ميناء بربرة وباب المندب.. أهداف ودوافع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

في أواخر عام 2025، أثار إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي كدولة مستقلة عن الصومال تفاعلات إقليمية ودولية لافتة. ورغم أن الخطوة بدت، في ظاهرها، ذات طابع دبلوماسي رمزي، فإنّ دلالاتها الحقيقية تتجاوز الإطار الشكلي للاعتراف القانوني، لتكشف عن إعادة تموضع استراتيجي أوسع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في النظام الإقليمي، هي القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالسياق الذي جاءت فيه هذه الخطوة، وتوقيت إعلانها، يشيران إلى أن إسرائيل لم تتعامل مع أرض الصومال كقضية سيادية بقدر ما نظرت إليها كمعادلة جيوسياسية مرتبطة بالأمن البحري والتحكم بالممرات الحيوية.

وتنبع أهمية هذا التحرك من الموقع المركزي الذي يحتله البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حركة التجارة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا. وقد ازدادت حساسية هذا الممر في السنوات الأخيرة بفعل تصاعد الاضطرابات الأمنية، لا سيما الحرب في اليمن، وبروز فاعلين مسلحين من غير الدول يمتلكون قدرات متزايدة على تهديد الملاحة البحرية. في هذا السياق، باتت حماية خطوط الإمداد البحرية أولوية قصوى في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، ليس فقط من منظور اقتصادي، بل أيضًا باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي.

انطلاقًا من ذلك، يمكن فهم الاعتراف بأرض الصومال كجزء من مقاربة أمنية غير مباشرة، تقوم على تقليص المخاطر دون الانخراط في مسارح صراع مفتوحة. فبدل الاعتماد الحصري على الانتشار العسكري أو الدوريات البحرية بعيدة المدى، تسعى إسرائيل إلى بناء شبكة ارتكاز إقليمية تتيح لها مراقبة الممرات الحيوية من نقاط قريبة، وبكلفة سياسية وأمنية أقل. ويمنحها وجود شريك محلي يتمتع بدرجة من الاستقرار النسبي على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر نافذة استخباراتية ولوجستية ذات قيمة عالية، دون أن يفرض عليها التزامات عسكرية مباشرة في بيئة شديدة التعقيد.

وتتضاعف أهمية أرض الصومال في هذا الإطار بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط بين القرن الأفريقي وخليج عدن والبحر الأحمر، وهو ما يجعلها نقطة التقاء طبيعية للمصالح الأمنية والاقتصادية. ورغم غياب الاعتراف الدولي الواسع بالإقليم، فإن قيمته الاستراتيجية لا ترتبط بوضعه القانوني بقدر ما ترتبط بوظيفته الجيوسياسية. وقد ساهمت الاستثمارات الإماراتية الواسعة في ميناء بربرة والبنية التحتية المحيطة به في تعزيز هذا الدور، ما أوجد بيئة مواتية لتداخل المصالح بين الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل والإمارات.

هذا التداخل بين البعدين الاقتصادي والأمني يتيح لإسرائيل توسيع نفوذها في القرن الأفريقي عبر أدوات غير صدامية، حيث يتحول الاستثمار والبنية التحتية إلى رافعة استراتيجية، وليس مجرد نشاط اقتصادي. كما يمنحها ذلك هامش مناورة في مواجهة قوى إقليمية منافسة، مثل تركيا وإيران، اللتين تنظران بدورهما إلى القرن الأفريقي باعتباره امتدادًا طبيعيًا لنفوذهما الإقليمي. وبهذا المعنى، يصبح الاعتراف بأرض الصومال جزءًا من لعبة توازنات أوسع، تتجاوز حدود الصومال نفسها.

غير أن هذه المكاسب المحتملة لا تخلو من تحديات سياسية واضحة. فقد قوبلت الخطوة الإسرائيلية برفض من الحكومة الفيدرالية الصومالية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي وعدد من الدول العربية، التي اعتبرت الاعتراف مساسًا بوحدة الأراضي الصومالية وسابقة قد تشجع نزعات انفصالية أخرى في القارة. ويعكس هذا الرفض هشاشة التوازنات السياسية في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع قضايا السيادة، وبناء الدولة، والتنافس الإقليمي في بيئة شديدة السيولة.

وفي ضوء هذه المعطيات، يظل مستقبل أرض الصومال مفتوحًا على عدة سيناريوهات. فالسيناريو الأرجح يتمثل في بقاء الاعتراف الإسرائيلي في إطاره الرمزي والاستراتيجي المحدود، دون أن يترجم إلى اعترافات دولية واسعة، مع استمرار التعاون غير المعلن في المجالات الأمنية واللوجستية. في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو أكثر خطورة في حال تزامن هذا التحرك مع تصعيد عسكري في البحر الأحمر أو اليمن، ما قد يحول الإقليم إلى ساحة صراع بالوكالة ويزيد من عسكرة القرن الأفريقي. أما السيناريو الأقل احتمالًا، لكنه الأكثر استدامة، فيكمن في بلورة مسار تفاوضي إقليمي – أفريقي يوازن بين متطلبات الأمن والمصالح الاقتصادية ووحدة الدول.

في المحصلة، يعكس الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تحولًا أعمق في منطق التحرك الاستراتيجي، حيث تتقدم اعتبارات الجغرافيا والأمن البحري على القيود القانونية التقليدية. فالقرن الأفريقي لم يعد هامشًا في الحسابات الدولية، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة هندسة النفوذ الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى هذه الخطوة بوصفها حدثًا منفصلًا، بل كمؤشر على نمط جديد من السياسات، تُعاد فيه صياغة خرائط التأثير عبر الموانئ والممرات البحرية بقدر ما تُعاد عبر العواصم والحدود.

ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى