خطّة ترامب لحلّ أزمة أوكرانيا.. أوروبا بين حجرَيْ الرحى: بوتين واليمين القومي

قال عبدالله بن عمر لعثمان بن عفّان يوم اشتدّت عليه الفتنة وخرجت عليه الأمصار لخلعه وحاصرته في داره: “… لا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنّةً كلما كره قومٌ خليفتَهم خلعوه أو قتلوه”[1].
وكذا أمر أوروبا اليوم إن ذهبت إلى القبول بما طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطّته لإنهاء الصراع القائم في أوكرانيا، والإقرار بالواقع الإقليمي الجديد لشرقي أوكرانيا – أي تنازل الجانب الأوكراني عن جزء من أراضيه لمصلحة روسيا – ضمن إطار “الأمر الواقع” بالنسبة لشبه جزيرة القرم وجمهوريّتَيْ دونيتسك ولوغانسك، و”تجميد الوضع” بالنسبة لمقاطعتَيْ خيرسون وزابوريجيا عند خطّ التماس الحالي[2]، فإنّها ستصبح سنّةً، كلّما أرادت روسيا أو دولة أخرى توسيع حدودها، غَزَتْ حدود دولة أخرى وضمّت إليها ما أرادت من الأراضي والمساحات.
وإذا وقع ذلك، فإنّ موسكو ستشخص بنظرها وتشرئبّ ببصرها نحو جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين ليتوانيا وبولندا، وستكون خطرًا عظيمًا على دولتَيْن عضوَيْن في حلف شمالي الأطلسي (الناتو) وفي الاتحاد الأوروبي، وعندها لا طاقة بأحد على الوقوف بوجه روسيا في أوروبا، لأنّ ما أجرأها على ذلك هو أنّ الثمن ليس سوى “الاعتراف بالأمر الواقع”.
وكذا الصين، فإنّها ستتجرّأ أكثر على غزو تايوان وضمّها إلى برّها الرئيسي، والهند على كامل إقليم كشمير المتنازع عليه مع باكستان، وربما تعيد دول أخرى النظر بحدودها مع دول الجوار.
إنّ فتح الباب أمام سابقةٍ كهذه يُعدّ انقلابًا على إحدى أعظم الوقائع التأسيسية التي قامت عليها أوروبا منذ صلح ويستفاليا 1648 وهي أن “الحدود لا تُغيَّر بالقوة”. فأيّ اعتراف أوروبي بتغيير حدود أوكرانيا بالقوة لا يعني فقط هزيمة عسكرية وسياسية لكييف، بل واقعة مضادّة لمنظومة القيم والأسس الأوروبية نفسها، تهدّد الأمن الإقليمي، وقد تقود إلى تفكّك الاتحاد الأوروبي الذي نشأ على مبدأ احترام الحدود ورفض تغييرها بالقوة ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن العواقب السياسية لذلك في أوروبا، استمرار وتيرة صعود أحزاب اليمين القومي أو الوطني، الساعي لإسقاط الأحزاب الليبرالية التي عجزت عن تقديم حلول، ما يجعل أوروبا محاصرة بين بوتين من جهة، ويمين قومي يهدد وحدة الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
إنّ خطّة السلام التي تقترحها الولايات المتحدة تتضمّن 28 بنداً، أبرزها ضمان وتأكيد سيادة أوكرانيا بالتوازي مع اعتراف بـ”أمر واقع” و”تجميد الوضع” في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة روسيا!!! ليتَ شعري، وهل يستقيم التأكيد على سيادة دولة عضو في الأمم المتّحدة وفي الوقت نفسه الإقرار بسيادة دولة أخرى على جزء من أراضي هذه الدولة؟
كما ينصّ الاتفاق على إعادة اندماج روسيا اقتصاديًا من خلال رفع جزئي أو تدريجي للعقوبات، وإشراكها بمشاريع مشتركة في الذكاء الاصطناعي، الطاقة، البنية التحتية، وحتى التعدين، إضافة إلى استثمار جزء من الأصول الروسية المجمّدة في إعادة إعمار أوكرانيا، وتشغيل محطة زابوريجيا النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشاطرة بين روسيا وأوكرانيا.
إنّ خطر ترسيخ مبدأ “مكافأة المعتدي” دفع بالدول الأوروبية إلى تقديم مقترح لتعديل الخطّة الأمريكية، لما رأت هذه الدول في هذه الخطّة من عواقب عظيمة وخطيرة عليها في المستقبل.
وتضمّنت التعديلات “التأكيد أن يكون الاعتراف بسيادة أوكرانيا كاملًا، مع رفض الاعتراف الدائم بسيطرة روسيا على أراضٍ بالصيغة التي طرحتها الخطة الأمريكية، والتشديد على توفير ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، تشمل الولايات المتحدة وغيرها من الفاعلين الغربيين، على غرار التزام المادة الخامسة في الناتو”، مقترنًا بحذف بعض البنود الأمريكية كالبند الذي يشير إلى أنّ حلف “الناتو” لن يتوسع أكثر، أو لا يُسمح به لتوسيع مستقبلي[3].
ووفقًا للرؤية الأوروبية، فإنّه وبدلاً من مجرد استثمار الأصول الروسية المجمدة، فعلى موسكو أن تتحمّل عبء تعويضات كبيرة لأوكرانيا.
إنّ أوروبا اليوم تقف بين طرفَيْ أمرها:
- فإذا قبلت بالخطّة الأمريكية كما هي، بما فيها التنازل عن أراضٍ أوكرانية (مثل القرم وجمهوريتَيْ دونيتسك ولوغانسك بحكم الواقع)، فإنها ستثبّت قانونًا جيوسياسيًا لا طاقة بأحد على الإقرار بنفاذه وهو أن الغزو قد يُكافأ، وأن من يفرض الأمر الواقع يحصل على الاعتراف بالمكاسب التي حققها ولو كان ذلك بالقوة. وهذا أمر عظيم على مستوى العلاقات الدولية في أوروبا، وقد يدفع بروسيا مجددًا أو غيرها لاحقًا إلى تغيير حدود دول أخرى بالقوة.
ولذلك عواقب استراتيجية عظيمة على أوروبا نفسها، حيث تجد البلدان القريبة من روسيا، كدول البلطيق، نفسها هدفًا جديدًا لتوسّع موسكو، وتغدو وحدة الاتحاد الأوروبي مهدّدة بسائق من أنّ القاعدة الجديدة باتت أن القوّة تغيّر الحدود، ولا نصير لأي دولة أوروبية بعد أوكرانيا إذا ما تعرّضت لخطر يهدّد حدودها وسيادتها.
- أمّا إذا رفضت خطّة ترامب، فإنّ ذلك يعني استمرار الاستنزاف في أوكرانيا وخسائر في الأرواح وتدميرًا في البنية التحتية الأوكرانية، ونزيفًا أوروبيّا مستمرًّا في قطاعات الطاقة والاقتصاد (أسعار الطاقة، التضخّم، الفرار من الأسواق التي تأثرت بالحرب..)، وهو ما سيدفع الشعوب الأوروبية قاطبة أكثر نحو الأحزاب اليمينية القومية بعدما رأت الإخفاق والخذلان من الأحزاب الليبرالية التي زيّنت لها مفاهيم “دولة الرفاهية” و”العدالة الاجتماعية” و”الحريات الفردية”، وغفلت عن حمايتها من الأخطار الحقيقية المحدقة بها.
إنّ أوروبا اليوم أمام مفترق خطير وقد يزداد التفاكك بين دولها وشعوبها وداخل الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، لتكون بين حجرَيْ رحى يكادان أن يطبقا عليها: فبوتين يهدّدها ويكاد يطبق عليها من جهة، واليمين القومي الوطني من الجهة الأخرى والذي بات يشكّل خطرًا حقيقيًّا على استمرار الاتحاد الأوروبي وبقائه (انظر دراسة: الاتحاد الأوربي بين التفكك والزوال الكلاسيكي… والثبات والتوسع الكوانتي).
[1] العواصم من القواصم، القاضي أبو بكر الأندلسي، الطبعة الثانية، بيروت، دار الجيل، 1987، ص 173.
[2] asharq.com, 21-11-2025, asharq.co/9jyq4.
[3] المصدر السابق، 23 – 11 – 2025، asharq.co/j52tn.
