أبعاد "اتفاقية ازدهار التكنولوجيا" بين لندن وواشنطن

بقلم الزميل غير المقيم محمد معاذ
باحث في مجال الذكاء الاصطناعي. كاتب تقني. يرتكز عمله المهني على توفير المهارات الإستراتيجية لدعم وفهم تقنية الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أنجز العديد من الدراسات والمقالات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتركّز أبحاثه على التأثير الحقيقي لهذه التقنية في مختلف المجالات.

في سبتمبر الماضي، أعلنت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن مذكرة تفاهم بعنوان “اتفاق الازدهار التكنولوجي” (Tech Prosperity Deal)[1]، التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين واشنطن ولندن في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. وقد تم إطلاق هذا البرنامج في قمة ثنائية حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ومختبرات الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الأمريكية.
ومن أبرز الالتزامات التي جاءت في الاتفاقية[2]: استثمار “مايكروسوفت” بنحو 30 مليار دولار أمريكي في بناء حاسوب فائق للذكاء الاصطناعي، ونشر “إنفيديا” ما يقارب 120 ألف معالج رسومي بقيمة 14 مليار دولار، إلى جانب استثمار شركة “غوغل” بأكثر من 6 مليارات دولار في مركز بياناتٍ جديد، كما يشمل الاتفاق تسريع تراخيص مشاريع المفاعلات النووية وتطوير “مناطق نمو” للذكاء الاصطناعي في شمال شرقي إنكلترا.
وقد احتُفي بهذه الاتفاقية باعتبارها نقطة تحول في “مسيرة ازدهار” المملكة المتحدة. وأعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنها تُمثل تقدمًا “جيليًا” إذ تُوسّع آفاق الوظائف والابتكار والرعاية الصحية والعلوم في البلاد.[3] ولعل تقييم ستارمر صحيح، حيث أن هذه الصفقة ستُغيّر قواعد اللعبة. لكنها لعبة قد تكون لندن قد بدأت تخسرها بالفعل. إذ ستصبح أكثر اعتمادًا على شركات التكنولوجيا الأمريكية، ما قد يهدّد السيادة التقنية لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.
جدوى الصفقة
إنّ “اتفاق الازدهار التكنولوجي” يعدّ واسع النطاق، ويغطي عدة مجالات من الطاقة النووية، إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فضلًا عن التعاون بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مجال اكتشاف الأدوية وغيرها. لكن جدوى هذه الصفقة غير واضحة حتى الآن، وكذلك قدرتها على تعزيز طموحات لندن في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي حين تم تأطير الصفقة على أنه تعزيز لصناعة الذكاء الاصطناعي في بريطانيا، إلا أنّ معظم الشركات المعنية بالاتفاقية يقع مقرها في الولايات المتحدة. ما يضع البدائل المحلية أمام صعوبة في منافسة الشركات الأميركية. وفي هذا السياق، ندّد منتقدو الاتفاق، مثل نيك كليغ نائب رئيس وزراء بريطانيا السابق والإداري السابق في شركة “ميتا” بقرار لندن ربط نفسها تقنيًا بواشنطن على هذا المنوال[4]. كما سلّط مؤيدو تعزيز السيادة التكنولوجية للمملكة المتحدة وأوروبا[5] على المخاطر التي تهدد الأمن القومي نتيجة احتكار التقنية، حيث اعتبروا أن هذا الاعتماد التكنولوجي قد يكون غير مستدام بل وخطيرًا سياسيًا.
وبصرف النظر عن الصناعة والأمن، فإن هذه الصفقة قد تعدّ نتيجة ثانوية للضجة العالمية المثارة حول الذكاء الاصطناعي، لا سيما وأن المملكة المتحدة تواجه أزمة بطالة ورعاية صحية[6]. وتعرضت الحكومة لانتقادات واسعة بسبب الخلط بين الوعود والإمكانيات الحقوقية، سواء فيما يتعلّق بالتكنولوجيا نفسها أو حتى بقدرة لندن على نشرها.
لغز السيادة
نظريًا، جاءت “اتفاقية ازدهار التكنولوجيا” لتعزيز سيادة المملكة المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، أي بناء وابتكار التقنيات بما يخدم المصلحة الوطنية، بدءًا من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى الحواسيب الكمومية ومشاريع الطاقة النووية المدنية. ولكن من ناحيةٍ أخرى، قد يؤدي ذلك إلى تعريض استقلالية البلاد للخطر وتعزيز اعتمادها على مقدمي الخدمات الأمريكيين. بل قد تكون هذه الصفقة بمثابة خضوعٍ غير ضروري وسابق لأوانه. وما يعزز هذه الفكرة، هو سعي الولايات المتحدة إلى تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره بما يتماشى مع مصالحها[7] وهو ما صرحت به الإدارة الأمريكية مرارًا وتكرارًا لا سيما في صراعها مع الصين.
لقد شهدت استراتيجيات بناء ما يُسمى بـ”الذكاء الاصطناعي السيادي” طفرةً كبيرةً في السنوات الأخيرة. ورغم اختلاف نطاقها وطموحها، إلا أن معظمها يشترك في مواضيع مشتركة، مثل ضمان توافق هذه التقنية مع القيم الوطنية وتعزيزها، أو نشر الذكاء الاصطناعي سعيًا لتحقيق التنافسية الاقتصادية ومصداقية الحوكمة مثل مبادرة “SeaLion” في سنغافورة[8]. وبالمثل قد تسعى خطط المملكة المتحدة إلى تحقيق الأمن الاقتصادي، مدعومةً بـ”بنية تحتية كافية وآمنة ومستدامة للذكاء الاصطناعي”[9]. إلا أن موقف البلدان من القدرة العالمية للذكاء الاصطناعي يعتمد على مكان تواجدها. فهل تمتلك لندن المزيج المناسب من القدرات التمكينية من امتلاك شبكة الطاقة القوية والمواهب لتحقيق ما تتطلع إليه؟ ولو ألقينا نظرة عن كثب للتنافس بين الولايات المتحدة والصين فقد يكون هذا مفهومًا، حيث تمتلكان أكثر من 90% من الحواسيب العملاقة المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي[10]، إلى جانب امتلاكهما أقوى مختبرات العالم في هذا المجال. ويعني هذا الواقع، أن دولًا مثل المملكة المتحدة تواجه معضلة استراتيجية. فكيف ينبغي لها أن تضع نفسها في موقف يعزز سيادتها في سباق لا تستطيع الفوز به؟ ولعل هناك مسارات مختلفة، فقد قامت دول مثل تايوان[11] وهولندا[12] بتنظيم عروض متخصصة في أجزاء محددة من سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي العالمية. وقد اختارت كتلٌ مثل الاتحاد الأوروبي تطوير القدرات المشتركة وبناء “مصانع الذكاء الاصطناعي”. وقد اختارت بلدان أخرى كالإمارات العروض الأمريكية على العروض الصينية، لا سيما وأنها ستستضيف أكبر مركز بيانات في العالم[13].
رهان متأرجح
إنّ الشراكة الشاملة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد سنوات من الاستثمار الاستراتيجي والتبادل المعرفي. وفي هذا الإطار، سعت حكومة ستارمر إلى تعزيز التوافق السياسي مع إدارة ترامب في مجالات أخرى أيضًا، حيث ورد أنها طرحت تنازلات ضريبية رقمية على طاولة المفاوضات، علمًا أنّ وزيرة التكنولوجيا البريطانية ليز كيندال أكدت أن الصفقة الجديدة تستثني الضريبة الرقمية[14]. وعلى الساحة الدولية، انضمت لندن في فبراير الماضي إلى صفّ واشنطن بخصوص الامتناع عن التوقيع على “إعلان باريس للذكاء الاصطناعي”[15]، لتعزيز التنسيق الدولي بشأن حوكمة هذه التقنية، وجعلها “شاملة وأخلاقية”، نائيةً بنفسها عن نهج الاتحاد الأوروبي[16] خصوصًا فيما يتعلق بالتداعيات الأمنية للاعتماد على مزودي التكنولوجيا الأمريكيين. والمفارقة، أن قادة المملكة المتحدة اختاروا ذلك بملء إرادتهم، ولم يكن لزامًا عليهم أن ينأوا بأنفسهم سياسيًا عن أوروبا فيما يتصل بالتكنولوجيا.
وبالمحصلة، ففي السنوات المقبلة قد يُذكَر أن “اتفاقية ازدهار التكنولوجيا” أقل “انتصارًا للسيادة البريطانية” مما يأمله مُؤيدوها. ذلك، أن هذه الاتفاقية قد تبدد كل تلك المزايا التي يتم ترويجها، ومعها هامش الاستقلالية الأمنية والسياسية الأوسع للمملكة المتحدة، في مقابل دفعة استثمارية سريعة بسيادة شكلية لا تملك مضمونًا حقيقيًا. وإذا كانت طموحات لندن تنصبُّ على تأمين موقعٍ متقدّم في تشكيل ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي، والارتقاء إلى مصاف القوى المؤثرة في هذا المجال، فإنه يتعيَّن عليها اتخاذ مسارٍ استراتيجي مستقل، والتعاون الوثيق مع الشركاء الذين يتقاسمون معها الرؤية نفسها، بدلًا من الاكتفاء بدور المتلقّي السلبي في سوقٍ يهيمن عليها الآخرون.
[1] https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/09/memorandum-of-understanding-between-the-government-of-the-united-states-of-america-and-the-government-of-the-united-kingdom-of-great-britain-and-northern-ireland-regarding-the-technology-prosperity-de/
[2] https://www.bbc.com/news/articles/c7016ljre03o
[3] https://www.gov.uk/government/news/us-uk-pact-will-boost-advances-in-drug-discovery-create-tens-of-thousands-of-jobs-and-transform-lives
[4] https://www.uktech.news/news/government-and-policy/nick-clegg-slams-recent-us-uk-tech-trade-deals-20250918
[5] https://www.independent.co.uk/voices/starmer-s-tech-deal-is-a-national-security-gamble-and-ties-us-too-closely-to-trump-b2830520.html
[6] https://www.alaraby.co.uk/economy/%D9%85%D8%A3%D8%B2%D9%82-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D8%AF%D9%88%D8%AC-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9
[7] https://fihm.ai/the-future-of-ai-how-are-the-us-and-china-competing/
[8] https://github.com/aisingapore/sealion
[9] https://www.gov.uk/government/publications/ai-opportunities-action-plan/ai-opportunities-action-plan
[10] https://epoch.ai/data-insights/ai-supercomputers-performance-share-by-country
[11] https://www.tsmc.com/english
[13] https://openai.com/index/introducing-stargate-uae/
[14] https://www.bbc.co.uk/news/articles/c7016ljre03o
[15] https://asharq.com/politics/115907/%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A/
[16] https://www.techpolicy.press/whats-behind-europes-push-to-simplify-tech-regulation/
