شدّة القوّة الجيوسياسية.. الولايات المتّحدة قوّة لا تُقهر بضمّ كندا وغرينلاند

لقد شاع القول وكثر الحديث عن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدراته في إلحاق جزيرة غرينلاند بالبرّ الرئيسي للولايات المتّحدة الأمريكية.
ولعلّ قائلًا يقول: ما الذي يحمل الرئيس الأمريكي على فعل هذا الأمر وما يقترن به من إنكار عالمي عام ونكير أوربيِّ خاص، وما يجلبه ذلك من رميٍ للولايات المتّحدة بخرق القانون الدولي والجنوح إلى السياسات الإمبريالية والاستعمارية القديمة التي ذاعت في القرنَيْن الثامن عشر والتاسع عشر، وما يرافقه من انتشار عدمِ اليقين في الساحة الدولية وإرساء سوابق للدول الأخرى باستخدام القوّة عندما تريد التوسّع واستعادة حقوق تاريخية قديمة مثل الصين وتايوان، وروسيا وأوكرانيا وغيرهما؟ فنقول:إنّ الإجابة على هذا السؤال تكمن في منهجنا العلمي لدراسة السياسة وفقَ القواعد الكلاسيكية النيوتنية، حيث نعتمدُ على معادلات سياسية رياضية تقطعُ المخالفَ عنِ الإجابة والإنكار.
وقد سبق القولُ عندنا أنّ في الفضاء السياسي قوانينَ مادّية كامنة تسيطرُ وتحرّك وتوجّه الوقائع السياسية.
وتخضَعُ القوى والكيانات السياسية لهذه القوانين وتسير في رِكابهَا وتنقاد لمفاعيلها، ولا طاقة بالقادة السياسيين ولا الهياكل الإدارية أن تخرُج عن سيطرة هذه القوى وعملهَا.
- ولمّا كان من عزم ترامب “إعادة أمريكا عظيمة مجدّدًا” كما يزعم، فإنّه يريد إلحاق جزيرة غرينلاند وكندا بالولايات المتّحدة الأمريكية، وفي هذا دليلٌ ساطع وبرهانٌ لامع على صدقِ وصحّة نهجنا العلمي في التحليل السياسي، وسنؤيّد ذلك بالمعادلة الرياضية – السياسية العلمية، التي سنذكرها لاحقًا.
إنّ ترامب وهو من حيثُ لا يدري ينقادُ لمفعول وتأثير قانونٍ سياسي ماديٍّ يعملُ ويوجّه ويحكم الوقائع في الفضاء السياسي، حيثُ تسوقُه فطرتُهُ السياسية إلى أنّ أمريكا تصبحُ أعظمَ كلّما ألحقتْ بها دولًا وأقاليم أخرى، كما أنّ هذه الفطرة تحمِله من حيث لا يُدرك أنّ الدول والأقاليم التي تزيد أمريكا عظمةً وقوّةً هي التي تملكُ إطلالات طويلة على البحار والمحيطات المفتوحة، وهو في هذا الأمرِ ينقادُ لعَيْنِ القانون الماديّ والمعادلة الرياضية – السياسية التي تربطُ بين عظمة الدول وتصفُ شدّة القوة الجيوسياسية لها بإطلالتها على البحار والمحيطات، ولم يذهب ترامب إلى ضمّ دولٍ أو أقاليم حبيسة إلى الولايات المتّحدة، حيث لا تزيدُ هذه البلدان الولايات المتّحدة شدّةً في قوّتها الجيوسياسية.
ولنذكر نصّ قانون قياس شدّة القوة الجيوسياسية الأساسية (المجرّدة) للدول:

حيث تربطُ هذه المعادلةُ المساحة بطول الإطلالة على البحار والمحيطات، وعند العودة إلى جدول التصنيف لشدّة القوة الجيوسياسية للدول الذي أعدّه مركز “ICGER“ وفقًا لهذه المعادلة، فإنّ شدّة القوة الجيوسياسية للولايات المتّحدة:

حيثMY (Mega Youssef) هي وحدة قياس شدّة القوة الجيوسياسية.
بينما تبلغ شدّة القوة الجيوسياسية الأساسية لكندا:

وعند قياس شدّة القوة الجيوسياسية الأساسية لغرينلاند، يتبيّن أنّها تبلغ:

وعند القياس، يظهر أنّ القوة الجيوسياسية الأساسية لغرينلاد أعظم من القوة الجيوسياسية الأساسية للولايات المتّحدة.
وعند ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتّحدة، تصبح شدّة القوة الجيوسياسية لها:

وتتقدّم عندها الولايات المتّحدة على روسيا في القوة الجيوسياسية الأساسية، وكذلك على الصين.
بينما إذا تمّ ضمّ كندا إلى (الولايات المتّحدة + غرينلاند)، فإنّ قوّتها الجيوسياسية تكون:

وعند النظر في جدول تصنيف الدول بحسب شدّة قوّتها الجيوسياسية الصادر عن مركز “ICGER“، ينكشف الأمر أنّ القوة الجيوسياسية للولايات المتّحدة تضاهي مجموع شدّات القوة الجيوسياسية لمعظم بلدان العالم، وتصبح عندها الولايات المتّحدة قوة جيوسياسية لا تقهر.
وهذا تأويلُ إلحاح وإصرار ترامب وإدارته على ضمّ كندا وغرينلاند إلى الولايات المتّحدة الأمريكية، فضلًا عن ثرواتهما.
- يتيحُ ضمّ كندا وغريلاند إلى الولايات المتّحدة نصبَ قواعد للدرع الصاروخي الأمريكي على أراضي كندا وغرينلاند القريبة من القطب الشمالي، والتي تستطيع اصطياد الصواريخ البالستية العابرة للقارات المنطلقة من روسيا والصين وكوريا الشمالية.
كما تستطيع الولايات المتّحدة إقامة بعض قواعد صواريخها الاستراتيجية العابرة للقارات “ترايدنت 2″، في تأكيد لما قاله ترامب “إنّنا بحاجة إلى غرينلاند، إنها ذات أهمية استراتيجية للغاية في الوقت الحالي… ونحن بحاجة إليها من منظور الأمن القومي”[2]، وبذلك تهدّد الولايات المّتحدة روسيا والصين وكوريا الشمالية من حيث لم تحسب هذه الدول لها حسابًا، وعندها تتغيّر المعادلة الاستراتيجية العالمية.
- وتزيد القيمة الكبيرة لضمّ غرينلاند وكندا إلى الولايات المتحدة إذا ما أضفنا إلى المعادلة ما تحتويانه من ثرواتٍ نفطية وغازية ومعادن نادرة تحتاجها الولايات المتّحدة الأمريكية للمحافظة على تفوّقها الاقتصادي والتكنولوجي على خصومها ولا سيما الصين.
- حيث تبلغ الاحتياطيات المؤكدة من النفط والغاز في غرينلاند وحدها حوالي 17.5 مليار برميل نفط و148 تريليون قدم مكعب من الغاز (حوالي 41 تريليون متر مكعب)، بينما تبلغ احتياطيات النفط في كندا 171 مليار برميل و38.7 تريليون متر مكعب من الغاز، فضلًا عن المعادن النادرة الكثيرة الموجودة في غرينلاند كالليثيوم والكوبالت والغرافيت واليورانيوم وغيرها.
إنّ ضمّ غرينلاند وكندا كما سبق القول مسألةُ أمنٍ قومي للولايات المتحدة الأمريكية، تخضع للقوانين المادية التي تحكم الفضاء السياسي، وإنّ القادة الأمريكيين ينقادون لها من دون معرفة بها أو بآليات عملها.
[1] السياسة: القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية، الدكتور محمد وليد يوسف، المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية (ICGER)، الطبعة الأولى، 2025، بيروت – لبنان، ص 114.
[2] arabic.cnn.com, 05-01-2026, arabic.cnn.com/world/article/2026/01/05/trump-says-united-states-needs-greenland-from-the-standpoint-of-national-security.