الفصلُ والبيان لما أُقِيمَ لهُ الحُكَّامُ في الإسلام

توضيح مسبق: نحن في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية والذكاء الاصطناعي (ICGER) دُعاة إقامة دولة المواطنة والحقوق والحريات الأساسية كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية.
ولا يلزمُ عن ذكر هذه المقالة وما سيردُ في متنها تسويغُ وتبريرُ سياسات حكّام الدول والجماعات والحركات الإسلامية المتشدّدة بحقّ الأقليات الدينية والعرقية، كما أنّنا لا نتبنّى شيئًا ممّا أوردناه في هذه المقالة من نصوص كتب الأحكام السلطانية والولايات الدينية.
وإنّما هذه المقالة هي لبيان وتفسير وتأويل قواعد الحكم وسياسات هذه الأنظمة والجماعات كما جاءت في أصولهم.
لقد شاع الكلام وفاض الحديث عن تحريم أو تجويز تهنئة حكّام المسلمين للمواطنين غير المسلمين في البلاد الإسلامية (المسيحيون، اليهود، الهندوس، البوذيون…) بأعيادهم ومناسباتهم الدينية بين مُنكرٍ لذلك، ومرخّصِ أجاز الأمر.
وقد ظهر ذلك في سورية عندما أعجَزَ الناسَ رهقًا فَهْمُ أسباب إعراض السلطة الجديدة بقيادة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وأعضاء حكومته عن تهنئة المواطنين السوريين المسيحيين في عيد الميلاد، والامتناع عن إعطائهم حقوقهم الدينية كاملة والتضييق على طقوسهم وشعائرهم ورموزهم (شجرة عيد الميلاد وقداديس يوم الأحد، وإظهار الصلبان…)، وكذلك محاربة العلويين السوريين في الساحل والدروز السوريين في جنوب سورية، وترك إقرار الحريات الأساسية للمواطنين والإعراض عن الديمقراطية وغيرها من الحقوق المدنية وفق المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
فقد وقع ذلك كلّه بسائق من تعريف السلطة والحكم في الإسلام، فقد قال الماوردي في الأحكام السلطانية: “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”[1]، فقد أقيم الحاكِمُ ونُصِبَ ليقوم بإنفاذ شرائع الإسلام وأحكام الدين، وهذا ما أُقيم له، فإن ذهب إلى إقرار حقوق المواطنين من غير المسلمين أو الجنوح إلى تطبيق مبادئ حقوق الإنسان والقوانين والدولية والمواثيق العالمية كالقانون الدولي الإنساني وشرعة حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة وغيرها، فإنّه يقوم بخلاف ما أقيم له.
فمثلًا، عندما يُعرِضُ الرئيس الانتقالي في سورية أحمد الشرع، عن تهنئة المواطنين المسيحيين السوريين في عيد الميلاد ويذهب إلى تحكيم الشريعة الإسلامية ومحاربة العلويين والدروز السوريين (فرق الغلاة من أهل الأهواء وفق الأدبيات الإسلامية والموروث السياسي الإسلامي)، فإنّه يقوم بإنفاذ أحكام الشريعة ومبادئ السياسة وقواعد الحكم في الإسلام.
فلا سبيل إلى أن يُسأل الحاكم الإسلامي أو يُطلبَ منه أن يقوم بخلاف ما أقيم له، فلا معنى للإنكار على الحكّام المسلمين تَرْكُهُم مشاركة الرعايا غير المسلمين في بلدانهم في شعائرهم أو طقوسهم أو تهنئتهم بأعيادهم. وما شاع في وسائل التواصل الاجتماعي من إنكار البعض على حكّام البلدان الإسلامية وطلبهم منهم مشاركة رعاياهم من غير المسلمين في أعيادهم، فإنّه لزوم ما لا يلزمُ في الإسلام.
إنّ تشريع التغلب بالسيف على السلطة في قواعد الإسلام في السياسة عند نحلة الأشاعرة ونحلة أهل الحديث قد أطلق سيرورة الاستبداد التاريخية، فنشأ منها نظام الطغيان الإسلامي بعد استدامة هذا المسار لمدة عدة قرون فأصبح الطغيان والاستبداد والديكتاتورية والقمع والاضطهاد والحكم الأمني من خصائص الدولة الحديثة في بلاد المسلمين اليوم.
إنّ لاعتبار الحكام في العالم الإسلامي فوق الدستور والقوانين ولا يُسألون عما يفعلون جذورًا وأصولًا في منظومة الأشاعرة وأهل الحديث وفقهاء الأحكام السلطانية في سياسة المُلك والإدارة وتدبير الممالك. فقد أوجبوا للإمام أو الحاكم حقوقًا على الرعية، وأوجبوا على الرعية واجبات من غير أن يكون لهم حقوق على الأمير أو الحاكم أو الخليفة، فذكروا حقوق الله على الخليفة، وأغفلوا ذكر حقوق الرعية عليه.
ولما كان الله سيحاسب عباده يوم القيامة ومنهم الخليفة، لم يبقَ للخليفة من يحاسبه أو يسائله في الدنيا فتم إطلاق يديه في الحكم من غير حسيب ولا رقيب، فظهر الحكم المطلق في الإسلام.
ولننظر في القواعد الشرعية لحقوق المسلمين وغير المسلمين على الحاكم في البلاد الإسلامية.
لقد ذكر الأشاعرة وأهل الحديث وفقهاء الأحكام السلطانية عشرة أمور يلزَمُ الإمامَ القيامُ بها ليس بينها شيء من الحقوق السياسية للرعية، فقال الماوردي: “والذي يَلزمه من الأمور عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نَجَمَ [أي ظَهَرَ وخَرَجَ]مبتدع أو زاغ [من الزيغ أي الميل إلى الضلال] ذو شبهة أوضح له الحجة، وبيَّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من الزلل.
الثاني: تنفيذ الأحكام.
الثالث: حماية البيضة [بيضة الإسلام أي أصل الإسلام].
الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى من الانتهاك.
الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة.
السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع.
الثامن: تقدير العطايا وما يُستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير [البُخل].
التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة”[2].
ولما كانت السلطة مختزلة في شخص الحاكم عند الأشاعرة وأهل الحديث، فإن ما يلزم النظام أمورٌ لا يتعلق منها شيء بالحقوق والحريات الأساسية للفرد خاصة وللرعية عامة.
والناظر فيما يلزم النظام من أمور يجدها تتعلق بحراسة الدين وحماية الشريعة وإنفاذها على الناس ومقارعة أصحاب الشبهات والأهواء بالحجج حتى لا يُدخلوها على عقائد الناس. وكذلك استيفاء حقوق بيت المال وخزينة الحاكم من أموال الخراج والجزية والزكاة والعشور وغيرها، وذلك لإنفاقها على الجيوش التي يرسلها الحاكم إلى الجهاد والغزو، وتوفير الأرزاق والعطاء والرواتب للمقاتلين وتأمين المعدات اللازمة لجهادهم.
ولما أراد الأشاعرة وأهل الحديث ذكر حقوق الناس على الإمام وضعوا نصًا في تلك الحقوق، فقال الماوردي: “فصل في حقوق الأمة: وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدّى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة”[3].
وقد جعل الأشاعرة وأهل الحديث قيام الحاكم بما يلزمه من الأمور العشرة التي ذكرناها أداءً لما عليه من حقوق للناس، علمًا أن ليس فيها شيء من الحقوق والحريات الأساسية في السياسة والاقتصاد والإدارة وقضايا المجتمع. وإنما هو قيامه بما يلزمه من إنفاذ الشريعة وما يتصل بها من إقامة الحدود من الجلد والرجم وقطع الأيدي والأرجل وضرب الرقاب، والفصل بين الناس في التنازع والخصومات وإجراء الأحكام عليهم، وإرسال الجيوش إلى الجهاد وما يتعلق بها من أحكام القتال والأسر وتقسيم الغنائم والفيء وفرض الجزية والخراج، وجعلوا هذه الأمور التي تتعلق بالسلطة والحكم قيامًا للإمام بحقوق الأمة.
ثم افترضوا أنّ الحاكم قد قام بذلك، وعندها يلزم الناس حقّان آخران من حقوق الإمام عليهم وهما: الطاعة المطلقة والنصرة إذا استنفرهم لقتال أو انتدبهم لأمر فقد وجب عليهم النفير والقتال وإلا كانوا عصاة مخالفين.
والباحث عن حقوق الناس والرعية أو الحقوق الأساسية للفرد المواطن لا يقع على شيء منها، وإنما تقع عيناه ويده على حقوق الحاكم والأمير، ولا يجد إلا واجبات على الناس لا طاقة بهم إلا لزومها وتنفيذها والقيام بها، فإن أبى كان معاندًا مخالفًا مشاققًا يريد الخروج على الحاكم.
لقد أسقط الأشاعرة وأهل الحديث وفقهاء الأحكام السلطانية حقوق الناس وحفظوا حقوق الحاكم فقط، فقد أقاموا نظام الطغيان الإسلامي التاريخي، حين شرَّعوا دينيًا أفعال وسياسات حكَّام بني أمية وبني العباس، وأقاموا الأساس النظري للسياسة في الإسلام على تلك السياسات والأحكام المخالفة لفعل نبي الإسلام وسيرة أبي بكر ومنهج عمر بن الخطاب في بناء الدولة، ولم ينكروا سياسات بعض طواغيت الأمويين والعباسيين مثل عبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك وأبي جعفر المنصور وغيرهم من سلاطين بني بويه وسلاطين السلاجقة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين.
كما جعل الأشاعرة وأهل الحديث وفقهاء الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية الطغيان الفردي الذي بدأ مع معاوية بن أبي سفيان بضرب رقاب الصحابة وقتلهم صبرًا بقطع رأس حجر بن عدي وضرب عنق عمرو بن الحمق طغيانًا منظمًا قائمًا على أصول نظرية مؤيدة بالأدلة الشرعية ليتحوّل تاريخيًا إلى أيديولوجيا الطغيان الإسلامي بتسويغ وتبرير كل ظلم أوقعه الحكام في العهدين الأموي والعباسي على الناس.
لقد أغرق الأشاعرة وأهل الحديث دول المسلمين في الاستبداد والطغيان السياسي، وصنعوا للأنظمة الديكتاتورية فيها قواعد شرعية وأصولًا اعتقادية، وأيدوا سياساتها تاريخيًا بدلائل إسلامية تشرِّعها وتقوم بتأصيلها، فلم يجد طغاة بلاد المسلمين حرجًا من سياساتهم القمعية، ما دامت موافقة لقواعد السياسة في الإسلام بتسويق من الأشاعرة وأهل الحديث.
فإن كان للمسلمين حاجة في إزالة الاستبداد والطغيان وبناء دول عادلة وحكومات منصفة تحفظ الحقوق والحريات الأساسية لشعوبها وتضع دساتير من روح أممها تصون حقوقهم وتضع عنهم الظلم والعسف والذل، فلا بد أن تقوم بتفكيك نحلتَيْ الأشعرية وأهل الحديث وإزالة أصولهما وقيودهما والخروج من أسرهما وهيمنتهما.
وممّا تقدّم من قواعد الحكم في الإسلام نجد أنّ أحمد الشرع وغيره من حكّام بلاد المسلمين منفِّذين لهذه القواعد، فلا ينتظرنَّ دُعاة الدولة العلمانية المدنية أو دولة المواطنة جنوح هؤلاء الحكام إلى تطبيق شرائع حقوق الإنسان والمواثيق الدولية ومخالفة ثوابت وقواعد النظام السياسي الإسلامي.
وفي ما ذكرناه تأويلُ وتفسيرُ ما يجري في سورية والعراق وأفغانستان وتركيا وغيرها من البلدان الإسلامية، من التضييق على رعاياهم (ليس مواطنيهم) من أتباع الأديان الأخرى، ومحاربة (الغلاة من أهل الأهواء) كالعلويين والدروز وغيرهم، ليتقرّب حكّام هذه الدول إلى الله زُلفى [المنزلة الرفيعة].
ليت شعري، هل تنتظرون من الحكّام الذين أُمِروا بالجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام وفرض الجزية على غير المسلمين ووضع الخراج على أموالهم وإقامة الحدود على أهل الزيغ والشبهات وتأديبهم وقتلهم عند إصرارهم على مقولاتهم، أن ينقلبوا على ذلك ويخرجوا عن طاعة الله ويجنحوا إلى الإلتزام بمبادئ الديمقراطية والعلمانية وشرعة حقوق الإنسان؟
لعمري، إنّ من ينتظر ذلك غارقٌ في الأوهام والأماني…
[1] الأحكام السلطانية، القاضي الماوردي، تحقيق أحمد جاد، دار الحديث، مصر – القاهرة، 2006، ص 15.
[2] الأحكام السلطانية، القاضي الماوردي، المكتبة العصرية، لبنان – بيروت، 2001، ص 25 – 26.
[3] المصدر السابق، ص 27.
