الردّ على مزاعم عبد الله أوجلان حول “صحيفة المدينة” و”الإسلام الديمقراطي”

في سياق التصريحات الأخيرة لزعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان، والتي استند فيها إلى ما يُعرف بـ”صحيفة المدينة” باعتبارها نموذجًا تأسيسيًا للاعتراف بالأمم الأخرى من غير المسلمين ضمن إطار سياسي، وبوصفها دليلًا على ما سمّاه “الإسلام الديمقراطي”[1]، فإنّ ما يلزمنا من الحقّ توضيح جملة من الحقائق العلمية والمنهجية التي يتجاهلها هذا الطرح، ويقع بسببها في إسقاطات تاريخية وسياسية غير دقيقة:

  • إنّ الرواية المتداولة لـ”صحيفة المدينة” أوردها ابن إسحاق (المتوفى سنة 151هـ) من غير سند، ما يضعها – وفق المعايير العلمية الصارمة في دراسة النصوص التأسيسية – في دائرة الروايات التاريخية القابلة للنقد والتمحيص، لا في مصاف النصوص القطعية التي يُبنى عليها نظام سياسي أو نظرية حكم.

وعليه، فإنّ التعامل مع هذه الصحيفة بوصفها “دستورًا” بالمعنى الحديث، أو نصًا مؤسسًا لنموذج دائم للحكم، هو تعسّف معرفي لا يستقيم مع مناهج البحث التاريخي.

  • تُظهر “صحيفة المدينة” – في حال التسليم التاريخي بوجودها – إقليم المدينة بحدوده العامة، مع قيادة سياسية واحدة، وقانون أولي عام غير مفصّل، نافذ على سكان الإقليم كافة، مع ضمان أمن وسِلم داخليين لجميع المقيمين ضمن هذا النطاق الجغرافي الصغير.
  • افتقر هذا الميثاق كليًا إلى هيئة إدارية منظّمة تتولى إنفاذ مواده، إذ اقتصر تنفيذ أحكامه والاجتهاد فيها على شخص نبيّ الإسلام وحده، من دون وجود مؤسسات أو أجهزة دولة بالمعنى الإداري أو السياسي المعروف، وهذا يؤكد أن الصحيفة كانت ترتيبًا انتقاليًا ظرفيًا لا بنية حكم مكتملة ولا نظامًا سياسيًا مؤسسيًا.
  • مغالطة تحويل “صحيفة المدينة” إلى مبدأ في السياسة الخارجية: يُعدّ اعتماد بعض منظّري السياسة الإسلاميين المعاصرين – فضلًا عن مفكرين من خارج الحقل الإسلامي – على “صحيفة المدينة” باعتبارها أساسًا للسياسة الخارجية في الإسلام طامة منهجية كبرى. فالصحيفة وُضعت حصريًا لتنظيم العلاقات داخل إقليم المدينة في طوره الأول، ولم تكن يومًا أساسًا أو مرجعًا للعلاقات الدولية أو للسياسة الخارجية في النظام السياسي الإسلامي.
  • إنّ الاستدلال ببنود “صحيفة المدينة” على طبيعة علاقة الإسلام بالعالم، أو على مفهوم “التعددية” و”الديمقراطية” في السياسة الخارجية، هو استنتاج باطل علميًا وتاريخيًا.
  • عندما عُقدت الموادعة مع يهود المدينة، كان المسلمون: قلة عددية، ضعفاء اقتصاديًا، بعد أن ترك المهاجرون أموالهم وممتلكاتهم في مكة، محاصرين سياسيًا من محيط عربي معادٍ، بتأثير مباشر من قريش، حديثي عهد بإقامة إقليم، بلا خبرة سابقة في إدارة الدولة أو الاقتصاد أو العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، فُرضت سياسة داخلية وخارجية سلمية بحكم الضرورة لا المبدأ، لا باعتبارها نموذجًا دائمًا للحكم أو العلاقات الدولية.
  • لقد مرّ النظام السياسي الإسلامي بثلاثة أطوار واضحة في العلاقات الدولية: طور التعايش السلمي المحلي (نحو ثلاث سنوات)، فرضه ضعف المسلمين، ثمّ طور التوازن الإقليمي بين المدينة ومكة وحلفائهما، ثمّ الطور الثالث والنهائي، الذي استقرّ حتى يومنا هذا بنزول آية السيف  والقتال في سورة التوبة سنة 8 هـ، وأُسّست فيه العلاقات الدولية على استراتيجية التوسع والصراع وجهاد الطلب.
  • لقد جاءت النصوص القرآنية المتأخرة، والأحاديث الصحيحة، والوقائع العملية لنبي الإسلام واجتهادات الخليفة أبي بكر والخليفة عمر بن الخطاب من بعده، ناسخةً لكل ما سبقها من سياسات مرحلية فرضتها ظروف الضعف.
  • إنّ الترويج لاستراتيجيات التعايش والتوازن بوصفها الأساس الدائم للعلاقات الدولية في الإسلام، بدعوى انسجامها مع النظريات السياسية المعاصرة، هو تدليس فكري صريح. إذ يتم انتقاء ما نُسخ تاريخيًا وتشريعيًا، وتقديمه بوصفه جوهر النظام السياسي الإسلامي، مع إخفاء الاستراتيجية النهائية الثابتة التي لا تلقى رواجًا في “سوق السياسة العالمية”، وهذا النهج لا يختلف، في جوهره، عن الغش في العروض التجارية، حيث يُسوَّق ما يطلبه السوق لا ما يعكس الحقيقة.

أخيرًا، إنّ استخدام “صحيفة المدينة” لتبرير مفهوم “الإسلام الديمقراطي”، أو لتقديم الإسلام كنظام سياسي تعددي ثابت بمعايير العصر الحديث، لا يستند إلى قراءة علمية ولا إلى فهم تطوري للنصوص والتشريع والتجربة التاريخية، بل هو إسقاط “غبّ الطلب” معاصر على مرحلة ظرفية، منسوخة، فُرضت بواقع الضعف، لا باعتبارها النموذج النهائي للحكم والسياسة في الإسلام.  


[1] hawarnews.com, 25-12-2025, hawarnews.com/ar/134185.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى