أوهام ترامب بين قمّتَيْ شرم الشيخ 1996 و2025

لعلّ صورة “قمّة شرم الشيخ للسلام” المنعقدة في 13 أكتوبر 2025 تذكّرنا بـ”مؤتمر صانعي السلام” الذي انعقد كذلك في شرم الشيخ – مارس 1996، والذي جاء بعد عدّة عمليات انتحارية نفّذتها “كتائب عزّالدين القسام” الجناح العسكري لـ”حركة المقاومة الإسلامية” (حماس) في عدّة مدن إسرائيلية عام 1995 مثل تفجير “رامات غان” قرب تل أبيب في يوليو 1995، وتفجير “حافلة كفار داروم” في أبريل 1995 وغيرهما.
وقد حضر ذلك المؤتمر يومئذ إلى جانب الرئيس المصري محمد حسني مبارك، الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس الروسي بوريس يلتسن والرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني هيلموت كول ورئيس الوزراء البريطاني جون ميجر والرئيس التركي سليمان ديميريل ورئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وغيرهم.
وإن لم يكن مستوى التمثيل السياسي والدبلوماسي يومئذ أعلى من مستوى التمثيل في قمة شرم الشيخ في أكتوبر 2025، فإنّه يوازيه ويساويه.
ولننظر عمّا تمخّض عنه مؤتمر السلام ومكافحة الإرهاب في شرم الشيخ عام 1996.. حيث وقعت أعظم الوقائع والأحداث الإرهابية في التاريخ وما اقترن بها من حروب بعد ذلك المؤتمر:
- تفجيرا السفارتَيْن الأمريكيّتَيْن في نيروبي في كينيا ودار السلام في تنزانيا عام 1998.
- ضرب المدمّرة الأمريكية “يو. إس. إس. كول” في ميناء عدن في أكتوبر 2000.
- أحداث 11 سبتمبر 2001 وضرب برجَيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن.
- الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001.
- تفجيرات بالي في إندونيسيا عام 2002.
- الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
- تفجيرات الرياض في السعودية عام 2003.
- أحداث قطارات مدريد في إسبانيا عام 2004.
- أحداث لندن في بريطانيا عام 2005.
- ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وما قام به من أعمال إرهابية حول العالم.
وقياسًا على ما وقع بعد هذا المؤتمر، فإنّه لا يلبث إلّا يسيرًا حتى تتبدّد أوهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد قمّة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025.
فقد زعم ترامب أنّ “حرب غزّة انتهت، ومستقبل الشرق الأوسط سيصبح مشرقاً”، بعد توقيعه مع كلّ من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس التركي رجب أردوغان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني على “اتفاق وقف الحرب في غزّة”، حيث لا يلبث الأمر إلّا يسيرًا حتى يعود الصراع إلى منطقة الشرق الأوسط ويتمّ تجريد الحملات من قبل إسرائيل على “حزب الله” في لبنان وحركة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن وعلى “حماس” في غزّة التي ستُعرض عن تسليم السلاح والانسحاب من غزّة وإتمام المرحلة الثانية من الاتفاق، كما ستُكمل إسرائيل حربها على إيران في جولة ثانية للقضاء نهائيًّا على برنامجها النووي.
كما لا يخلو الأمر من أن تجرّد إسرائيل حملات عسكرية في داخل سورية على السلطة الجديدة، وما سيقترن بذلك من صراعٍ واشتباكٍ مع تركيا على الأراضي السورية.
وكما قامت إسرائيل بغزو لبنان عام 1982 – بعد اتفاقية “كامب دايفيد” عام 1978 مع مصر – ومكثت فيه حتّى انسحابها عام 2000، ولم تمنع تلك الاتفاقية الحروب والأهوال في الشرق الأوسط، فإنّ قمّة شرم الشيخ في أكتوبر 2025 لن تمنع الحروب والصراعات القادمة في الشرق الأوسط كذلك.
والعلّة في أنّ الصراع في الشرق الأوسط معقّد ومركّب، وقائم على طبقات كثيفة من العوامل والأسباب والعُقَد التي يستحيل تفكيكها وحلُّ عُراها في عشرات المؤتمرات والقمم الرصينة والحصيفة والمنظّمة تنظيمًا عاليًا بلْهَ قمّة مرتجلةٍ أقيمت على عجل وتستهدف الظهور الإعلامي والادّعاءات والمزاعم التي لا تسمن ولا تغني في حلّ صراعٍ ممتدٍّ إلى ثلاثة آلاف عام، يختلط فيه العامل الديني بالأيديولوجي والتاريخي والديمغرافي والجيوسياسي والجيواستراتيجي والجيواقتصادي والمصالح.
وكما لم يملك أحدٌ في التاريخ أن يحلّ عقدة الحروب بين المسلمين واليهود والمسيحيين منذ ظهور هذه الأديان، مرورًا بالغزوات الإسلامية للشام والعراق والقسطنطينية وأوربا وأفريقيا، وردود ذلك من حملات الإفرنج (الحملات الصليبية) المتعاقبة على الشرق الأوسط، وما اقترن بها من ملايين القتلى بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وصولًا إلى الاستعمار الحديث والانتداب الغربي على هذه المنطقة، وما أعقبه من التنافر والتباغض والتجاحد بين أتباع هذه الديانات في المنطقة.
وكما عجز مبدأ آيزنهاور ومبدأ جونسون ومبدأ نيكسون ومبدأ ريغان وسعي جورج بوش الأب (مؤتمر مدريد 1991) في حلّ عقدة الصراع في الشرق الأوسط، وما اقترن بتلك المدّة من سعي المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي لاحتواء هذا الصراع وإخفاقهم في ذلك كلّه، فإنّ قمة ارتجالية واحدة (قمة شرم الشيخ 2025) لا ريب عاجزةٌ عن حلّ عقدة هذا الصراع التاريخي.
ولن تغُني العبارات العامّة لترامب وشعاراته عن الازدهار والاستقرار في الشرق الأوسط وخطّته المبهمة والغامضة عن إخماد هذا الصراع.
إنّ الصراع في الشرق الأوسط سيُعجز القوى العالمية الكبرى رهقًا، ولن يُفلحَ في حلّ عقدته أحدٌ كما أعجزَ ذلك الآباء المؤسسين لليهودية والمسيحية والإسلام منذ آلاف السنين، حيث عجز هؤلاء الآباء عن صناعة سلام بينهم في مبدأ أمرهم، وكذا سيكون عاقبة أمر أتباعهم.
ولعلّ ترامب أراد أن يصيب فرصة للنجاح في الشرق الأوسط بعد عجزه عن حلّ الصراع بين روسيا وأوكرانيا وإخفاقه مع الصين، ولم يدرِ أنّ أدغال الصراع في المنطقة أشدّ تضييعًا وحيرة من كلّ صراعٍ زعم أنّه أنهاه في المناطق الأخرى.
