نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية: هل نحن أمام "فقاعة أمريكية"؟

بقلم الزميل غير المقيم محمد معاذ
باحث في مجال الذكاء الاصطناعي. كاتب تقني. يرتكز عمله المهني على توفير المهارات الإستراتيجية لدعم وفهم تقنية الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أنجز العديد من الدراسات والمقالات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتركّز أبحاثه على التأثير الحقيقي لهذه التقنية في مختلف المجالات.

في الأسبوع الماضي، اعترض الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا” الأمريكية جنسن هوانغ على الحديث عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت الشركة عن نمو وصفته بالكبير في أرباحها في الربع الأخير من عام 2025، نتيجة الارتفاع لمبيعات الرقائق الذكية[1]. ورغم هذا الإعلان إلا أن المحللين يعتقدون أن المعطيات تشي بشيء مختلف.
يأتي ذلك في وقت كان هوانغ نفسه، قد صرّح في بداية شهر نوفمبر[2]، بأن الصين هي التي ستفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، وهذا ما ينبغي التوقف عنده. ولعلّ هوانغ ليس الشخصية الأمريكية البارزة الوحيدة التي علقت مؤخرًا على التقدم الملحوظ الذي أحرزته الصين في هذا المجال، ما قد يعزز المخاوف من “فقاعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية”.
يقول “برايان تشيسكي” وهو المؤسس لشركة “Airbnb” وصديق المدير التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي” إن شركته “تعتمد بشكل كبير” على منصة “Qwen” من “علي بابا” لأن النموذج الصيني “جيد جدًا” بل و”سريع ورخيص أيضًا”. وفي المقابل، رأى أن منصة “تشات جي بي تي “لم تكن جاهزة تمامًا” لتلبية احتياجات شركته[3]. ومن اللافت ما صرّح به مهندس البرمجيات والمستثمر “مارتن كاسادو” بأنّ معظم رواد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي الذين يراهم في الولايات المتحدة يستخدمون نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية الصنع[4]، كما نُقل عنه أن احتمالية استخدام النماذج الصينية المفتوحة المصدر قد تصل إلى نسبة 80%.
ويمكن القول إن سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين لا يزال في مراحله الأولى. ولعل من السابق لأوانه تحديد الفائز النهائي. إلاّ أن تقييمات أرقام الصناعة الرئيسية تشير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية والتي تتميز بانخفاض كلفتها، وأدائها العالي تكتسب زخمًا في الولايات المتحدة وهذا ما من شأنه تعزيز فقاعة الذكاء الاصطناعي حول النماذج الأمريكية عالية التكلفة بالمقارنة مع نظيرتها الصينية.
الصين: مزايا التكلفة
يبدو جليًا أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تتمتع بمزايا هيكلية رئيسية مقابل الأمريكية، أهمها التكلفة. ويشمل ذلك تكلفة تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة وتحديثاتها، بالإضافة إلى تكلفة تشغيل نماذج اللغات الكبيرة (LLM) للعملاء. فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات أن نموذج الذكاء الاصطناعي “كيمي كيه 2” قبلغت كلفة تدريبه حوالي 4.6 مليون دولار[5]، وهذا جزء بسيط من الإنفاق على “تشات جي بي تي” الذي يقدّر بمئات ملايين الدولارات[6].
وبالمثل، فإن تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة مثل “ديب سيك” و”كوين بلاس” وغيرها، تعدّ أقل بكثير من تكاليف تشغيل كلٍّ من “جي بي تي 5” و “كلود سونيت” من شركة “أنثروبيك”. فمثلًا تبلغ الأخيرة 15 دولارًا لكل مليون رمز من المخرجات[7]، في حين أن التكلفة مع ” كيمي كيه 2″ لا تتجاوز 2.5 دولار أميركي[8].
ومن مزايا نماذج اللغات الصينية الكبيرة أيضًا أنها مفتوحة المصدر. وهذا يتيح للمستخدمين نشر النماذج على البنية التحتية الخاصة بهم، وضمان بقاء البيانات التي تصنّف بالحساسة داخل الشركة. فيما نجد العديد من النماذج الأمريكية مغلقة المصدر، بما في ذلك “تشات جي بي تي”.
الولايات المتحدة: رقائق أقوى وسعة أكبر
تتمتع شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية بميزة الوصول غير المقيد إلى أحدث شرائح الذكاء الاصطناعي، وهي سلسلة “بلاكويل” من إنتاج شركة “إنفيديا”، والتي تعدّ من أحدث وحدات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم. وقد حظرت الولايات المتحدة بيع هذه الرقائق للصين، حيث قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخرًا[9] إنه لا “لا يحق” لأحد من العملاء غير الأمريكيين الوصول إليها.
وفي الوقت الراهن، فإن شريحة “إنفيديا” الأكثر تطورًا التي يمكن للصين الوصول إليها بموجب نظام مراقبة الصادرات الأمريكي هي من طراز “H20″، وهي شبه موصلات عالية الأداء، ومع ذلك فهي متأخرة بجيل كامل عن أحدث شرائح بلاكويل من طراز “B100″ و”B200”. وعليه، يُعتقد أن هذه الفجوة تمنح مستخدمي أحدث شرائح “بلاكويل” قوة حوسبة أكبر بما يصل إلى 15 ضعفًا من مستخدمي رقائق “H20”. وحاليًا تدرس إدارة ترمب بيع رقائق ذكاء اصطناعي متقدمة للصين من طراز “H200”[10]، ما يمثل تخفيفًا ملحوظًا للقيود التي فُرضت لأول مرة في عام 2022 بهدف منع بكين وجيشها من الوصول إلى أحدث التقنيات الأمريكية.
مع ذلك، فإن الصورة الكاملة أكثر تعقيدًا. فمن ناحية، فإن ضوابط التصدير الأمريكية ليست محكمة تمامًا. يتم تهريب بعض الشرائح المحظورة إلى الصين، بينما تحصل الشركات الصينية على شرائح أخرى في دول ثالثة. كما أن شرائح أخرى – مثل Nvidia H800 – متوفرة من مخزونات جمعتها الشركات الصينية قبل دخول ضوابط التصدير الأمريكية حيز التنفيذ، إذ يتم تهريب بعض الرقائق المحظورة إلى الصين، بينما تحصل شركات صينية على الرقائق من بلدانٍ أخرى.
وعلى خط موازٍ، يتم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات، التي تتطلب تكلفة بناء عالية وتستهلك الكثير من الكهرباء لتشغيلها. وتتمتع الولايات المتحدة بسعة أكبر من الصين في هذا السياق[11]، وبالتالي لديها قدرة أكبر على تدريب نماذج ذكاء اصطناعي جديدة أو تحديثها. ومع ذلك، فإن بكين تتحرك للحاق بالركب وتعزيز قدرتها التنافسية، حيث شرعت في بناء مراكز بيانات ضخمة[12]، ودعمت الكهرباء، مما خفّض فواتير الطاقة بما يصل إلى النصف لمراكز البيانات في البلاد[13]. كما يجري بناء بعض مراكز البيانات الجديدة في مناطق صحراوية عبر الاستعانة بالطاقة الشمسية التي تعدّ حاليًا أرخص مصدر للطاقة.
النماذج الصينية: قبول عالمي
لا شك أن العديد من نماذج اللغات الصينية الكبيرة تحظى بمتابعة عالمية. فقد تجاوزت منصة Qwen التابعة لشركة علي بابا 600 مليون عملية تنزيل منذ إطلاقها في عام 2023، وذلك وفقًا لإعلام حكومي صيني[14]. ويتركز معظم هذا النشاط في الدول النامية، حيث يستغل المستثمرون هناك من ذوي الموارد المالية المحدودة خدمة “Qwen” مفتوحة المصدر ووظائفها اللغوية الوفيرة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. كما تُعدّ الصين أيضًا قوةً لا يُستهان بها في مجال الملكية الفكرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، حيث تم تقديم 1.6 مليون طلب براءة اختراع متعلقة بهذه التقنية[15] حتى أبريل من عام 2025، أي ما يعادل 38.6% من الإجمالي العالمي – وهي أعلى نسبة بين جميع الدول.
لعلّ “سام ألتمان” كان محقًا، عندما قال في وقت سابق من هذا العام إن شركته “أوبن إيه آي” كانت على “الجانب الخطأ من التاريخ”[16] في استراتيجيتها الأولية لجعل “تشات جي بي تي” مغلق المصدر. وإذا كان مطورو نماذج الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وأيضًا الدول الغربية يعتزمون تعزيز بصمتهم العالمية في مواجهة المنافسة الصينية، فلا بد من بذل قصارى جهدهم لجعل النماذج مفتوحة المصدر متاحة للمستخدمين بتكاليف تشغيل أقل.
ويتعين على نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية أن تسعى إلى خفض التكاليف ليس فقط من أجل المنافسة، بل وأيضًا لتقليل المخاوف بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي التي تزداد في البلاد[17]. وإذا تآكلت المزايا التنافسية المتبقية لشركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية على وقع تزايد انتشار البدائل الصينية، فإن الاستثمارات في هذا المجال قد تصبح أشبه برهانات محفوفة بالمخاطر، ما يكرّس فكرة “الفقاعة” التي رفضها الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا” الأمريكية “جنسن هوانغ”.
[1] https://www.theguardian.com/technology/2025/nov/19/nvidia-earning-report
[2] https://www.reuters.com/world/asia-pacific/nvidias-jensen-huang-says-china-will-win-ai-race-with-us-ft-reports-2025-11-05/
[3] https://www.scmp.com/tech/tech-trends/article/3329921/airbnb-picks-alibabas-qwen-over-chatgpt-win-chinese-open-source-ai
[4] https://www.economist.com/business/2025/08/21/china-is-quietly-upstaging-america-with-its-open-models
[5] https://www.cnbc.com/2025/11/06/alibaba-backed-moonshot-releases-new-ai-model-kimi-k2-thinking.html
[6] https://www.wheresyoured.at/where-is-openais-money-going/
[7] https://cline.bot/blog/open-source-progress-continues-with-the-release-of-glm-4-6-in-cline
[8] https://platform.moonshot.ai/docs/pricing/chat#generation-model-kimi-k2
[9] https://www.reuters.com/world/china/trump-says-nvidias-blackwell-ai-chip-not-other-people-2025-11-03/
[10] https://www.bloomberg.com/news/videos/2025-11-24/trump-to-decide-on-nvidia-h200-chips-to-china-lutnick-says-mid56kx0
[11] https://www.visualcapitalist.com/ranked-the-top-25-countries-with-the-most-data-centers/
[12] https://www.goldmansachs.com/insights/articles/chinas-ai-providers-expected-to-invest-70-billion-dollars-in-data-centers-amid-overseas-expansion
[13] https://www.ft.com/content/cad2cdd6-7cce-4de3-8710-977de667378c
[14] https://en.people.cn/n3/2025/1118/c90000-20391906.html
[15] https://www.scmp.com/tech/tech-trends/article/3329667/chinas-generative-ai-user-base-doubles-515-million-6-months
[16] https://techcrunch.com/2025/01/31/sam-altman-believes-openai-has-been-on-the-wrong-side-of-history-concerning-open-source/
[17] https://www.ft.com/content/064bbca0-1cb2-45ab-85f4-25fdfc318d89
