أن تقاتلهم بعد ذلك على الأراضي الروسية أو في جمهوريات آسيا الوسطى.
وقد كاد التدخل الروسي في سورية أن يسوق موسكو إلى دخول صراع مع حلف شمال الأطلسي “الناتو” وإيقاد حرب عالمية ثالثة وإعادة أجواء الحرب الباردة في نهاية 2015 وفي عام 2016، وذلك حين أسقطت تركيا طائرة “SU-24” روسية في شمال اللاذقية ومقتل أحد الطيارَيْن على أيدي أحد فصائل المعارضة السورية المسلحة، ما أفضى إلى سوء وقطع العلاقات بين روسيا وتركيا وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على أنقرة، مقترنًا بتهديدٍ ووعيدٍ من بوتين والقيادة الروسية واتهام تركيا بدعم الإرهاب والإتجار بالنفط مع الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”، حتى ذهب رئيس الحكومة الروسية حينها دميتري ميدفيديف إلى أن البيئة العالمية في عام 2016 مماثلة لعام 1962 أثناء أزمة الصواريخ الروسية في كوبا.
وقد خاضت روسيا والولايات المتحدة جولات من المفاوضات والحوار والجدال بين وزيري الخارجية سيرغي لافروف وجون كيري عام 2016 لمنع الصدام والصراع بين واشنطن وموسكو مما أفضى إلى هدوء وسكون نسبي بين الطرفين.
غير أن روسيا لم تفتأ ترمي فصائل المعارضة السورية بالإرهاب والدعوة لقتال جبهة النصرة وتجريد الحملات عليها، حتى قال لافروف في ديسمبر 2017 “القضاء على تنظيم جبهة النصرة يعدُ أكبر مهمة في مكافحة الإرهاب في سورية”،[5] فأثار ذلك غضب تركيا فقال الرئيس التركي رجب أردوغان وهو في زيارته إلى تونس “لا دورَ للأسد في مستقبل العملية السياسية في سورية”.[6]
ثانيًا، في التحليل والنتائج:
لعل الراصد السياسي الحصيف يسأل عما جناه الروس في حربهم في سورية وما حصدته موسكو من حصادٍ ونتائج بعد حملاتها الجوية والبرية لمدة عقد كاملٍ في أرياف ومدن وجبال وبوادي سورية والعواقب الاستراتيجية التي حققتها في هذه الحرب؟
فإن كانت روسيا ستخذل إيران والرئيس المعزول بشار الأسد بعد عشر سنوات من تدخلها في سورية وتجنح إلى إقامة علاقات مع المعارضة السورية السابقة (السلطة السورية الحالية) وتتفاوض مع جبهة النصرة وتدعو زعيمها السابق أبو محمد الجولاني (رئيس المرحلة الانتقالية في سورية أحمد الشرع) لزيارة موسكو وحضور القمة الروسية العربية في 15 أكتوبر 2025، فعلام جردت طائراتها آلاف الغارات الجوية في مختلف المناطق السورية ودمرت البنى التحتية وقتلت الآلاف من المسلحين والمدنيين؟ وعلام خاضت معارك الكليات والأكاديمية العسكرية وحلب الجديدة والأحياء الغربية في مدينة حلب عندما أطلقت جبهة النصرة غرفة عمليات الفتح المبين (ملحمة حلب الكبرى) بقصد دخول المدينة والسيطرة عليها في صيف 2016، وما أعقبها من تجريد روسيا وقوات النظام السابق مع حلفائه (حزب الله والميليشيات الآخرى) حملة تحرير أحياء حلب الشرقية، حيث جردت الطائرات الروسية ومدفعية الميدان الثقيلة مئات الغارات على أحياء حلب الشرقية وتدمير المنازل والمباني على رؤوس ساكنيها من المدنيين والعسكريين مما اضطرهم إلى الخروج وإخلاء الأحياء الشرقية من حلب وإفراغها تمامًا من سكانها وصعود الباصات الخضراء لنقلهم إلى مدينة إدلب في ديسمبر 2016؟
فما كان أغنى روسيا حينها عن إحداث هذا الخراب والدمار وإزهاق الأرواح وتدمير البنى التحتية وإخراج الناس من بيوتهم، إن كانت ستذهب بعدها بسنين إلى غض الطرف عن إسقاط نظام بشار الأسد وبلوغ جبهة النصرة السلطة في سوريا ودعوة زعيمها إلى موسكو؟
وما كان أغنى روسيا عن تجريد حرب ضروس في نهاية 2019 حتى مارس 2020 على أرياف حماة وحلب وإدلب، حيث أهلكت القوات الروسية وطائراتها ومدافعها ودباباتها مدن كفرنبودة وكفرنبل واللطامنة ومورك وخان شيخون ومعرة النعمان وخوض أعنف المعارك في مدينة سراقب وفتح أوتوستراد M5 إلى حلب وما اقترن بذلك من أشرس الحملات العسكرية على ريفي حلب الغربي والشمالي وإفراغ بلدات (المنصورة، كفرداعل، قبطان الجبل، عنجارة، حريتان، حيان، بيانون، عندان، كفر حمرة…) وإخراج سكانها وأهلها منها بعد تدمير البيوت والمنازل على رؤوسهم، إن كانت ستدفع إلى إسقاط نظام الأسد السابق وإقامة علاقات مع جبهة النصرة التي تقود النظام الانتقالي في سورية؟
وكان الأجدى أن توفر روسيا هذا الخراب والدمار ورحيل الناس عن بيوتهم وما اقترن بذلك من الآلام والأحزان ومقتل المدنيين وإفراغ القرى والبلدات، فإن ما أحدثته روسيا من دمار في حملتها في نهاية 2019 حتى مارس 2020 يزيد على ما أحدثته الحرب منذ عام 2011.
ولعلّ هذا الراصد يسأل، وهل اختفت اليوم العوامل التي حملت روسيا على دخول سورية عام 2015؟ وهل المسيحيون في أمانٍ وطمأنينةٍ اليوم في ظل النظام الحالي؟ وهل اختفى خطرُ انتقال المقاتلين الاسلاميين إلى وسط آسيا وروسيا، حتى تأمَن موسكو منهم وتترك قتالهم وتجنح إلى إقامة علاقات مع جبهة النصرة؟
وإن لم يكن ذلك كذلك، فعلام دخلت روسيا عام 2015 سورية وقاتلتهم؟ وعلام صالحتهم في عام 2025؟ وما يقترن بذلك من تقديم الاعتذار لضحايا قصفها من المدنيين السوريين وتعويضهم عن الأضرار التي ألحقتها بالمدارس والمشافي والبنى التحتية والمباني والمنازل المدنية.
ومن العواقب السياسية لهذه الاستراتيجية الروسية نفورُ وهواجسُ الحلفاء الحاليين للروس في آسيا وأفريقيا مثل إيران وكوريا الشمالية ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى.
لقد منحت ما أنجزته روسيا من نتائج عسكرية في سورية بين عامي 2015 و2020 حق الزعمِ والادعاء بأنه حيثما تكون روسيا ويكون بوتين يكون النصر هناك، بينما من عواقب ما حدث منذ سبتمبر 2024 إلى يومنا هذا أن تتوجس الأنظمة الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى من أن من يتحالف مع روسيا فمصيرهُ الخذلانُ وهلاكُ النظام وهروب الرؤساء كما وقعَ لبشار الأسد في سورية.
لقد خسِرت روسيا الإنجازَ الاستراتيجي الوحيد الذي حققتهُ بعد الحرب الباردة في سورية، حيث يظهرُ للراصد السياسي أن روسيا تتنقلُ بين إخفاقٍ استراتيجي وآخر، من سورية إلى أوكرانيا وفي المستقبل في أفريقيا.
إنه حصادُ الهشيم الذي تحصدهُ روسيا بسائق من سوء خياراتها الاستراتيجية.
[1] washingtonpost.com, 28-09-2015, https://www.washingtonpost.com/news
[2] english.alarabiya.net, 30-09-2015, https://ara.tv/rpzwn
[3] eadaily.com, 08-10-2015, https://eadaily.com/en/news/2015/10/08/
[4] shaam.org, 17-03-2016, https://shaam.org/news/syria-news/
[5] skynewsarabia.com, 27-12-2017, https://www.skynewsarabia.com/middle-east/
[6] arabic.cnn.com, 27-12-2017, https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/12/27/tunis-erdogan-essebsi-jerusalem

أينما حلت روسيا حل الدمار والخراب وبالسياق ذاته عن روسيا قصر البعد الاستراتيجي الروسي بعدما كانت مسيطرة إلى حد كبير على اهم موطىء قدم لها على سواحل البحر المتوسط (سوريا) ها هي الآن تعود لترضى بفتات ماكانت تملكه عمليا منذ سنوات وبالتزامن على ماتم الاتفاق عليه مع ترامب في حربها على اوكرانيا وهذا ان دل على شيء فهو قصر النظر الجيوسياسي الروسي .ففي كلتا الحالتين لن تخمد أمريكا نار الحرب الاوكرانيا لدواعي عسكرية واقتصادية لنزيف القارة العجوز .