استراتيجية ترامب للرقائق: إعادة التقييم في عالمٍ متغير

بقلم الزميل غير المقيم محمد معاذ
باحث في مجال الذكاء الاصطناعي. كاتب تقني. يرتكز عمله المهني على توفير المهارات الإستراتيجية لدعم وفهم تقنية الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أنجز العديد من الدراسات والمقالات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتركّز أبحاثه على التأثير الحقيقي لهذه التقنية في مختلف المجالات.

خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اجتماعه الأخير مع نظيره الصيني شي جين بينغ في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، قائلًا إن اللقاء كان ممتازًا جدًا[1]. لكن وراء هذه المبالغة، كشف الاجتماع عن حقيقة مرّة مفادها أن واشنطن تتفاوض من موقع ضعفٍ يتسم بتآكل القوة في مجال تقنية الذكاء الاصطناعي التي ستحدد قوة القرن الحادي والعشرين. فقد تضمنت تصريحات ترامب إشارة مقلقة: سياسة أشباه الموصلات مطروحة الآن على طاولة المفاوضات بين الطرفين، حيث أن شركة “إنفيديا” الأمريكية لصناعة الرقائق ستتحدث مباشرة مع المسؤولين الصينيين بينما تلعب واشنطن دور “الحَكَم”. ويبدو أن ذلك أدى إلى موافقة البيت الأبيض على إيجاد “تسوية”[2] تسمح بتصدير شريحة “H200” المتقدمة التي تنتجها الشركة إلى الصين.
ولكي تنجح السياسة الأمريكية في المنافسة الجيو- اقتصادية مع الصين، لا بد لها أن تسعى للحفاظ على المزايا الحصرية من خلال إبقاء اعتماد بكين على المنتجات والتقنيات الأمريكية. وبينما تحتفي إدارة ترامب بعقد صفقات قصيرة الأجل، تنفذ بكين استراتيجية تمتدّ لعقود للسيطرة على سلسلة توريد أشباه الموصلات من المواد الخام وصولًا إلى الرقائق الجاهزة. وفي هذا السياق، يقدّر الأستاذ بجامعة “تافتس” الأمريكية كريس ميلر أن الصين أنفقت أكثر من 50 مليار دولار منذ عام 2014، عندما قرر الرئيس الصيني إعطاء أولوية لتصنيع أشباه الموصلات محليًا في البلاد[3]. وعندما قرر ترامب مواصلة ضوابط التصدير التي فرضتها إدارة سلفه جو بايدن على الرقائق الإلكترونية المتقدمة في وقتٍ سابق من هذا العام، عمد شي إلى مضاعفة الجهود لدعم برامج الابتكار المحلية[4] التي سمحت للصين بتحقيق اختراقات اعتقد الكثيرون في الولايات المتحدة أنها صعبة المنال في المستقبل المنظور، مثل رقائق “7 نانومتر” التي تعتبر نقطة الانطلاق للذكاء الاصطناعي التنافسي. وهذا التحول الاستراتيجي يأتي في وقتٍ يواجه فيه تفوق الولايات المتحدة في مجال أشباه الموصلات تهديداتٍ من جهاتٍ متعددة: الابتكار الصيني المتسارع، وعدم اتّساق السياسات الأمريكية[5]، إلى جانب التبعات التي ألحقتها واشنطن بنفسها جراء استخدام “قانون الرقائق” (CHIPS) كورقة ضغطٍ للحكومة للتدخل والسيطرة على الشركات الخاصة.[6]
سوء تقدير
إن النهج الحالي الذي تتبعه الحكومة الأمريكية في التعامل مع ضوابط تصدير أشباه الموصلات يقود إلى تقويض القدرة التنافسية للشركات الأمريكية، في حين يخفق في إبطاء التقدم الذي تحرزه الصين بشكل ملموس. وتواجه شركتا “إنفيديا” و”إيه إم دي” (AMD) خسائر بمليارات الدولارات[7] بسبب تقييد مبيعاتهما لبكين، وهي إيرادات تمول البحث والتطوير اللازمين للحفاظ على ريادة واشنطن. وفي الوقت نفسه، تقوم الشركات الصينية بتهريب الرقائق المقيدة[8] عبر شركات وهمية، واستئجار موارد الحوسبة من مقدمي الخدمات السحابية، والابتكار للالتفاف على القيود الأمريكية. وفي يناير 2025، أصدرت شركة “ديب سيك”، وهي شركة صينية ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، نموذج “R1” مفتوح المصدر والذي يضاهي تقريبًا قدرات النماذج المتقدمة من شركات “غوغل” و”أوبن إيه آي” و”ميتا” الأمريكية. وقد أظهر هذا الإنجاز أن الشركات الصينية قادرة على تحقيق نماذج ذكاء اصطناعي فعالة، ومدربة على عدد أقل من الرقائق بالمقارنة مع ما تستخدمه مثيلاتها الأمريكية[9].
وفي الوقت نفسه، تحولت السياسة الأمريكية إلى “تهديدات” بحجب المِنَحِ التي وُعدت بها الشركات الأمريكية بموجب قانون “CHIPS”، حيث جرى تقديم اقتراحات بأن تستحوذ الحكومة على حصة أسهم في الشركات أو تحوّل المنح المعطاة إلى ملكية حكومية[10]. وعليه، فهذا النهج المتناقض بشدة في التعامل مع ضوابط التصدير يخلق حالة من عدم اليقين ليس فقط بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة، بل وأيضًا للشركات الأمريكية، التي تحتاج إلى تعزيز القدرة على التنبؤ لتخطيط وتنفيذ استثمارات بمليارات الدولارات على مدى السنوات المقبلة.
ويتطلّب الحل اتباع نهج أكثر تطورًا، واستغلال الأدوات المتاحة للحكومة للتعاون مع القطاع الخاص والاستفادة منه لضمان احتفاظ الولايات المتحدة بريادتها التكنولوجية لأجيالٍ قادمة. وفي هذا السياق، فإنّ ميل ترامب لاستخدام الوصول إلى أشباه الموصلات كوسيلة ضغطٍ ليست خاطئة؛ بل إن التنفيذ والنهج المتّبع حتى الآن يقوضان الهدف المنشود. ذلك، أن التعامل مع الرقائق المتقدمة باعتبارها سلعًا قابلة للتداول يمكن لواشنطن تشغيلها وإيقافها على غرار سلع المعاملات القصيرة الأجل لا يعكس أهمية هذا الملف. فهذه الرقائق تعمل على تشغيل الحوسبة الكمومية، وأنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، وما إلى ذلك. وليس من المبالغة القول إن الدولة الرائدة عالميًا في مجال هذه التقنية ستتمتع أيضًا بمزايا اقتصادية وعسكرية واستراتيجية كبيرة لأجيالٍ قادمة.
استراتيجية أكثر فعالية
أولًا، تحتاج الولايات المتحدة إلى جعل ضوابط التصدير قوة مضاعفة للقدرة التنافسية الأمريكية لا بديلًا عنها. لقد حفّز قانون “CHIPS” استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات في طاقة أشباه الموصلات المحلية وهي استثمارات تهدد “التعديلات” التي أدخلَتها إدارة ترامب بتقويضها[11]. ورغم وجود تعديلات يمكن أن توفر نفوذًا إضافيًا، فإن الكونغرس والإدارة بحاجة إلى إعادة التركيز على تسريع وتوسيع الاستثمارات. كما تحتاج شركات أشباه الموصلات الأمريكية أيضًا إلى توليد إيرادات لتمويل المستوى التالي من البحث والتطوير. وهذا يعني زيادة قدرتها على الوصول إلى الأسواق في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وأوروبا للتعويض عن انخفاض عائداتها في الصين. ورغم أن الصادرات إلى أسواق ودول معينة تتطلب بالتأكيد تدقيقًا إضافيًا، وخاصة تلك التي تربطها علاقات اقتصادية عميقة أو طويلة الأمد مع بكين، فإنّ قطعها عن أكبر سوق للرقائق في العالم دون توفير بدائل أخرى قد يشكل انتحارًا استراتيجيًا.
ثانيًا، إن النجاح يتطلّب الاستفادة الكاملة من تحالفات الولايات المتحدة. فميزة أشباه الموصلات الأمريكية تعتمد بالكامل على استمرار التعاون مع البلدان المتقدمة تكنولوجيًا والمتشابهة معها في التوجهات، والتي تساعد في دعم الميزة التنافسية لواشنطن في مجال الرقائق كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها من الدول. لكن سعي إدارة ترامب نحو السيطرة الأحادية، ونظرتها إلى الشراكات على أنها “تبعية وضعف”، قد أحبط حلفاء واشنطن وترك ثغرات في تطبيق القوانين يمكن للصين استغلالها. وبالتالي، على الولايات المتحدة الاستفادة من قدرتها الاقتصادية والدبلوماسية التجارية لتبسيط ضوابط التصدير لحلفائها، وتوسيع نطاق الوصول إلى البحوث بموجب قانون “CHIPS”، والتطوير المشترك لتقنيات الجيل التالي منها، بما في ذلك الالتزامات على مستوى المعاهدات، وليس مجرد تنسيق مؤقت.
ثالثًا، لا بد من قبول حقيقة مفادها أن بعض التقنيات تعدّ أساسية للغاية بالنسبة للأمن القومي بحيث لا يمكن التعامل معها كمجرد متغير تجاري آخر. وفي هذا السياق، لعلّ الإشارة التي كانت الأكثر خطورة خلال اجتماع ترامب وشي في بوسان هي التلميح ضمنًا إلى أن الوصول المتقدم إلى أشباه الموصلات قابل للتفاوض. ورغم أن الرئيس الصيني كان يشك في إمكانية حصول ذلك نظرًا للمعطيات السابقة، إلا أنه قد غادر اللقاء وهو يعلم أن ضوابط التصدير الأمريكية ذات الدوافع الأمنية والتفوق التكنولوجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة قابلان للتفاوض، إذا كان “الثمن مناسبًا”.
رابعًا وأخيرًا، يتعين إدراك أن الريادة التكنولوجية الأمريكية تتطلب حماية منظومة الابتكار بأكملها، وليس المنتجات فحسب. ولطالما تمثلت ميزة واشنطن في تكامل هذه المنظومة بدءًا من الجامعات والمواهب، مرورًا بأسواق رأس المال، ووصولًا إلى أدوات التصميم، والخبرة في المعدات. وبالتالي، فالإجراءات الحكومية التي تؤدي إلى إضعافها قد تؤدي إلى خطر الانهيار التكنولوجي. وبالنسبة للقطاع الخاص، فإن خسارة الإيرادات تعني خفض ميزانيات البحث والتطوير، وتسريح المهندسين، والتنازل عن حصة السوق لصالح المنافسين الأجانب. لذلك، ينبغي لضوابط التصدير أن تحمي القدرات الأساسية مع تمكين الشركات من الحفاظ على إيراداتها ما يضمن استمرار مسار الابتكار.
لم يفت الأوان بعد
قد يكون اجتماع بوسان استجلب بعض الهدوء المؤقت بشأن المعادن النادرة والتعريفات الجمركية بين الولايات المتحدة والصين. لكن شي جين بينغ حقق أهدافه: فقد طرح قيودًا على أشباه الموصلات على طاولة المفاوضات، وأبقى على خياره بإعادة فرض ضوابط على المعادن النادرة، وشهد على أن إدارة ترامب رأت أن الوصول إلى الرقائق المتقدمة قابل للتفاوض وليس استراتيجيًا كما يشاع. لكن لم يفت الأوان بعد. فرغم الإخفاقات، إلا أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة[12] لإدارة ترامب لعام 2025 مُحقة في تأكيدها على أن الريادة الأمريكية في التكنولوجيا المتقدمة تُمثل جوهر الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. ومع مرور قرابة عام على تولي إدارة ترامب لمقاليد الحكم، بات من الواضح أيضًا أنه إذا أرادت تحقيق طموحاتها في الحفاظ على المزايا الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية، فعليها أن تُصبح أكثر حنكةً في كيفية سعيها لتحقيق استراتيجيتها. وهذا يعني استثمارات يمكن التنبؤ بها في البحث والتصنيع الأمريكيين، ومرونة ضوابط معدات التصنيع حيثما يكون تطبيقها فعالًا، إلى جانب الاستفادة من الدول الحليفة بدلًا من تنفيرها عبر “فوضى السياسات”. يضاف إليها إدراك أن التقنيات الأساسية لا ينبغي مقايضتها مقابل مكاسب زهيدة أو صفقات ذات مصالح شخصية.
وبناءً على ما تقدّم، فالريادة التقنية الأمريكية تتطلب استراتيجية مركزة بدقة، ومنسقة على نطاقٍ متعدد الأطراف، بل ومنضبطة استراتيجيًا. ويبقى السؤل الذي يطرح نفسه: هل ستستطيع إدارة ترامب التحلي بالانضباط اللازم لتنفيذها؟ الجواب سيكون مرهونًا برسم الوقت.
[1] https://www.bloomberg.com/news/newsletters/2025-10-30/trump-and-xi-put-limits-on-their-trade-war-in-a-12-out-of-10-summit
[2] https://www.semafor.com/article/12/09/2025/trump-says-nvidia-can-sell-h200-ai-chips-to-china
[3] https://www.youtube.com/watch?v=_TOCRjF9WuE
[4] https://www.csis.org/analysis/limits-chip-export-controls-meeting-china-challenge
[5] https://www.orfonline.org/expert-speak/geopolitical-fallout-from-the-us-china-ai-competition
[6] https://washingtonmonthly.com/2025/11/02/trumps-industrial-policies-whats-right-and-wrong/
[7] https://www.techradar.com/pro/china-regains-access-to-nvidia-chips-after-us-lifts-restrictions
[8] https://aimagazine.com/news/arrests-made-as-millions-of-nvidia-chips-smuggled-into-china
[9] https://www.nature.com/articles/d41586-025-00229-6
[10] https://www.investing.com/news/economy-news/trump-administration-renegotiating-overly-generous-biden-chips-act-grants-4081227
[11] https://spectrumlocalnews.com/us/snplus/news/2025/04/02/trump-chips-act-semiconductors-billions-domestic-investment
[12] https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf
