الشائع

هل يلقى نيكولاس مادورو مصير بشار الأسد وأشرف غني زاي؟

ما فتئَ نهج الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز يلقى قبولًا وجنوح فئات واسعة من الشعب الفنزويلي إليه حتى أتى عام 2015 حين خسر نظام الرئيس نيكولاس مادورو (خليفة هوغو تشافيز) الانتخابات البرلمانية – آخر انتخابات ديمقراطية شفافة في البلاد – حين أقرّ مادورو بالهزيمة وانتصار تحالف اليمين وفوزه بـ 99 مقعدًا في البرلمان من أصل 177 لأوّل مرة منذ عام 2000. وقد وقع ذلك بسائق من نفاد آثار السياسات الاجتماعية التي أرساها وعمل بها تشافيز ومن بعده مادورو والتي انتفعت منها شرائح واسعة من الشعب الفنزويلي، حتّى إذا تراجعت أسعار البترول عالميًّا منذ النصف الثاني من عام 2014 ولم تعد تدرُّ عائدات كبرى على خزينة الدولة الفنزويلية، حدثَ تضخّم كبير وغلاء أسعار بلغ حدود ستّة أرقام، مقترنًا باختفاء السلع من المتاجر والأسواق وانتشار البطالة الواسعة في صفوف الشباب وقوّة العمل، ما حمل فئات كثيرة على الغضب على نظام مادورو، فانصرفت تُيَمِّم وجهها شَطْرَ المعارضة اليمينية.

فأبى مادورو إلّا أن يبقى رئيسًا وخاض عدّة انتخابات رئاسية وبرلمانية وصفها كثير من المراقبين بأنّها مزيّفة ومشوّهة وغير سليمة.

وكان من عزم وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأمريكي السابقَين مايك بومبيو وجون بولتون في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلْعُ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من منصبه، وقد سعيا لبلوغ ذلك بكلّ وسيلة ووجه، وخاصة في عام 2019 حين أنكرت الإدارة الأمريكية في يناير شرعية تنصيب مادورو رئيسًا لفنزويلا لولاية جديدة، وذهبت إلى الاعتراف برئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية (البرلمان) خوان غوايدو رئيسًا شرعيًّا لفنزويلا، وانضمّت إليها 19 دولة أوربية بالإضافة إلى كندا والبرازيل (في عهد الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو) وكولومبيا (في عهد الرئيس اليميني السابق إيفان دوكيه ماركيز).

وقد أراد بومبيو وبولتون تأليب الرئيس ترامب في ذلك الوقت على تجريد حملة عسكرية لخلع مادورو، وذلك بعد إخفاق سعي غوايدو في القيام بانقلاب عسكري على مادورو عام 2019، مقترنًا بإخفاقه بحشد جموع كبيرة من الشعب الفنزويلي خلفه لإخراج مادورو من القصر الرئاسي والسيطرة على العاصمة كاراكاس، مضافًا إليه عجزه عن حشد دول أمريكا اللاتينية لمؤازرته في مسعاه وتأمين مساعدات إنسانية للشعب الفنزويلي، حتى بلغ به العجز أن يلجأ إلى سفراء دول غربية وطلب حمايتهم حين عاد على متن طائرة حطّت في مطار كاراكاس تفاديًا لاعتقاله من قبل سلطة مادورو.

وقد ضجِرَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من سعي جون بولتون بتوريطه في حرب في فنزويلا، من غير رغبة منه في دخول حروب “لا نهائية” يتّهِمُ أسلافه بإدخال أمريكا فيها من غير جدوى.

وكما هو دأب ترامب وديْدَنُهُ في الانقلاب على نفسه، فإنّه يريد في عام 2025 ومطلع عام 2026 أن يجرّد حملة عسكرية في فنزويلا تفضي إلى خلع الرئيس نيكولاس مادورو وإسقاط نظامه الاشتراكي، والسيطرة على حقول النفط والغاز واحتياطاتها من الثروات الباطنية الهائلة، وذلك بسائق من سعي ترامب لإعادة هندسة سوق الطاقة في العالم.

فالولايات المتّحدة تفرضُ عقوبات على الهند حتّى تعرض عن شراء النفط والغاز الروسيَيْن، كما أنّها تريد من الصين أن تخفّف مشترياتها من الطاقة الروسية، وكذلك طلب ترامب من الرئيس التركي رجب إردوغان الكفّ عن استيراد الغاز الروسي. فإذا فرضت الولايات المتّحدة سيطرتها على احتياطي النفط الفنزويلي وهو الأكبر في العالم، مقترنًا بطفرة النفط الصخري في الولايات المتّحدة منذ 10 سنين، فإنّها ستكون قد أعادت هندسة سوق الطاقة العالمي، وكسرت هيمنة منظّمة “أوبك” ونفط البلدان العربية في الخليج على سوق الطاقة مع ما تكابده إيران من عقوبات أممية وغير أممية على نفطها وغازها.

وعندها تتحرّر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وفي العالم من تأثير بلدان الخليج العربية على السياسة الأمريكية الخارجية، وتتفرّغ عندها أمريكا لاحتواء الصين وروسيا ونقل الأصول الاستراتيجية الأمريكية من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا وأوربا.

وللتذكير، فإنّ الاحتياطي النفطي الفنزويلي المؤكّد يبلغ 300 مليار برميل وهو الأوّل عالميًّا متقدّمًا على احتياطي السعودية الذي يبلغ 267 مليار برميل.

ولن يسقط مادورو فقط بسبب الحملة العسكرية الأمريكية، بل بسائق من اجتماع العوامل والأسباب الموضوعية الداخلية التي أفضت إلى سقوط نظام أشرف غني زاي في أفغانستان في أغسطس 2021، ونظام بشار الأسد في سورية في ديسمبر 2024، من الفساد السياسي والانهيار الاقتصادي وانتشار تجارة المخدّرات والضعف العسكري والتمزّق الاجتماعي والنزعة الديكتاتورية إلى غير ذلك من العوامل التي أشارت إليها خوارزميّتنا في برنامجنا للذكاء الاصطناعي الذي يذهب إلى توقّع سقوط نظام نيكولاس مادورو على صورة سقوط نظامَيْ أشرف غني زاي وبشار الأسد، ما لم تسرع روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية إلى استنزاف الولايات المتّحدة وإغراقها في مستنقع فنزويلا على صورة غرقها في العراق وأفغانستان من قبل. وهذا أمر صعبٌ شاق تعجز روسيا عنه ولو كانت راغبة فيه، بسائق من انشغالها في أوكرانيا. أمّا إيران فلضعف مواردها وبعدها الجيوسياسي وانشغالها بصراعها مع إسرائيل والولايات المتّحدة، فإنّها ستعجز عن مساعدة نظام مادورو في خوض حرب عصابات على الحملة العسكرية الأمريكية. لتبقى الصين الوحيدة القادرة على استنزاف أمريكا في فنزويلا لتصرفها عن مساعدة تايوان حين تغزوها الصين بعد عام 2027.

ولعلّ من عزم مادورو أن يخوض حرب عصابات على الحملة العسكرية الأمريكية إذا تواطأت هذه الدول معه في ذلك، وقد هيّأ لهذه الحرب أسبابها بتجنيد كثير من أتباعه وأنصار سَلَفِه هوغو تشافيز على هيئة كتائب أو ميليشيات مزوّدة بأسلحة خفيفة ومتوسّطة منتشرة في مدن وأرياف وغابات البلاد، حيث يزعم أنّه قد تجنّد 8 ملايين مقاتل من الشعب الفنزويلي لقتال الولايات المتّحدة إذا غزت فنزويلا.

فهل يلقى مادورو مصير بشار الأسد وأشرف غني زاي؟   


الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى